; هل الهاجس الأمني محركها وحده؟ الحملة على المسلمين في أوروبا | مجلة المجتمع

العنوان هل الهاجس الأمني محركها وحده؟ الحملة على المسلمين في أوروبا

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الجمعة 10-سبتمبر-2004

مشاهدات 57

نشر في العدد 1617

نشر في الصفحة 38

الجمعة 10-سبتمبر-2004

بون

  • إنها «معركة قيم» ... وليست «معركة حضارات»، كما أرادتها مدرسة «هنتنجتون» ... فأي نهضة حضارية جديدة تقوم على القيم القويمة لا تقضي على حضارة قائمة بل تواصل ما حققته من منجزات.

  • إن ازدياد ضراوة الحملة التي تستهدف المسلمين في أوروبا ينشر في المجتمعات الغربية مزيدًا من الأمل في التعرف على تلك القيم.

المواجهة الحقيقية تدور بين طرفين... أحدهما يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالمصالح المادية المهيمنة، والثاني كل من يعمل على عودة منظومة القيم والأخلاق إلى الصدارة.

لم تعد المخاوف من هجمات إرهابية كافية لتفسير ما يتعرض له المسلمون في أوروبا من ضغوط متزايدة، بدءًا بتشريع قوانين تبيح تعامل أجهزة الأمن معهم بأساليب تتجاوز الحدود التقليدية لدولة القانون والقضاء، وانتهاء باستهداف جوانب رئيسة من حياتهم الإسلامية، لا سيما على صعيد الحجاب وخطبة الجمعة.. ويوشك هذا التعامل غير المبرر موضوعيًا أن يؤدي إلى نقيض الهدف المعلن رسميًا عنه وهو مكافحة «الإرهاب».

فالوقائع والممارسات معروفة منها حظر الحجاب والقوانين الاستثنائية لمداهمة المساجد والمراكز ومنازل الناشطين في الجمعيات والروابط الإسلامية، وجمع المعلومات عن المسلمين والتعامل استخباراتيًا معهم، ثم عمليات الترحيل أو محاولات الترحيل المتكررة للمشتبه فيهم، وإن لم تثبت إدانتهم قضائيًا، ثم إغلاق جمعيات ومؤسسات بتهمة جمع التبرعات وإرسالها إلى ذوي ضحايا أحداث الأرض الفلسطينية، فضلًا عن مسلسل التصريحات الرسمية من مسؤولين سياسيين وحديث متكرر عن وجود خلايا إرهابية إسلامية، في كل مكان في أوروبا.

إن من يتابع وقائع هذه الحملة الواسعة النطاق يجدها تتناقض مع أمرين ثابتين بوضوح، أولهما: أن الإسلام والمسلمين يجدون في هذه الأثناء تعاطفًا وتفهمًا متزايدين على المستوى الشعبي، وفي كثير من أوساط المفكرين والمثقفين إلى درجة تدفع إلى التساؤل، عما وراء هذا التناقض بين الشعوب ومواقف رسمية من حكومات من المفروض أنها تمثل الشعوب.

والأمر الثاني: يؤكد أن هذه الحملة لا تتناسب نوعًا وكمًا مع واقع حجم الخطر المعلنة بسببه، وصحيح أن حادثًا من قبيل ما شهدته مدريد يثير المخاوف الرسمية والشعبية، ولكن الحملة المشار إليها لا تستهدف «مشتبهًا بهم» فحسب بل باتت شاملة لقطاعات واسعة النطاق من عامة المسلمين في أوروبا، هذا مقابل ما يرد في التقارير الرسمية لأجهزة المخابرات، أن «المشتبه» بهم من حيث الميل لاستخدام العنف - وليس المتهم فعلًا هو في حدود الآلاف، ولا تصل نسبته سبعة في الألف من بين عشرات الملايين من المسلمين في أوروبا، وهي نسبة أدنى بكثير من نسبة انتشار الميل إلى العنف واستخدامه في أوساط اليمين المتطرف الأوروبي إلى عامة السكان، وقد ارتكب ويرتكب اعتداءات يومية، دون أن يدفع ذلك المسؤولين إلى تعامل مشابه ولو جزئيًا مع تعاملهم الراهن مع عامة المسلمين..

وقد تثير المخاوف المشروعة من الخطر الاستعداد لدى عامة السكان في أوروبا بمن فيهم المسلمون - للقبول بتعزيز إجراءات أمنية وقائية معينة، كما هو الحال مع الحدود والمطارات، وحتى القبول بعمليات تفتيش معينة شريطة اقترانها بتطبيق المعايير القضائية المعتبرة في تقدير مصداقية الشبهة وإمكانية ترجيح صحتها، ولكن لا يمكن - قطعًا - استيعاب أن يكون من الإجراءات الأمنية الوقائية المناسبة، تجاه مزاعم انتشار الميل إلى العنف في الشبيبة المسلمة حظر الحجاب على فتاة ناشئة مسلمة على مقعد الدراسة...

كذلك لا يمكن القبول بالحديث عن إجراء وقائي للحيلولة دون انتشار الميل إلى العنف في أوساط المسلمين عند النظر في التضييق المتزايد على خطباء الجمعة، فلا يكفي لتعليله سوء تعبير بعض الخطباء، لا سيما أنهم يعتمدون عادة على وجود خلفية إسلامية لدى المصلين، قائمة على ثوابت معروفة لا تحتاج إلى تكرار مثل عدم مشروعية الاعتداء على الآخرين، وهذا مما لا يدركه أو يعلم به المتنصتون، ولكن الأهم من ذلك أن هذا النوع من إجراءات التضييق لا يراعي مدى تأثر الخطباء - كعامة المسلمين - بما يجري من أحداث مأساوية في البلدان الإسلامية، وفي هذه الحالة تتخذ إجراءات التضييق الرسمية الأمنية، مكانها في الأذهان كجزء من الانحياز الغربي في قضايا المسلمين عموما، ومعروف أن المسلمين وغير المسلمين في أوروبا قادرون على المقارنة الواعية بين تحرك الحكومات الغربية في مثل قضية دارفور في السودان، سرعة ونوعية وتحركهم بأساليب أخرى ومواقف مغايرة تمامًا في مثل: أحداث أفغانستان والشيشان وفلسطين والعراق.

إن مما يشجع الحكومات الأوروبية على المضي قدمًا في حملتها الراهنة، أننا نرصد تعاملًا مشابهًا أو أشد وطأة من جانب أنظمة بعض الدول الإسلامية على صعيد الحجاب وخطبة الجمعة والجمعيات الخيرية والاعتقالات دون سند قضائي، وغير ذلك مما ينتهك الحقوق والحريات. يضاف إلى ذلك ما يوجد من تشابه أو تكامل في السياسات الرسمية المتبعة هنا وهناك، على صعيد الأحداث الجارية، بصورة لا تضع حدًا لمأساويتها، وهذا مما يضاعف انتشار مشاعر اليأس والقنوط وخيبات الأمل المتتالية، وهي المحاضن الحقيقية والأخطر لنشوء ردود فعل مضادة.

خطر الإرهاب أم القيم

من العسير الظن بأن المسؤولين في أوروبا لا يدركون أبعاد هذه المعادلة، ومن العسير كذلك اتهامهم بأنهم يريدون المضي بالأساليب المتبعة من جانبهم الآن على الطريق، التي مضت عليها أنظمة حكم متهمة عندهم بالاستبداد والفساد وانتهاك حقوق الإنسان لا سيما أن هذا - بالذات كان عبر العقود الماضية من العوامل الرئيسة في إيجاد أجواء مكنت من انتقال ظاهرة الإرهاب والعنف من الغرب إلى البلدان العربية والإسلامية، ومن استفحالها وانتشار آثارها عالميًا.

لا يمكن تعليل الحملة الراهنة إذن بالهاجس الأمني وحده، وهذا مما يدفع إلى الاعتقاد أن بعض الحكومات الأوروبية على الأقل، تتحرك على النقيض من واقع الغالبية الشعبية وتفهمها لتحقيق أهداف أبعد مدى من الهدف الرسمي المعلن، وأن في مقدمة تلك الأهداف محاولة النيل من الصحوة الإسلامية عمومًا. وليس من ظاهرة العنف على وجه التخصيص. ويعزز هذا الاعتقاد أن المرحلة الراهنة شهدت نقلة نوعية في المصطلحات المستخدمة من جانب غالبية السياسيين والإعلاميين، فاختفى التمييز بين إسلاميين معتدلين وآخرين متطرفين حسب المقاييس الغربية، وبات استخدام كلمة إسلاميين، نفسها في موضع التعبير عن الإرهابيين والمتطرفين... وما شابه ذلك، إضافة إلى شيوع تعبير الإرهاب الإسلامي دون تمييز.

لقد عاد الإسلام إلى الانتشار على مستوى الشباب المسلم - عمومًا  بسبب منظومة القيم والأخلاق، وهذا ما يتسع نطاق أصدائه داخل المجتمعات الأوروبية التي أصبح المسلمون فيها جزءًا عضويًا، مؤثرًا من خلال التواصل المباشر - خاصة جيل الشباب - الأكثر تعاطفًا وانفتاحًا وتفهمًا تجاه الإسلام والمسلمين وقضاياهم المعاصرة، بل ينعكس التجاوب في الارتفاع المطرد في نسب اعتناق الإسلام في صفوفها.

 من هنا يبدو أن الطبقة المهيمنة على صناعة القرار السياسي والأمني، تتحرك من منطلق الدفاع عن مواقع السيطرة المادية التي تعتمد الهيمنة عليها، وقد تفاقمت عواقبها على صعيد الفئات الأضعف في المجتمعات الغربية نفسها، هذه الهيمنة المادية هي التي تتناقض معها منظومة القيم والأخلاق التي يطرحها الإسلام على وجه الخصوص. 

إن خطر الإرهاب، ليس مهددًا الاستمرار الهيمنة المادية الطاغية على المدى البعيد، ولكن انتشار القيم عمومًا، في الغرب الخطر الأكبر.

ولم يعد يكفي بديلًا عن ذلك الإكثار من الحديث عن حقوق الإنسان وحرياته واعتبارها مع الديمقراطية منظومة القيم الغربية، فقد ظهر على أرض الواقع أنها تفتقر في الدرجة الأولى إلى مفعول منظومة القيم الأخلاقية والوازع الذاتي كي لا يبقى الخلل في التطبيق بعيدًا عن الكلام النظري المكتوب، وذاك ما يضمن استعادة الإنسان لكرامته وحقوقه وحرياته بمعنى الكلمة، واستعادة توازنه في علاقاته مع الآخر..

معركة قيم

أمام هذه الخلفيات ينبغي على المسلمين في الغرب ألا ينزلقوا إلى معركة وهمية، تصطنع لتدور بينهم وبين عموم المجتمعات الغربية فالمواجهة الحقيقية تلك التي دارت وتدور بين طرفين، أحدهما: كل من يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالمصالح المادية المهيمنة والثاني: كل من يدعو ويعمل من أجل عودة منظومة القيم والأخلاق إلى الصدارة في عالم أعطيت فيه الأولوية والسيادة للمادة، وانتشر مقابل ذلك الوصف المعروف للسياسة بأنها لا أخلاق لها.

إنها معركة قيم... وليست معركة حضارات كما أرادتها مدرسة هنيتنجتون والتي أصبحت هي المدرسة الأمريكية الأطلسية، فأي نهضة حضارية جديدة، تقوم على حاضنة للقيم القويمة الثابتة، لا تقضي على حضارة قائمة، بل تستأنف تلقائيًا سبيل ما حققته من منجزات تقنية ومادية، فتعطيها وعاء القيم الذي افتقدته في هذه الأثناء.

وفي معركة القيم هذه لا ينعزل المسلمون في المجتمعات الغربية، ولا ينبغي أن يساقوا عبر التركيز المكثف على إجراءات أمنية غير عادلة، أو مبالغ فيها على الأقل - إلى جانب الانحياز السياسي والازدواجية في قضايا المسلمين الساخنة - إلى القبول بعزلهم في جبهة قائمة بذاتها وسط المجتمعات التي يعيشون فيها، وتزداد قابلية التأثير عليها من داخلها تدريجيًا.

 إن ازدياد ضراوة الحملة التي تستهدف المسلمين في أوروبا مع ما تمثله صحوتهم من قيم يؤدي بالضرورة إلى نقيض الغرض المطلوب من الحملة، فينشر في المجتمعات الغربية على الأرجح مزيدًا من الأمل في أن تتعرف أكثر فأكثر على تلك القيم وتتقبلها.

ومن المؤكد أيضًا أن نجاح المسلمين في تأكيد تمسكهم القوي بمنظومة القيم والمعايير الأخلاقية، وبيان أنها التي تصنع مواقفهم إزاء ما يجري في عالمهم وعصرهم، بما في ذلك الأحداث الساخنة المأساوية في البلدان الإسلامية، هذا النجاح يضاعف - إذا تحققت قدرتهم - على مواجهة الحملات التي تعطى عنوان الأمن، وهي تفرغه من محتواه وتصنع ما يتناقض معه ومع هدف تعزيزه وترسيخه.

الرابط المختصر :