; هكذا رأيتهم | مجلة المجتمع

العنوان هكذا رأيتهم

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر السبت 18-نوفمبر-2006

مشاهدات 124

نشر في العدد 1727

نشر في الصفحة 32

السبت 18-نوفمبر-2006

لا ترفع الأعلام إلا في الشواهق، وعلى أسطح البنايات العالية ترفرف رمزا لما بعدها لا يثنيها البرد والحر وشدة الريح وأعين الناس عن بقائها عالية. لكنها تتجدد بين الحين والآخر.

ولا أريد أن أكتب عن الشيخ أبي بدر يرحمه الله. فقد كتب الكثيرون وبخاصة من عايشوه ورافقوه وتعرفوا على أدق التفصيلات في حله وترحاله، وغضبه ورضاه، ومرضه ومعافاته...

وإن كان يستحق - يرحمه الله - الذكر الطيب، فقد كان له في دنياه من عمل يستحق الاستمرار في الثناء في ألسنة الخلق شاهد صادق وبخاصة إن كثرت وتعددت. لكني أريد أن أكتب عن خلف الشيخ عبد الله المطوع أبي بدره لأني وغيري من المعنيين جدًا ومن الذين يلزمهم واجب الوفاء الاطمئنان على أنجال العلم البارز والأخ المفضال رحمه الله.

كنت أنوي أن أقوم ببعض الواجب من خلال زيارة أبناء الشيخ عبد الله المطوع - يرحمه الله - وأسلم عليهم وفي قلبي ألم وحسرة، وإن كان الرضا بالقضاء والتسليم بأمر الله يمسح جراحات القلوب.

كنت أظن أنني سأحدثهم وأصبرهم وأرضيهم بقضاء الله تعالى، لكنني فوجئت بغامر محبتهم، وحسن استقبالهم، وعمق نظرتهم واستشعار مسؤوليتهم التي ألقيت على عاتقهم. لم أجدهم يتحدثون عن الجانب العاطفي في مثل هذه المناسبات. إنما أذهلني أنهم تحدثوا، إضافة إلى الثناء والتقدير، عن واجبهم ومسؤولياتهم تجاه القضايا التي كانت محل اهتمام والدهم.

كان حديثهم الوفاء للمسيرة وكيفية إتمام المشروع العالمي للرجل الذي فقدته الأمة كلها.. الرجل الذي خرج من الاهتمام الذاتي والمحلي إلى العالمية في الهم والعمل، فكأنما استشعر في حياته العملية أنه مسؤول عن أنات الفقراء والمقهورين، في أطراف الأرض ولم يكن يكتفي بالإغاثة والصدقة، إنما كان يجتهد في التنمية والبناء الدائم لحل مشكلاتهم من جذورها لينقلهم ممن اعتادوا على من أيديهم ينتظرون الصدقة إلى أناس فاعلين منتجين يحلون مشكلات غيرهم يتذاكرون الدقائق الغالية من الساعات التي كانوا يقضونها معه على كثرة أسفاره ورحلاته - يرحمه الله - يتواصون بتفصيلات العمل الذي كان يمارسه بيده. قالوا: كان يقول إذا تلا الآية ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ* لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج:24-25). ويكرر ويقلقل كلمة حق... هذا حقهم حتى للسائل الذي لا ندري صدق سؤاله من كذبه.

كان لا يغلق هاتفه المباح لكل الناس ليلًا أو نهارًا، ويغضب إذا حاول أحدهم إغلاق هاتفه إشفاقًا عليه لمرضه أو سفره أو تعبه ويعتبر أن راحته في التعب وفي إجابة السائلين.

أردت أن أسجل بعض انطباعاتي عن هذا الخلف الطيب لأبي بدر - يرحمه الله - لحساسية هذا الموضوع.

  • إنك تقرأ عاجل بشرى المؤمن عندما ترى عبد الرحمن وعبد الإله وعلي ويوسف حفظهم الله تقرأ أن الله تعالى أكرم الرجل الكريم بكرمه وفضله وحفظ عقبه من كل أمراض الشباب التي غزت أجيالنا، حيث لم تؤثر فيهم سعة الحال إلا حسنًا وتواضعًا وشكرًا لله، واعترافا للوالد بجميل فعله وحسن توجيهه وتربيته، وهم يقولون إن كان بعض الوالدين يتركون لأبنائهم صديقًا أو صديقين أو ثلاثة، فقد ترك لنا والدنا - رحمه الله - قطاعات كبيرة من المحبين الأوفياء نلمس في الكثيرين منهم نفس الوالد وحرصه وحبه.

  • تقرأ فيهم من خلال ما تسمع وترى وتدرك وتقدر أن نضجهم ورجولتهم قد كبرت ونمت بسرعة، وأن مفاجأة الموت قد سرعت في وصولهم لهذه المرحلة، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

  • تجدهم يتواصون بلسان الحال، ولعل ذلك يتم بينهم بلسان المقال على إكمال مسيرة والدهم والسعي لإتمام ما بدأه وتمثل سيرته وخلقه واستشعار المسؤولية الكبرى.

  • لا تدري بم تتحدث عندهم وأنت تدرك عظم المصاب وحجم الخسارة وشدة الألم لكنهم يوفرون عليك ذلك ويخرجونك من المعاناة والحرج، فتجدهم يتحدثون في مسؤولياتهم وواجبهم يرضونك بقضاء الله سبحانه. فتجد حقًا أن الله أخذ، ولكنه أعطى وابتلى وأنجي، واستلب وأبقى، وجعل في العقب خلفًا راشدًا مستقيمًا فيهم العزاء.

  • نعم، ذهب الرجل العملاق الذي لا يجهله في الساحة الإسلامية أي ساع للخير مهتم بشؤون الناس ذهب إلى ربه، وأسأل الله عز وجل أن يسكنه الجنة، ويجمعنا به في الصالحين.

ليس هذا الانطباع مقتصرًا على هذه الثلة الكريمة من الأبناء الذكور، بل إنك تلمس قريبًا منه من خلال متابعة ما تكتبه بعض بناته - حفظهن الله، وما تسمع من اهتماماتهن أن البيت عامر بأهله رجاله ونسائه ومحبيه وأصدقائه كذلك.

ذهب الحبيب - يرحمه الله - لكن.. ابتسامته باقية.. وحسن استقباله للضيوف.. وحبه لمن يجالسه.. ووفاؤه للمبادئ السامية.. وسعة أفقه وبعد نظره.. تجدها كلها باقية في ذريته الكريمة التي لا تنقصها جرأة، ولا فهم ولا صفاء ولا قدرة على أسر القلوب التي تجالسها، وكأنما أنت ما زلت في جوار ذلك الرجل.

اللهم إني أسألك أن تجعلهم ممن عنيت بقولك: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان:74). واحفظهم بحفظك، وانفع بهم الأمة، ولا تقطع للمسلمين رحمًا معهم ومع أهل الخير.

الرابط المختصر :