العنوان هل أصبح نقاب المرأة المسلمة جريمة يعاقب عليها القانون؟!
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 25-سبتمبر-2010
مشاهدات 60
نشر في العدد 1920
نشر في الصفحة 44
السبت 25-سبتمبر-2010
سورية تحيل ۱۲۰۰ مدرسة متنقبة للعمل الإداري وتمنع النقاب بالجامعات
د. القرضاوي: كيف ننكر على الطالبة أن تلبس النقاب مع أن زميلاتها
يلبسن الثياب القصيرة ولا ينكر عليهن أحد
هل تلقى مناشدة د. القرضاوي للرئيس بشار الأسد أذنا صاغية؟
إن ما أقدم عليه المسؤلون في فرنسا من منع النساء المسلمات من ارتداء النقاب في الأماكن العامة قد لا يكون مستغربًا كثيرًا؛ لأنه صدر عن أناس يخالفوننا في معتقدنا وعاداتنا وتقاليدنا، ولكن يكون الأمر مستغربًا أكثر عندما يصدر القرار في بلد مسلم ينص دستوره على أن «دين الدولة الإسلام»، مثل القرار الذي صدر في سورية بإحالة ١٢٠٠ مُدرسة متنقبة من التعليم إلى العمل في إدارات الدولة العامة، وذلك مع نهاية العام الدراسي ۲۰10-۲009م، ومع بداية الإجازة الصيفية، ثم القرار الآخر الذي تلاه بمنع دخول الطالبات المنقبات إلى الجامعة أيضًا، ولا ندري ما يتبع ذلك من قرارات أخرى تسيء إلى الحرية الشخصية والدينية التي كفلها الدستور السوري وكافة دساتير العالم.
إن منع المرء من ممارسة شعائر دينه في بلده وخاصة في بلاد الشام المباركة، مئزر الإسلام، وأرض المحشر، يعتبر إساءة لمشاعر المسلمين وانتهاكًا لحرماتهم، وإثارة لفتنة نائمة يتحمل آثامها من أيقظها، يقول الله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب:58).
وصف غير علمي
ومما يزيد الأمر سوءً أن يأتي بعض المنتسبين إلى العلم، فيقول: إن النقاب بدعة دخيلة على الإسلام وإنه ليس من الدين ولا من الإسلام في شيء وإنما دخل على المسلمين في عصور الانحطاط الشديد!!
يقول العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي -حفظه الله - رادًّا على مَنْ يدّعي ذلك:
إن وصف النقاب بأنه بدعة دخيلة، وإنه دخل على المسلمين في عصور الانحطاط الشديد الواقع أن هذا الوصف غير علمي، وغير موضوعي، وهو تبسيط مُخِلُّ.
تم يقول -حفظه الله- بعد أن ذكر أقوال بعض المفسرين والفقهاء حول الخلاف في تغطية الوجه: فمما لا يماري فيه أحد يعرف مصادر العلم وأقوال العلماء أن القضية خلافية، أعني قضية جواز كشف الوجه أو وجوب تغطيته ومعه الكفان أيضًا، وقد اختلف فيها العلماء - من فقهاء ومفسرين ومحدثين قديمًا - ولا يزالون مختلفين إلى اليوم ثم ينقل بعض أقوال العلماء من قدماء ومعاصرين مع ذكر حجة كل فريق من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف، ولا نريد في بياننا هذا ترجيح قول على قول؛ لأن الحديث يطول وسنضطر إلى الدخول بالخلاف الفقهي.
ولكن لابد من توضيح أن فرض رأي من الآراء على أحد هو إلغاء لحرية الفكر، والبحث، ولحرية الآخرين، ولكننا ننقل أيضًا ما قرره الدكتور القرضاوي حفظه الله في هذا الموضوع فقال:
«فلم يقل أحد من علماء المسلمين في القديم أو الحديث بتحريم لبس النقاب على المرأة بصفة عامة، إلا ما جاء في حالة الإحرام فحسب، إنما اختلفوا فيه بين القول بالوجوب، والقول بالاستحباب، والقول بالجواز، أما التحريم، فلا يتصور أن يقول به فقيه، بل ولا الكراهية، ولو كان الأمر مجرد مباح - كما هو الرأي الذي أختاره ولم يكن واجبا ولا مستحبًا - لكان من حق المسلمة أن تمارسه، ولم يجز لأحد أن يمنعها منه؛ لأنه خالص حقها الشخصي وليس في ممارسته إخلال بواجب ولا إضرار بأحد.
والدساتير الوضعية نفسها تقرر هذه الحقوق الشخصية، وتحميها، كما تحميها مواثيق حقوق الإنسان.
وكيف ننكر على المسلمة المتدينة أن تلبس النقاب، مع أن من زميلاتها من طالبات الجامعة من تلبس الثياب القصيرة - والمبالغة في القِصَر - والشفّافة والمجسمة للمفاتن، وتضع من «ألوان الميكياج» ما تضع ولا ينكر عليهن أحد، باعتبار أن هذا من الحرية الشخصية! مع أن هذا اللباس الذي يَشفُّ أو يَصِفُ، أو لا يغطي ماعدا الوجه واليدين والقدمين من الجسم محرم شرعًا بإجماع المسلمين؟!
ولـو مـنـع هـذا مانع من المسؤولين في الجامعة لأيده الشرع والدستور الذي نص على أن «دين الدولة الإسلام، وأن أحكام الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع»، ومع هذا لم يمنعه أحد.
فيا عجبًا كيف تترك الحرية للكاسيات العاريات، المميلات المائلات، ولا يتعرض لهن أحد ببنت شفة، كما يقول، ثم يصب جام السخط كله واللوم كله، على ربات النقاب، اللائي يعتقدن أن ذلك من الدين الذي لا يجوز التفريط أو التساهل فيه؟! فلله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله!» انتهى قول د. القرضاوي.
قرار غير مبرر
لقد مضى على حجاب المرأة المسلمة ما بين منقبة أو كاشفة لوجهها مئات السنين في سورية وغيرها من البلاد المسلمة دون أن يعترض أحد على ذلك حتى في عهد الاستعمار، فما السبب في صدور هذا
القرار في هذا الوقت؟!
وإن القول: إن المعلمة في المدرسة تلقي دروسها على الطالبات وهي منقبة هو كلام عارٍ عن الصحة، ولو فُرِض أن واحدة من مئات المدرسات قامت بذلك؛ فهل هذا مبرر لمنع المنقبات من التعليم وإحالتهن إلى دوائر أخرى؟ ولقد شهد كثير من مديرات المدارس ومسؤولي التوجيه بأن هؤلاء المدرسات هن من أكثر الناس إخلاصا واتقانًا لعملهن.
ألم يكن الأجدر بمسؤولي التربية والتعليم الحريصين على أخلاق الأمة وقيمها أن يمنعوا الكاسيات العاريات المائلات المميلات اللاتي خلعن برقع الحياء والخجل فظهرن في الطرقات والمدارس والجامعات والدوائر الرسمية بوضع يندى له جبين الفضيلة والعفة والأخلاق والحياء خجلًا وألما وحسرة.
نداء إلى الرئيس بشار
وختامًا، فإني أتوجه بهذا الخطاب بشكل خاص إلى رئيس الجمهورية السورية الدكتور بشار الأسد، أن يتدخل شخصيًا لإيقاف هذا القرار الجائر كما فعل والده من قبل، يوم أن راجعه علماء سورية بخصوص الاختلاط في المدارس؛ فأصدر قرارًا تاريخيًا شجاعًا منع فيه الاختلاط وحذَّر منه.
كما أتوجه بشكل عام إلى كافة الغيورين والمنصفين والعلماء العاملين أن يبذلوا كلّ جهدهم لنصح القائمين على الأمر والمسؤولين لإيقاف هذا العبث الذي يوقع البلاد في غليان وربما يوقع بعض المتحمسين بالتطرف الذي لا تحمد عقباه.
مناشدة القرضاوي
وكلي أمل أن تلقى المناشدة التي وجهها العلامة الدكتور القرضاوي رئيس اتحاد علماء المسلمين عبر قناة «الجزيرة» في برنامجه «الشريعة والحياة» أُذنًا صاغية لدى الرئيس السوري؛ فيعيد الأمور إلى نصابها، ويعيد هؤلاء المعلمات الفاضلات إلى ممارسة دورهن التربوي والتعليمي، بعد أن أوذين في مصدر رزقهن وحرمن من التمتع والاستفادة من الإجازة الصيفية التي هي من حقهن، بعد أن أمضين عاما بل وأعواما عديدة في التربية والتعليم، وكذلك احترام حرية طالبات الجامعات في وضع النقاب من عدمه؛ وذلك حرصًا على مصلحة البلاد والعباد، ودرءًا لفتنة لا تحمد عقباها، ولن يستفيد منها إلا أعداء الوطن ومثيرو الفتن.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله.
إضاءات من سيرة النبي ﷺ
اهتم الصحابة الكرام رضي الله عنهم والسلف الصالح من بعدهم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعلموها لأولادهم، يقول ابن حزم يرحمه الله: «إن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم لمن تدبرها تقتضي ضرورة تصديقه، وتشهد له بأنه رسول الله ﷺ، فلو لم تكن له معجزة غير سيرته لكفى».
وحتى نصل لشيء من المجد الذي وصلوا إليه، سنستضيء بشيء من مصابيح النبوة.
روت كتب السيرة رضاعة النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة حليمة السعدية وخلاصة الرواية:
أن السيدة حليمة أتت مكة هي وزوجها في ركب مرضعات من بادية بني سعد، يتلمسن الرضع بأجر ومقابل، وكلهن أبين أن يأخذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمه، وأخذته السيدة حليمة على مضض بعد أن لم تجد رضيعا غيره، فكان فوزا لها وبركة عظيمة، وتغيّر حالها من القلة في كل شيء إلى الوفرة في كل شيء، ومن الضعف والهزال إلى القوة، فكان خيرا في كل شيء.
فالأتان الهزيل «أنثى الحمار» التي أتت عليها، وأتعبت الركب من ضعفها، تحولت إلى دابة مسرعة وأرهقت الركب في العودة من سرعتها، والشارف «الناقة» التي كانت لديها كانت مسنّة ما تبض بقطرة لبن صارت حافلًا فحلبت وشرب الجميع منها حتى الارتواء، وكان لديها صبي لا ينام من شدة جوعه، أجرى الله تعالى في ثديها اللبن حتى شبع النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه «صبيها» من الرضاعة، واخضرت أرضها الجدباء.
في هذه الحادثة مصابيح عدة نحتاج لها، أهمها:
1 - الإقرار بأن تغير حال السيدة حليمة لأفضل حال بمجرد فوزها بالنبي ﷺ، دلالة على اصطفاء الله تعالى لنبيه ﷺ وأن بركته من مقدمات هذا الاصطفاء.
٢- الرضا وتقبل ما هو متاح، فالرضا النفسي يجلب الراحة والسعادة.
3- الاستفادة القصوى واستثمار ما هو متاح والبدء بالإمكانات التي تحت يديك. وثق أنك لو توكلت على الله حق توكله ثم أخذت بالأسباب الجيدة ووثقت أن الله تعالى يبارك؛ لكان ذلك هو الخير والأفضل لك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل