; تساؤلات وإجابات: د. أبو غدة يجيب: هل المرأة أقل كفاءة من الرجل؟! | مجلة المجتمع

العنوان تساؤلات وإجابات: د. أبو غدة يجيب: هل المرأة أقل كفاءة من الرجل؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 18-أبريل-1982

مشاهدات 132

نشر في العدد 566

نشر في الصفحة 42

الأحد 18-أبريل-1982

عن أبي سعيد الخدري - رضى الله عنه - قال: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أضحى - أو فطر - إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة، فقال: أيها الناس تصدقوا، فمر على النساء، فقال: يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟.

قال: تكثرن اللعن -وفي رواية: تكثرن من الشكاة -، وتكفرن العشير - أي المعاشر: الزوج -،  ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب بلب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء!. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟. قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادةالرجل؟. قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟. قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها.

ثم مرَّ على النساء متوكئا على بلال، فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن.

فهل معنى ذلك أن المرأة أقل كفاءة من الرجل؟.

قبل تناول القضية الأساسية من هذا الحديث لا بد من تقديم نبذة عن درجته من الثبوت، ومجمل لمعناه؛ للتوصل إلى بيان ما فيه من حقائق:

أما من ناحية ثبوته، فهو متفق على صحته، بل هو من الدرجة العليا من الصحة، لرواية البخاري ومسلم له - كما رواه أبو داود والنسائي أيضا -، وقد كرر البخاري روايته مرارًا بألفاظ متقاربة، مستشهدًا بكل فقرة من فقراته في الموضوع المناسب لها «صحيح البخاري، ج ۱، ص ۸۳، إلخ. ج ٢، ص ١٤٩ إلخ، طبعة الشعب».

أما معنى الحديث فيكاد من وضوحه يستغنى عن الشرح، وأن سياقه وسبب وروده يدل على أنه لم يهدف للحط من منزلة المرأة، كما لم يجاوز الحقيقة الواقعة في وجود التفاوت بين الفرص المتاحة لكل من الجنسين سواء في مجالات التقرب إلى الله بالعبادة بالصلاة والصوم وفضائل الأعمال وأداء فرائض الكفاية المعروفة، أو في مجال التعامل والتصرفات من حيث أداء الشهادة لتوثيق الحقوق وإثباتها، والهدف المباشر للحديث: حفز النساء على مضاعفة العمل الصالح، ولا سيما الصدقة في وجوه الخير لاستدراك ما يفوتهن بأصل الفطرة، فضلا عما تضمنه الحديث من تنويه بما أوتيته المرأة من تأثير في الرجل لدرجة استهوائه بل إغوائه، بالرغم من الفرص التي أعطيها نظير الأعباء والمهام الموكولة إليه من أصل الفطرة والتكوين.

 والأمور التي نعاها على جنس النساء بصورة عامة هي:

أ- كثرة اللعن، ويتضح من رواية أخرى للحديث بلفظ «تكثرن من الشكاة»، أن المراد: التذمر من أحوال العيش المتقلبة، والتأفف من الحياة ومن ظروف الزوج، وهذا يناقض الرضا بما قدره الله، والمؤمن إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر،كما أنه ليس بالطعان ولا اللعان.

 ب - کفران معروف الزوج ونكران أياديه السابقة، ومن البداهة أن ذلك إنما يقع حين انقطاع رفده، وضيق ذات يده، وقد جاء تفسيره في رواية أخرى معناها: «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط».

كما جاءت رواية: يكفرن، فقيل: يكفرن بالله؟ قال: بل يكفرن العشير.

ج - إغواء الرجل واستهواؤه للشهوات فيعصي، تحت تأثير المرأة، ما يهديه إليه عقله، وما يقضي به الحزم؛ حتى لو كان هو معروفا به، وأورد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك على سبيل التعجب، كيف يغدو العاقل الحازم - المتفوق بأصل الفطرة في فرص التعبد والتكامل - مغلوبا ممن فطرت وهي ناقصة عنه في ظروف التدين العبادي، وفي مجال مهم من مجالات التعامل، وهو إثبات الحقوق عند التنازع بالشهادة: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ (البقرة:282).

وفرص التعبد ليست محصورة في الصلاة والصيام، فإن ذلك بعضها، ولذلك قال: «فذلك من نقصان دينها»، فيشمل تلاوة القرآن ودخول المسجد - في حالة العذر الشهري - وكثيرًا من القربات المطلوبات من الرجال أصالة أو بالأولوية، والانقطاع الدوري عن تلك القربات يضعف عوامل الصلاح الروحي والرقابة الذاتية.

 وبعد هذا الإجمال لمعنى الحديث نقتبس بعض الأضواء منه مع المواقف المختلفة منه.

1 - إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يضع في هذا الحديث أساسا متينا؛ للاهتمام بالمرأة وتعهدها بالتوعية والإرشاد، وذلك باختصاص النساء بالكلام فيم يعنيهن من شؤون، ولذا كان من هديه الحث للنساء على أن يشهدن جماعة المسلمين في مصلى العيد في صفوفهن الخاصة من وراء القوم، وبعد أن شاركن الرجال في سماع خطبة العيد شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهن لم يسمعن تلك الموعظة العامة كما ينبغي، فما كان منه إلا أن خصهن بإرشادات ذات صلة مباشرة بهن، وكان تثقيفهن بها قائما على إثارة الانتباه والحوار والإقناع، ثم قطف الثمار الفورية باقتران الفعل بالقول، وكأن لسان حالهن يردد سمعًا وطاعة وتلبية.

2 - كان إصغاء النساء بهدف الوصول إلى الحقائق المجردة عن المبالغات، وبعيدًا عن رغبة التكاثر من الامتيازات على حساب مجابهة فطرة الله وما شرعه لعباده: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الملك:14)، والحذر حقيق بالنساء إذا واجهن مثل هذه المواقف القائمة على المجاملة والرياء أو المداهنة والمماراة في الواقع الملموس، وهو ما يرتكبه أدعياء النصرة للمرأة، الذين ينظرون إلى قضاياها منفصلة عن المجتمع بكامله، وعن دورها الأسري المتكامل مع دور الرجل، فكل من يدرك هذا المعيار لا يرى في شيء التشريعات الخاصة بأحد الجنسين ظلما ولا هضما.

3- المراد من عبارة «ناقصات عقل» يتضح من التفرقة بين «العقل»، الذي به يستكمل التكليف بعد «البلوغ» وبين «العقل» بمعنى الاستيعاب، والضبط لأمر من الأمور، ومنه قول القائل: «عقلت الفكرة أو الحادثة»، بمعنى أحطت بها، ولهذا لا تجمع الكلمة إذا كانت بهذا المدلول؛ لأنها تحمل معنى مصدريا متجددًا، ومن هنا عبر في الحديث بناقصات عقل، ولم يقل ناقصات عقول، والوصف للإنسان بقلة ضبطه أو إحاطته بأمر من الأمور، التي لا يمارسها ليس له مساس بأهليته التكليفية، وإنما هو وضع للشيء في موضعه.

كما أن المراد من «ناقصات دين» التدين والتعبد، وليس المراد النقص في الاعتقاد الديني؛ لأن هذا الدين وحدة متكاملة لا ينضوي الإنسان في ظله إلا بالإيمان بخصاله كلها، والاعتقاد بكل ما جاء من عند الله، ويدل على هذا التفسير المثال المذكور في الحديث انقطاع المرأة عن الصلاة – وعن الصوم في وقته - طيلة عذرها.

4 - هاتان الصفتان «نقص الممارسة للالتزامات الدينية - والنقص في عقل التفاصيل التعاملية» ناشئتان من أمور جبلية في النساء ليس لهن في درئها حول ولا في جلبها قوة، ولهذا ساق النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك مساق الوصف، ولم يورده على سبيل التنديد أو المؤاخذة، بل جاءت المؤاخذة على ما قبل ذلك من صفات كسبية «اللعن والتذمر ونكران سابق الجميل حين ينقطع!»، وكان التنويه بالنقصين عن باب ذكر الواقع كحافز على التعويض.

فضلا عما في الأسلوب من أمارات التعجب والدهشة من مقدرة المرأة في التأثير على الرجل، مع ضعفها الفطري، واكتمال فرصة في التدين والضبط والحزم، ونسمع صدى لهذا في قول الشاعر في المرأة: «في معنى مجرد عما عبر عنه جرير معنى صرع ذي اللب في أبياته المعروفة»:

 أتجمع ضعفًا واقتدارًا على الفتى

                                                  وأعجب شيء ضعفها واقتدارها

5 - وقد حفل التاريخ بنماذج نسائية فاضلة في التدين والضبط؛ حتى في المجالات العامة من ولايات أو معاملات، ولكنه إما من قبيل النادر - والنادر لا يؤثر على الأصول والطبائع -، وإما بما يبذلن من جهد إضافي زائد عن الطاقة الفطرية، وحقيقة المفاضلة إنما هي في صعيد الصفات الذاتية الثابتة، فلا منافاة بين ما يقرره الحديث وبين وجود صور فردية لنساء متفوقات في جوانب شتى من التقى والتقرب لله، أو المعرفة والإبداع العلمي؛ حتى يصبحن قدوة لكثير من الرجال، فذلك نتيجة ما توليه كل منهن لهذا الجانب من عناية فائقة بالتطبع، وتبقى الكثرة من هذه النماذج في الرجال بما تساعد عليه الطبيعة والفطرة.

ومن تلك الأمثلة الفائقة أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - في سعة استيعابها للأحاديث النبوية وغيرها من أشعار العرب، بحيث كانت من المكثرات في الرواية ومن فقيهات الصحابيات. 

ومن المعروف أن أهلية تحمل الرواية وأدائها عند النساء مماثلة - عند علماء الحديث - للرجال؛ لتوفر الدواعي على ضبط المرويات العلمية بالتكرار والكتابة والمذاكرة، وقد لا تتوفر مثل هذه الدواعي في شأن الشهادة القضائية في الأمور العامة؛ للتعامل المالي أو الجنائي، وهو المجال الذي اشترط فيه للشهادة من المرأة أن تظاهرها فيها أخرى؛ للتذكير وتلافي النقص في ضبط هذه الأمور وتعقلها.

والمثال الذي تضمنه الحديث «شهادة المرأة»، وأنها على مقدار من شهادة الرجل ما هو إلا تأكيد لما تضمنه القرآن في آية دستورية للإثبات والتوفيق، جاء فيها: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ﴾ (البقرة: 282)، ومجال تنصيف شهادتها جميع الحقوق المالية، التي يشترك في مشاهدتها الرجال والنساء - مع غلبة حظ الرجال فيها - واعتبرت الشريعة إثبات الحقوق الجنائية «الحدود والقصاص»؛ خارجا عن المجال لخطورة العقوبة فيها، وبعد النساء عن أجوائها بالفطرة، فاحتمال النسيان والتحير فيها شبهته، والحدود تدرأ بالشبهات، قال الإمام الزهري: مضت السنة من لدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخليفتين بعده ألا شهادة للنساء في الحدود والقصاص، ذلك إن هذه الأمور لا تستحوذ على اهتمام المرأة بالطبيعة والسجية، وحتى لو استجمعت المرأة قوة ملاحظتها عند تحمل الشهادة، فالغالب أن تخونها الذاكرة عند الأداء لها؛ بسبب عدم الاهتمام الفطري بضبط هذه الأمور لمجافاتها عواطف المرأة، وتكوينها من رقة وأمومة وتوجس.

 أما ما سوى هذا من الأمور المختصة بالنساء، فللمرأة الأولوية في إثباتها، وتكفي شهادة المرأة الواحدة فيها، ذلك لأن شبهة النسيان مغمورة في إثبات هذه الحقوق، التي تثبت مع الشبهات؛ لتعين النساء طريقا لإثباتها، ولأن الاهتمام الفطري منهن بها يبعث على شدة ضبطها وعقلها.

 وبعد، فالأحكام الشرعية المستفادة من هذا الحديث حقائق خالدة غنية عن التماس التوجيه والتعليل؛ لأن من مقتضى العقيدة الإسلامية التصديق الحازم بكل ما صح عن الرسول المبعوث؛ رحمة إلى العالمين من رجال أو نساء، باعتبار ذلك بيانا للمنهج الإلهي الدستوري؛ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44)، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ (النجم: 3)، والمسلم يرى في هدي النبوة منارات تخط له النهج السوي، وقد رأينا أن مدلولات الحديث ما هي إلا تأكيد لمبادئ دستورية في القرآن ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِه﴾ (الكهف: 27). وليس من المرضي الالتفاف لطمس تلك الحقائق ببادئ النظر وشطحات الفكر، بل ينبغي الاقتباس من مغزاه - مع المبادئ المرادفة له ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: 34)، ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة: 228)، وتطبيقاتها في توزيع الفرص المكافئة للواجبات؛ لإحلال المرأة بالمنزلة التي ارتضاها الله لها، لضمان التكامل الاجتماعي الذي به تصلح الحياة، وإذا كان النساء المخاطبات بهذا الحديث تلقينه بالطاعة والتسليم، ولم يجدن في أنفسهن حرجا مما قضى رسول الله وبادرن فورا لتقديم ما يحضرهن من صدقات جزيلة «خواتم وأقراط ذهبية» كبرهان عملي على اطمئنان قلوبهن لذكر الله وما نزل من الحق، فما موقف نساء العصر المسلمات في ظل قول الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (الأحزاب:36).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل