العنوان هل أمركم شورى بينكم؟
الكاتب حاتم حسن مبروك
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
مشاهدات 57
نشر في العدد 1416
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
الشورى قيمة إسلامية رفيعة، ودعامة من دعائم الإيمان، وفريضة واجبة على الحاكم والمحكوم، وتقف ضد الاستبداد والتسلط الفردي - أينما كان- فالقرآن دعا إليها، واتصف بها سيدنا محمد رسول الله ﷺ الذي كان كثير المشورة لأصحابه، رغم أنه خير الخلق أجمعين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وحبيب رب العالمين.
والله - سبحانه وتعالى - العارف بنقص عباده وعجزهم عن الإحاطة بكل شيء، وجههم بتطبيق الشورى فيما بينهم لمصلحتهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: ٣٨)، وقال سبحانه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ﴾ (آل عمران: ١٥٩).
ويعتقد بعض الناس -خطأ- أن الشورى تختص فقط بالشؤون والتنظيمات السياسية، ولكنها تبدأ من أول خلية في المجتمع «الأسرة» وداخلها يتعلم الأبناء هذا المبدأ بسلوك الوالدين فيما بينهما، ومع أبنائهما، ومن هنا يتعلم الفرد معنى الشورى واحترام رأي الأغلبية، والتنازل عن رأيه لمصلحة المجموع.
في هذا المعنى كتبت د. هبة رؤوف عزت في «القوامة بين السلطة الأبوية والإدارة الشورية»، فالشورى ليست خاصة بالمساحة السياسية فقط ولا هي من سمات الجماعة المؤمنة فحسب، بل هي أيضا منهج التعامل داخل الأسرة، وتضيف: «فرئاسة الأسرة شورية لا استبدادية وتشبه إلى حد كبير سلطة الإمامة أو الخلافة على مستوى الدولة، فهي أيضا قيمة تربوية داخل الأسرة تنتقل بالتنشئة الاجتماعية للأبناء، ويتعلمونها كسلوك قرين بالعيش في المجتمع المسلم»، ولا يقل عن دور الأسرة دور مؤسسات التعليم بكل درجاتها في ترسيخ وتدعيم مبدأ الشورى في الحوار بين الطلاب أو بينهم وبين معلميهم، ونلحظ أنه كثيرًا ما تسرب الطلاب من مقاعد الدراسة، أو تدنت درجاتهم العلمية، أو كرهوا التعليم نهائيًّا؛ بسبب تسلط معلم واستبداده، ويمكن بسؤال الطلاب عن رأيهم في مؤسسات التعليم معرفة الخبر اليقين عما يدور فيها.
وينصب جهد كثير من المؤسسات التعليمية على إحراز الطلاب أكبر قدر من الدرجات لاجتياز الامتحان، والحصول على شهادة كبيرة رغم أهمية ذلك إلا أن الالتفات إلى أسلوب النقاش والحوار الدائر داخلها يستحق النظر والمراجعة من المسؤولين مع ملاحظة العنف الزائد للطلاب، حتى لا تخرج هذه المؤسسات طلابًا معقدين نفسيًّا أو استبداديين ومتسلطين في المستقبل.
وفي مؤسسات المجتمع بتنوعها يتضح أكثر شيوع الشورى أو الاستبداد في تعامل الناس مع بعضهم البعض، وفي أداء كل فرد لواجبه تجاه الآخرين دون تسلط أو هضم للحقوق، والله جل في علاه القادر على كل شيء يقول لعباده عن ذاته في الحديث القدسي الشريف: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا».
أما تنظيمات المجتمع التي تدعو إلى الشورى أو الديمقراطية نكتشف في أكثرها عدم وجود شورى أو ديمقراطية؛ لأنها تكون حكرًا على الزعيم حتى يتوفاه الله، فالمؤسسية والشورى في هذه الأحزاب أو التنظيمات مجرد لافتات أو شعارات لا تجد سبيلا للتطبيق العملي، والاتباع لا يتكلمون، وإذا تكلموا لا يسمع لهم، فكثرت داخلها لذلك الانشقاقات والأجنحة.
ويركز الناس عادة على الحكومات في التزامها بمبدأ الشورى؛ لأنها أكبر مؤسسة مؤثرة في المجتمع، وتقوم بحراسة الدنيا والدين، وقضاء مصالح العباد، وبينما يصنع القرار في الدولة بمشاورة أولي العلم والتخصص نجد الواقع يقترب أو يبعد من هذا الواجب، وتضيع بذلك حقوق البلاد والعباد بقرارات خاطئة وفاشلة، لا يتسع المجال لذكرها.
وعن حرية الرأي والالتزام بالشورى يقول د. توفيق الشاوي «فقه الشورى والاستشارة»: «من أجل هذا يجب أن يعلن من يؤمنون بالشورى الإسلامية أنهم عندما يتمسكون بها أساسا للنظام الدستوري في المجتمع إنما يقصدون أولا ما تفرضه الشورى من توافر الحريات الكاملة للجميع في الحوار وتبادل الرأي بحرية كاملة قبل اتخاذ أي قرار أو بعده». وتعاني الشعوب العربية والإسلامية اليوم - بدرجات متفاوتة - من غياب للحرية والشورى - أو حتى الحوار- وأصبح الفرد يخشى حتى من مجرد الإفصاح عن رأيه أو النصح للحاكم، فإنها تكون حينها جريمة نكراء لا تغتفر، في حين أن العقيدة أو الدين أو الأعراض أو الأنفس يعتدى عليها وتنتهك في مواطن كثيرة سواء داخل تلك الدول، أو من هم أقليات في دول أخرى، ولا حياة لمن تنادي.
وعن حرية الرأي للأفراد كتب د. عبد الكريم زيدان في «الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية» «وتقرير مبدأ الشورى يستلزم أيضا حرية الرأي فلا يمكن تطبيق الشورى دون حرية الرأي، ومن العبث المفضوح أن تقرر الدولة الأخذ بمبدأ الشورى، وهي تسطو على حرية الرأي فتسلبها من الأفراد».
بينما نسي أو تناسى المسؤولون - وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته - أن حرية الرأي حق مكفول في الدولة الإسلامية لا يجوز لها أن تنقضه، ولا يجوز للفرد أن يتنازل عنه، فكيف يقوم الفرد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ممنوع بداهة من إبداء رأيه؟، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِۚ﴾ (التوبة: ۷۱).
وعن واجب المجتمع في تأسيس الشورى تقول هبة رؤوف عزت - المصدر السابق-: إن المجتمع الإسلامي الذي ينشد تحكيم الشريعة واستعاد قيمه السياسية، ونظام حكمه الشورى عليه أن يدرك أن هذا يستلزم بالضرورة تأسيس قواعد للممارسة الداخلية في بنيته بمستوياتها المختلفة - ومنها الأسرة - تستعصي على الفساد والانحراف والاستغلال؛ إذ إن فساد التكوينات الاجتماعية التأسيسية هو الذي يؤدي إلى ضعفها واختراقها».
يقول معروف الرصافي:
یا قوم لا تتكلموا *** إن الكلام محرم
ناموا ولا تستيقظوا *** ما فاز إلا النوم
من شاء منكم أن يعيش *** اليوم وهو مكرم
فليمس لا سمع ولا *** بصر لديه ولا فم
لا يستحق كرامة *** إلا الأصم الأبكم
فإذا كان الحاكم المسلم تختاره الجماعة وترضى به، ويستمد سلطانه من هذا الاختيار، فكيف لا يأخذ بمشورتها في أمورها لا سيما المهم منها؟ وكيف يتجاهل مشاورة أهل الشورى أو من يسمون «أهل الحل والعقد»؟. يقول ابن عطية في تفسير القرطبي - ج ٤، ص ٢٤٩: «والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب».
هناك نقطة مهمة يجب الانتباه لها وهي أن مسألة نصح الإمام أو عزله لا تكون خبط عشواء أو بحمل السلاح - كما يفعل بعض المتحمسين - فأمر كهذا يأتي بضرر أكبر منه، يضر بالمجتمع ولا يضر الحاكم الظالم، فواجب قادة الأمة أو ممثليها فعل ذلك، ولا يجوز استعمال القوة - بعد توافر الضمانات كافة - إلا إذا أتى كفرًا بواحًا، قال عبادة بن الصامت (البخاري، ج ٩ ، ص ۸۵): «دعانا النبي ﷺ فبايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا تنازعوا الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحا عندكم من الله فيه برهان».
نخلص من ذلك إلى أن الشريعة الإسلامية قد اقامت توازنًا عادلا بين الحقوق والواجبات، وبين السلطات والمسؤوليات، وبين الفرد والدولة، دون حيف أو استبداد أو استغلال جهة لجهة أخرى بصورة لم تشهد مثلها البشرية قط، فإذا عانى بعض المجتمعات أو الدول اليوم من شيوع التظالم أو ضياع للحقوق والحريات، فاسألوا أنفسكم: هل أمركم شورى بينكم؟
حاتم حسن مبروك