; هل المدرسة وحدها المسؤولة؟ - تنمية الحس الجمالي وبناء الشخصية المتكاملة عند الطفل | مجلة المجتمع

العنوان هل المدرسة وحدها المسؤولة؟ - تنمية الحس الجمالي وبناء الشخصية المتكاملة عند الطفل

الكاتب نهاد الكيلاني

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1997

مشاهدات 68

نشر في العدد 1266

نشر في الصفحة 61

الثلاثاء 09-سبتمبر-1997

النشء المسلم المعاصر يعاني من تراجع القدرات الابتكارية وتدني الحس المعماري والفني، حقيقة صادقة تعوق جهود البشرية عندنا، وتعرقل نجاحها في مخاطبة هدفها الأساسي، وهم الأطفال أو الأجيال المستقبلية، وبخاصة من يلتحق منهم بأقسام العمارة في دراستهم الجامعية، مما يعني امتداد المشكلة إلى البيئة المعمارية التي تعمرها هذه الأجيال، فتكون بيئة غير متوازنة، ولا تبدو فيها عناصر الأصالة، بل تتسم بالركاكة والتغريب.

حول هذه القضية، حاورنا د. ألفت يحيى حمودة -المدرسة بقسم العمارة بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة.

● تنمية الحس الجمالي لدى الأطفال جانب من الجوانب المهمة لبناء الشخصية المتكاملة.. وحقيقة تربوية، فهل من الممكن تفصيل ذلك لنا؟

في حقيقة الأمر، إن إعداد جيل المستقبل لابد أن يتم على أساس النوعية البيئية وتنمية الإحساس بالانتماء إلى قيم المجتمع، والتذوق الجمالي لعناصر الطبيعة، وكذلك تنشيط دافع الفكر الابتكاري، وتوجيهه لخدمة العمران البيئي، وذلك من خلال الاهتمام بطفل اليوم وربطه ببيئته العمرانية والثقافية والاجتماعية، وترشيد سلوكه تجاهها.

وقد أجريتُ دراسة على طلبة المرحلة الإعدادية بقسم العمارة (١٩٩٥ -١٩٩٦م) فتبين لي من خلالها أن لديهم قصورا في المعلومات المكونة للخبرة العمرانية المكتسبة والمستمدة من البيئة المحيطة؛ نتيجة لعدم استقرار المفاهيم الجمالية العمرانية لدى ما يقرب من ٤٠% منهم، ولافتقادهم الحماس للبيئة العمرانية المحيطة، والأحكام الجمالية الصحيحة على عناصر البيئة الطبيعية والمعمارية.

● إذا كان هذا هو واقع الرؤية المعمارية عند شبابنا.. فما أثره عليهم وعلى المجتمع ككل؟

إن تراجع القدرات الابتكارية لشبابنا وافتقاد الكثير منهم حاسة التذوق الجمالي يؤدي إلى ردود فعل سلبية منهم تجاه البيئة من حولهم تتمثل في عدم الانتماء واللامبالاة وفقدان الحماس لأهمية البيئة والتراث، مما يعود بالضرر على المجتمع كله.

وإذا كانت مجتمعاتنا قد عانت في العديد من المواقع من السطحية في الفكر العمراني، والنمطية المملة والتعبير المعماري الركيك، والعديد من مظاهر الاغتراب والتلوث البصري العمراني لفترات ليست قصيرة، فإن الأطفال هم عدتنا للمستقبل، وأملنا المنشود لتحقيق ما قصرنا فيه، وذلك عن طريق التنمية البشرية من خلال الاهتمام بالأجيال القادمة وواجبنا توفير المناخ الصحي الذي يوقظ الحس الجمالي البيني عندهم، وينمي الطموح إلى الابتكار والإبداع ويشجعهم على الارتقاء.

التدريب والتعليم

● ولكن كيف يمكن أن نستثير العقلية المعمارية عند الطفل منذ الصغر؟

يمكن ذلك عن طريق التدريب والتعليم، ولما كانت فنون العمارة والعمران ضمن مجموعة الفنون لتشكيلية التي تخاطب حاسة الإبصار وتؤثر في نفس مشاهدها ووجدانه، فإن تنمية الإحساس بها في حاجة إلى التدريب عليها منذ الصغر، وتعلم كيفية تذوق آيات الجمال في الطبيعة والتراث الحضاري للبلاد، وفي مختلف الفنون الراقية حيث يتعلم الطفل كيف يفكر ويعمل بها في كل سلوكياته تجاه بيئته العمرانية، من أجل أن تظل حاسة التذوق الجمالي عنده مرهفة ولتنشيط دوافع الابتكار لديه.

● كيف ترين دور مناهج التعليم الحالية في اكتشاف وتقييم وإشباع قدرات النشء المبتكر المبدع في المجالات المختلفة؟

لقد اتضح من التجربة أن المواهب الابتكارية في مختلف المجالات لا تجد الرعاية الكافية في تلك المرحلة المهمة من مراحل تكوين شخصية الإنسان بالتالي فهي عرضة للتراجع؛ والنتيجة أننا نفقد بذلك مصدرًا مهما من مصادر الطاقة البشرية في أمسِّ الحاجة إليه ولذلك أقترح تأسيس هيئة تابعة للتربية والتعليم تكون مهمتها اكتشاف وتبني براعم القدرات الابتكارية المتميزة، وأن يظهر دور القائمين على رعاية النشء في المدرسة من خلال تنظيم وتنسيق جرعات المواد الدراسية على أن يكون هناك اتزان بين العلوم الدراسية التي تستهدف التفكير اللازم وتعتمد على قدرات الذكاء ، وبين التفكير المتشعب الذي يعتمد على قدرات الابتكار في شتى المجالات.

● إذا كان هذا دور المدرسة في تنمية العقلية الإبتكارية للطفل، فماذا عن دور الأسرة؟ المؤثر الأول في الطفل؟

المدرسة ليست مسؤولة وحدها عن رعاية الطفل وتكوين قدراته الإبداعية والابتكارية وتنميتها. فهناك -أولًا - الأسرة، وهي الإطار الأول المحيط بالطفل، ولها دور كبير في تكوين مفاهيمه وقيمه الجمالية المعمارية وغيرها.

وسائل التوعية البيئية

وفي رأيي أن المؤثر الأكبر في تنمية القدرات الإبداعية المعمارية للإنسان هو ما تشكله البيئة العمرانية بمكوناتها الطبيعية والمشيدة من تأثير على نفسية المشاهد فتثري ملكات الخيال وتشحذ الطاقات، وإذا شاعت السلبيات والإهمال في بيئة الطفل العمرانية، مثل إغفال الجوانب الإنسانية والاجتماعية في التصميمات وندرة المسطحات الخضراء وإهمال أعمال صيانة المباني وعناصر الحجرات الخارجية من وحدات الإضاءة والأرصفة وواجهات المحال التجارية والتشويش الصارخ لعناصر الإعلان ولافتات الدعاية بغير نظام أو تنسيق. فسنجد أن هذه السلبيات ستنعكس على الطفل وعلى إحساسه بالتذوق الجمالي، فيفتقد حاجته الفطرية إلى جماليات العمران والطبيعة، مما يؤثر بالتالي على وجدانه وسلوكياته ويفقده قدراته الإبداعية.

وماذا يمكن أن تقدم وسائل الإعلام لتنمية القدرات الإبتكارية المعمارية عند الطفل؟

دور وسائل الإعلام مهم ومؤثر، إذ يمكن من خلالها توصيل رسالة في التوعية البيئية والمعلومة الثقافية المبسطة بأسلوب شيق لأطفالنا، بما تملكه هذه الوسائل من منبهات بصرية وسمعية يحبونها مثل الصور المتحركة وأفلام الكارتون، ويمتد أثرها في عمق ذاكرة النشء منذ طفولته، وفي مكونات خياله لزمن طويل، مما يسهم في تشكيل سلوكه الإيجابي نحو بيئته.

الرابط المختصر :