; هل القرآن والإسلام ثقافة تجاوزها الزمن؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل القرآن والإسلام ثقافة تجاوزها الزمن؟

الكاتب عبدالمجيد حامد صبح

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

مشاهدات 3

نشر في العدد 1268

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 23-سبتمبر-1997


​بقلم: عبدالمجيد صُبح (*)
​1 -
تحت عنوان: «الثقافات القديمة.. هل تحتاج إلى مراجعة؟»، كتب د. سيد القمني، في عدد مجلة «العربي» (465) ما خلاصته:
​أن «الإيمان» يتعلق بالغيب الذي لا يخضع للدرس العقلي والتجريبي.
​وأن ذلك «الغيب» يشمل القول بوجود إله أزلي أبدي، كما يشمل خوارق الطبيعة وما يسمى بمعجزات الأنبياء، كما يشمل القول بكائنات مجنحة تسكن السماء، وتحمل عرش الإله.
​وهذه الموضوعات لا تقبل البحث ولا البرهنة.
​وأن المؤمنين بذلك يرون نصوص هذه الموضوعات مقدسة، وصالحة لكل زمان.
​وبمثل هذا القول يقول المسلمون عن القرآن.
​ولكن التطور أوجد مساحة واسعة بين «المقدس» وبين الواقع، مما دفع رجال الكهنوت إلى التراجع بعد جمود أريقت فيه أنهار الدماء.
​وهذا المقدس تضمن شرائع عملية يصر الكاتب على مناقشتها.
​ولكنه يقرر أن المسلمين الأوائل ناقشوا الغيبيات حتى ذات الإله وصفاته.
​ثم نسمع اليوم دعوة إلى السلفية يحاكم عليها الناس وتراق دماؤهم، وترفض «العلم» وعلى فرض الاعتراف به فهو من عندنا، وقد تضمنه القرآن، فهو حسبنا.
​ويرى أن السبب في ذلك إنكار الهوية الوطنية، وإعلاء الهوية الدينية، بمعنى قبلي جاهلي، وأن هذه «القبلية» تتمسك بقوى عليا تستنصر بها على العدو، كما تستنزل بها المطر. إن هؤلاء يريدون تثبيت الزمان عند لحظة نزول المقدس منذ أربعة عشر قرناً، مع أن الدنيا تقدمت وتجاوزت تلك اللحظة!!
​2 -
والمطابقة بين عنوان المقال وبين أجزائه تعطي نتيجة لازمة، هي: لزوم مراجعة القرآن باعتباره جزءاً من الثقافة القديمة، فهل القرآن الكريم عند الأستاذ الكاتب مجرد ثقافة، يستوي في ذلك والموروثات الشعبية، بما فيها من خيال، وتقاليد و«فلكلور»، وكل ذلك من مكونات «الثقافة»؟!
​إن مصطلح «الثقافة» من الألفاظ شديدة العمومية التي صعب تحديد مدلولها تحديداً منطقياً يجمع فصوله، ويمنع فضوله، لذلك تُعرّف تعريفاً عاماً بأنها أسلوب الحياة السائد في أي مجتمع بشري، فعادات الجماعة، وأفكارها، واتجاهاتها، تستمد من التاريخ، وتنتقل «تراثاً» اجتماعياً إلى الأجيال المتعاقبة، والاستخدام العلمي لمصطلح «ثقافة» لا يتضمن التهذيب، أو تقدم المعرفة، كما يدل عليها المعنى اللغوي، بينما يشير اصطلاح «الثقافة المادية» إلى الجانب الذي تمثله «أشياء» كالآلة، والأسلحة، والملابس، وأشغال الفن، فهل القرآن الكريم أحد ما تصدق عليه مصطلحات الثقافة بهذه المعاني؟
​إذا كان الأمر كذلك فلسنا بإزاء قضية مراجعة ثقافة قديمة، بل نحن أمام قضية أساسية من قضايا الاعتقاد والإيمان.
​3 -
وإدخال الأستاذ الكاتب القرآن ضمن «الغيبيات» التي لا يمكن البرهان عليها بالعقل - كتلك المعجزات السابقة على الإسلام، والقائمة على خرق قوانين الطبيعة - أمر يدل على التعميم غير المنصف، إذ القرآن معجزة يعمل فيها العقل، وليس هو من المعجزات التي تدهش العقل وتسكته، والقرآن مازال وسوف يبقى موضوعاً يعمل فيه العقل لمن يبحث عن الحق.
​وبهذا النهج أبطل القرآن حجج علماء المادة الذين أنكروا الدين عامة، لأنه يقوم على المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة، وأنه لا سبيل - في رأيهم - إلى التوفيق بينها وبين علم يفسر الكائنات على القوانين التي تخرقها المعجزة، فجاء القرآن وهو نفسه موضوع يدرسه العقل، وهو نفسه يدعو العقل لهذه الدراسة، فإدخال القرآن - وهذه طبيعته، وهذه دعوته - في المعجزات المادية التي لا مجال فيها للعقل، إدخال غير منصف

4 - والأستاذ الدكتور يحصر الأدلة في برهان العقل والتجربة، ولا جدال في أنهما من مناهج الاستدلال، ولكنهما ليسا كل المناهج، إذ هناك برهان الحقيقة في ذاتها، فذاتية الحق تبرهن عليه، وبهذا البرهان آمنت خديجة، وآمن أبو بكر، فهما لم يؤمنا بصدق الرسول إيماناً وجدانياً، بل بفطنتهما أدركا الحقيقة الذاتية في الرسول نفسه، وفيما دعاهم إليه، وهي هي التي أدركها هرقل عندما سأل أبا سفيان عما يدعو إليه محمد، فلما سمعه قال له: إن كنت صدقتني فسيملك موضع قدمي!
​ومن البراهيم البرهان (الإقناعي)، وهو يخاطب قوة من قوى الإدراك في الإنسان، والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ (النحل: 78).
​ومن حق «العقل» أن يدرك، ولكنه يدرك الحقيقة من جانبها المحدود، ولا يمكنه أن يدركها من جانبها «المطلق» إلا «بإيمان».
​إن الإنسان يعلو على «نفسه» بعقله، ولكنه يعلو «بروحه» على عقله، إن الإنسان يتصل بوساطة «النفس» بقوى غرائز، ونوازع الجسد، لكنه يتصل بوساطة «الروح» بعالم البقاء، وسر الوجود.
​فهل يريد الأستاذ كاتب المقال أن يجرد الإنسان من تلك القوى، ومواوهب الله فيه؟ إن مقال الأستاذ نزوع إلى غرور القرن التاسع عشر، إذ حسب علماؤه أن بقدرة «العقل والعلم» تفسير الكون، والنفس والحياة، وما لا يستطيعه العقل والعلم الآن فسوف يستطيعه غداً، ثم جاء الغد وبرزت للعقل وللعلم مئات الأسئلة لم يجد العقل ولا العلم جواباً لها، وعلموا أن جوابها عند ما أنكروه باسم العقل والعلم، وعلموا أن «المنطق الوضعي» ما هو إلا وسيلة محدودة الموضوع من حقائق الكون والحياة!
​5 -
والأستاذ الدكتور ينكر أن يكون من عناصر «الثقافة القديمة» ما هو ثابت، ويريد أن يجري قاعدة التغيير على هذه الثقافة بكل مكوناتها، بما فيها: الإله، والقرآن، والحديث!!
​والحق أن الإسلام يجمع بين الدين والشريعة، أما «الدين» فقد استوفاه الله في كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3)، وأما «الشريعة» فقد استوفى أصولها، ثم ترك للنظر الاجتهاد في تفصيلها، وتطبيق كلياتها على جزئياتها، وبذلك جمع بين الثابت والمتغير، وفرّق بين الأصول الثابتة بذاتها، وبين الفروع المتجددة بزمانها ومكانها.
​إن حقائق الوجود، في الأنفس والآفاق، شاهدة بوجود الثوابت المادية والمعنوية، ولولا وجود هذه الثوابت لما أمكن «للعلم» الكشف عما استكشف، وما أمكنه الوصول إلى ما وصل إليه من عجائب النفس البشرية، وأبعاد الحقائق الكونية، وإذا كان الأستاذ لا يعلم تعدد مناهج الاستدلال، ولا أبعاد ثوابت النفس والكون، فليس يلزم من عدم علمه العلم بالعدم، فكم تجهل من ثوابت النفس والكون!
​6 -
والأستاذ يريد أن يتخذ من بحوث بعض السلف في الإلهيات ذريعة إلى غرضه في تغيير الثوابت، وفرق شاسع بين من بحثوا في الإلهيات لتثبيتها، والدفاع عنها، وبحض شبهات المشبهين، والطاعنين - وبين من يريد البحث فيها لهدمها وإجراء قانون التغيير عليها، ولهذا لا عجب إذا ساق مساق السخرية: أننا خير أمة أخرجت للناس، وصلاة الاستسقاء، والدعاء....
​7 -
والأستاذ ينكر على بعض الداعين إلى «السلفية» اليوم دعوتهم، ويعمم هذا النكير على كل ما يدعون إليه بما يشمل الثوابت والمتغيرات، قد ننكر بعد ما يدعو إليه بعض هؤلاء، مثل رفض العلم التجريبي، ومثل استعادة بعض عادات الحياة اليومية للسلف، مما هو متغير بتغير الزمان والثقافات.
​بيد أن خطأ هؤلاء في هذا التعميم على كل مفردات الماضي، يساوي خطأ الأستاذ في تعميم رفضه له بكل مفرداته ومكوناته!
​ولا شك أن ثوابت ماضينا التاريخي الإسلامي هي التي كونت الأمة الإسلامية، وحفظت حقيقتها، وأمكنتها من بناء حضارة نعتز بها اعتزاز كل أمة بماضيها المجيد، وإن سخر الأستاذ من ذلك الاعتزاز!
​أما غلو بعض هؤلاء في الاعتزاز فليس يلزم منه رفض ذلك الثابت المحيي لأمات الأمة الحاضر، فما كان سبباً للنهضة والقوة من المحال أن يكون سبباً للكبوة والتخلف والضعف، والحكم «العلمي» الذي يعتد به الأستاذ، يقضي بأن ما كان نافعاً بالذات، لا يمنع لعلة بالعرض، فخطأ بعض «الدعاة» في فهم التراث، والمقدَّس، لا يستلزم، في عقل، ولا علم، ترك ذلك التراث، ولا يسلب عن بعضه صفة التقديس.
​8 -
إن المقدمات التي تقدم بها الأستاذ انتهت به إلى اعتبار الوحدة الإسلامية «هوية قبلية، جاهلية، تمحق «الوطنية»»، والأستاذ في هذه المسألة غير مبتكر، ولا بدعاً من «المتطرفين»، بالطعن على الإسلام، «المتطرفون» «بالظاء المنقوطة»، من الغربيين، سياسة وكاتبين دعوا في أوائل هذا القرن العشرين إلى الوطنية، والقومية، للقضاء على وحدة المسلمين الدينية والسياسية.
​9 -
من يقرأ مقال الأستاذ في عدد سابق من مجلة «العربي» (458)، والذي سخر فيه من علم أصول الفقه، واعتبره وسيلة مكّنت ذوي النفوذ من تسخير المقدس للمنافع الاستبدادية، مع أن هذا العلم بحوث علمية عقلية، نظمته في سلك البحوث الفلسفية العقلية بَنيَ على أدق الأساليب العلمية التي عرفها العلم وأهله في الشرق والغرب، وهذا حكم من الأستاذ يعطيك ما يدل على أنه يلقي أحكاماً مرسلة، لا تنتمي إلى أي منهج علمي، من يقرأ مقاله ذلك، ومقاله هذا يعرف القاعدة الانطلاقية لما يكتب ألا وهي الدعوة إلى محو كل ما هو إسلامي، وحسبه ما أراد لنفسه ولفكره ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.
​وإليكم هذا الشبه: هذا ما يدعو إليه صاحب هذه المقالات، وقد كان «كرومر» في مصر، والمستشرقون معه يعملون على تحطيم مقومات المسلمين، وكانوا يتخذون من ترجمة المسلمين للفلسفة اليونانية وغيرها حجة لدعوة المسلمين المعاصرين لترك مقوماتهم، كما ترك - بزعمهم - آباؤهم وسلفهم مقوماتهم إلى فکر اليونان!!
​فهل ترون الأستاذ بدعاً من دعاة هدم الإسلام ومحو آثاره؟!
​إن كل ما كتبه الأستاذ الدكتور تكرار مملول لما كتبه «العلمانيون»، تتجدد حروفه، وتتفق معانيه، ثم يشترك في المصير: زبد، ويزيد، ثم يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، ويستقر في الفكر عند أولي الألباب. ■

إدخال القرآن ضمن الغيبيات التي لا يمكن البرهان عليها بالعقل هو تعميم غير منصف.. فالقرآن معجزة يعمل فيها العقل لمن يبحث عن الحق

لا شك أن ثوابت ماضينا التاريخي الإسلامي هي التي كونت الأمة الإسلامية وحفظت حقيقتها ومكنتها من بناء حضارة نعتز بها

الرابط المختصر :