; هل الاتحاد السوفييتي على أبواب مجاعة؟!! | مجلة المجتمع

العنوان هل الاتحاد السوفييتي على أبواب مجاعة؟!!

الكاتب د. عادل بن محمد علي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1989

مشاهدات 63

نشر في العدد 906

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 28-فبراير-1989

لم تعد الأزمات الغذائية وقفًا على الدول الفقيرة والمتخلفة، في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ... فها هو شبح المجاعة يتقدم نحو دول تعتبر من أكبر الدول وأقواها ...

فالاتحاد السوفييتي كما هو معلوم، وبعد أن اقتطع من العالم الإسلامي عددًا من الدول ... يعاني رغم مساحاته الشاسعة ووفرة عدد سكانه وتكنولوجيته المتقدمة، يعاني من أزمة غذائية حادَّة يحاول إخفاء معالمها!! فهناك نقص حاد في إنتاج المواد الغذائية وعلى رأسها الحبوب ... وهذا يعني أن الاستيراد إن لم يسد النقص سيجعل السوفييت على أبواب مجاعة فعلية!!

تساؤلات!!

الحديث عن الاتحاد السوفييتي ليس بالأمر الهين، إلا أن المراقب الاقتصادي يمكن من خلال دقة الملاحظة وجمع البيانات أن يستخلص نتائج هامَّة تتعلق بأهم مجال، وهو المجال الغذائي ... بحيث تستمر التساؤلات ... لماذا لم يقدر بلد «السوفكوز» والمساحات الشاسعة منذ قيام ثورته في أكتوبر 1917حتى اليوم على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الناحية الغذائية؟ وما هي العوامل التي دفعت بالاتحاد السوفييتي أن يعتمد على أمريكا وأستراليا وأوروبا الغربية مستورِدًا منها القمح لتغذية مواطنيه؟ وأين آلت الوعود والشعارات التي كان السوفييت يرفعونها من خلال خططهم الاقتصادية؟! وماذا ينتظر الشعب السوفييتي من مفاجآت تمسُّ الأمن الغذائي قد تؤدِّي به إلى مجاعة أو حرب أهلية؟!

شعار فقد مبرر وجوده

عندما تستولي المقولات البرَّاقة والشعارات على عقلية القيادة فإن مزيدًا من التدهور الاقتصادي سيكون واقعًا لا محالة ... وقد حاول المسؤولون السوفييت رفع شعار «طن حبوب لكل مواطن سوفييتي» بحيث تكتفي شعوب الاتحاد السوفييتي من الغذاء، بل وتحاول تصدير الفائض إلى الخارج ... غير أن هذا الشعار ذهب مع الريح كما يقال، على الرغم من المساحات الشاسعة التي يملكها الاتحاد السوفييتي وعلى الرغم من القوة الديمغرافية وعلى الرغم من التكنولوجيا المتقدمة ... الأمر الذي دفع بأحد المسؤولين السوفييت لأن يعلن عن قلقه حول انخفاض إنتاج الحبوب بشكل مثير للنظر رغم محاولات بعض المسؤولين التنفيذيين التلاعب بالأرقام والإيحاء بأن الاتحاد السوفييتي يحقق فائضًا من إنتاج الحبوب!!

شبح المجاعة

لا شك أن الاتحاد السوفييتي يعاني من أزمة حادة في مجال الغذاء وذلك بسبب تناقص الإنتاج الزراعي الذي دفع برئيس الحكومة عام 1979 للتعبير عن استيائه من النشاط الذي يقوم به المسؤولون في القطاع الزراعي ... فعلى سبيل المثال فإن عام 1979 نفسه قد شهد انخفاضًا في الإنتاج من الحبوب بما يعادل 40 مليون طن عن أهداف الخطة و58 مليون طن عن سنة 1978.

وأمام هذا الواقع المتخلف من الإنتاج في الميدان الزراعي فإن الاتحاد السوفييتي يخشى من ظاهرة فقدان المواد الأساسية للغذاء في بعض المناسبات حيث تظهر الطوابير أمام المحلات ونقاط البيع وتشحُّ مادة الغذاء من الحبوب ومشتقاتها، وهي ظاهرة كما تقول جريدة الرياض 29/3/81 تحسب لها الحكومة السوفييتية ألف حساب إلى درجة أنه في السنة الماضية وأثناء احتفالات عيد الميلاد عندما شحت المواد الأساسية لاستهلاك المواطنين طلبت وكالة «تاس» القيام بتحقيقات في بعض الأخبار والشائعات التي تنوقلت والتي مفادها أن هناك سوقًا سوداء في هذه المواد الأساسية.

وأمام هذا الشبح من المجاعة تضطر الدولة إلى الاستيراد من البلدان الأجنبية، حيث تستورد من الأرجنتين 2 مليون طن، ومن أستراليا 2 مليون طن ومن كندا 3 مليون طن ومن الولايات المتحدة ما بين 6-7 مليون طن من الحبوب.

الأمريكان يلوِّحون

يدرس الأمريكان واقع الغذاء في الاتحاد السوفييتي ويحاولون قدر الإمكان أن يجعلوا أزمة الغذاء سيفًا مُسلطًا على رؤوس السوفييت!! إذ كم من مرة هددت أمريكا الاتحاد السوفييتي بمنع تصدير القمح مثلما فعلت مع دول أخرى ... وهذا يعني أن أمريكا يمكن أن تلعب بهذه المعادلة وتجعل السوفييت فعلًا مرشحين للدخول في مجاعة حقيقية.

وعلى الرغم من أن الاتحاد السوفييتي يعتمد في إنتاجه الغذائي على الفلاحين المسلمين إلا أنه لن يقدر أن يحقق مستوًى عاليًا من إنتاج الغذاء نظرًا للاستهلاك المستمر للغذاء؛ ولأن العقلية البيروقراطية مسيطرة على الإدارة الزراعية مما يجعل استمرار تدنِّي الإنتاج هو البديل، وبالتالي يرشح أمريكا لأن تلعب بورقتها الرابحة!!

حدة الأزمة

تلعب الأوضاع الاجتماعية وبالخصوص السياسية منها في تزايد حدة الأزمة الغذائية في كل مجتمع ... ذلك أن الفساد السياسي مثلًا يبدد الثروات ويهيِّئ مناخًا تنمو فيه البيروقراطية والتسلط فيفقد المواطن ثقته بالدولة، كذلك يفعل الفساد الاجتماعي إذ يبدد الطاقات ويهدر ثروة الأمة لمكافحة أخطار الفساد إن أرادت مكافحته، وهكذا يكون الفساد الاجتماعي مثل المنشار مما يجعل الأزمات أكثر حدَّة ويمكن للإحصائيات الآتية أن توضح حقيقة ذلك.

فهناك على سبيل المثال 5 ملايين سجين سياسي في الاتحاد السوفييتي حسب ما أشار إليه تقرير منظمة العفو الدولية و2000 معسكر للاعتقال القسري ... أضف إلى ذلك قيام القيادات الحزبية باستغلال نفوذها في نهب الأموال العامة، وعقد الاجتماعات الكثيرة دون جدوى وتكديس كمية كبيرة من الوثائق الحزبية بلا فائدة كما أن هناك أكثر من 500 ألف يوم عمل ضائع في القطاع الصناعي، وكذلك 1,3 مليون يوم عمل ضائع في القطاع الزراعي، فإذا أضفنا إلى ذلك تعاطي المخدرات، ووجود مئات العصابات الإجرامية وقضايا الغش والرشاوَى، حتى أن منصب النائب العام في أذربيجان بيع عام 1969 بـ 30 ألف روبل أما رئيس لجنة ميليشيا الحزب فقد دفع البعض في منصبه حوالي 50 ألف روبل ... وغير ذلك، فهذا يعني أن الأزمة الغذائية ستكون على أشدها بسبب ضياع الطاقات والأموال.

البطالة ...

تلعب البطالة دورًا كبيرًا في زيادة الأزمة الغذائية، فالإنسان العاطل عن العمل طاقة ضائعة، فهو لا ينتج أصلًا وهو يستهلك وبذلك يكون ضررهُ كبيرًا ونفعه قليلًا أو معدومًا، اللهم إن لم يكن قادرًا على الإضرار مطلقًا إذا انتسب لعصابة سرقة أو قتل أو مخدرات أو اغتصاب.

وإذا كانت البطالة من علامات المجتمعات الرأسمالية، فإن الاتحاد السوفييتي الذي يتبنَّى الفكر الشيوعي الاشتراكي لم يفلت من المصيدة، إذ تشير تفاصيل بعض الخطط الاقتصادية عن اتجاه لتخفيض حجم القوى العاملة من الوظائف اليدوية بأكثر من 5 ملايين عامل حتى 1990 «نهاية الخطة»، وتؤكد بعض تصريحات المسؤولين إلى أن معدل كمية العمل المستخدم خلال سنوات الخطة سيتناقض تدريجيًّا وبدلًا من معدل نمو 2,3% خلال سنوات الخطة الحادية عشرة فإنه سيصل إلى 0,5% فقط خلال الخطة الحالية 86/1990، لكن ذلك سيتوقف على رفع إنتاجية العمل بنسبة تتراوح بين 20-23% خلال تلك الفترة.

ويرى بعض المحللين السياسيين والاقتصاديين أن تقديرات ريجكوف المتعلقة بتخفيض حجم القوى العاملة في الوظائف اليدوية بحوالي 5 ملايين عامل على مدار خطة التنمية الخمسية هي تقديرات متواضعة للغاية إذ إن البطالة الناتجة عن عمليات التطوير التكنولوجي والتكثيف الرأسمالي يمكن أن ترتفع إلى ما يتراوح بين 13 و19 مليون شخص، وهذا يعني بالطبع ازدياد حِدَّة المجاعة ونقص الغذاء في دولة تُعتبر من الدول الكبرى وتنفق سنويًّا على التسلح وعلى غزو الفضاء وعلى إثارة القلاقل في بلدان العالم الثالث وعلى الاستخبارات المليارات ومن الدولارات سنويًّا!!

احتمالات المستقبل

• إن الأزمة الغذائية بل شبح المجاعة قادم نحو الاتحاد السوفييتي الذي سيضطر آخر الأمر للاستسلام إليها، اللهم إلا إذا غير من أفكاره الشيوعية وألغَى إلى الأبد هذا النظام الذي يقتل في الإنسان الفعالية وحب العمل.

• وإن على الاتحاد السوفييتي أن يستفيد من نُظُمِ العمل الحرة وبالخصوص النظام الإسلامي الذي يوفق بين حرية الفرد وحرية الجماعة.

• إن على الاتحاد السوفييتي أن يعيد النظر في الكثير من علاقاته الداخلية والدولية كي يتفرغ إلى قضية الغذاء التي تعتبر سيفًا مسلطًا على رقبته والتي تجعله مرشحًا إلى مجاعة فِعلية مثلما حدث في إفريقيا بالتمام والكمال!!

 

الرابط المختصر :