العنوان هكذا تتعامل أمريكا مع السودان... عداء لا ينتهي ومصالح فوق جثث البشر
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الجمعة 03-فبراير-2012
مشاهدات 63
نشر في العدد 1987
نشر في الصفحة 28
الجمعة 03-فبراير-2012
- ستة آلاف ضحية وتشريد عشرات الآلاف في غضون أسبوع واحد نتيجة الاقتتال بين قبيلتي «النوير» و«المورلي» بجنوب السودان.
- العبيد أحمد: رفع الحظر عن صادرات السلاح الأمريكي للجنوب من شأنه إشعال سباق تسلح في المحيط الإقليمي مما سيؤثر سلبًا على سباق التنمية.
- «معاريف»: تعيين سفير لأول مرة بدولة جنوب السودان يأتي في سياق الجهود «الإسرائيلية» للوقوف أمام محور الإسلام السياسي الذي بدأ ينتشر بقوة في القرن الأفريقي.
جاءت مذكرة الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» لوزيرة خارجيته، والتي تسمح برفع القيود والعقوبات عن دولة جنوب السودان دون الشمال، وموافقته على بيع الأسلحة المتطورة لهذه الدولة الوليدة الغارقة في حروب قبلية، لتمكن للتواجد «الصهيوأمريكي» في منطقة الشرق الأوسط وخاصة قلب العالم الإسلامي.
يقول «أوباما» في مذكرته: إنه «سيسمح للولايات المتحدة بتقديم مواد وخدمات دفاعية إلى جنوب السودان؛ لأن القيام بذلك سيعزز من الولايات المتحدة ويدعم السلام العالمي»، وقالت «فيكتوريا تولاند» المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية: أن دولة جنوب السودان والولايات المتحدة الأمريكية تناقشان معايير العلاقات الدفاعية المستقبلية، وأضافت: «كنا منفتحين منذ البداية، وحتى قبل إعلان دولة جنوب السودان على المحادثات التي رغبوا في إجرائها معنا حول كيفية تأمين حدودهم والدفاع عن أنفسهم في المستقبل».
مواجهة الإسلام
يعد الإجراء الأمريكي حتى الآن شكليًا وتقليديًا باعتبار أن «البنتاجون» لا تسمح بتصدير السلاح الأمريكي إلى أي بلد حتى تتأكد من عدم وصول ذلك السلاح في أيدي مليشيات ومجموعات إرهابية حسب التصنيف الأمريكي؛ لذلك تم ربط عملية تصدير السلاح بأمن الولايات الأمريكية ولا ريب أن القرار سيمر.
هذه الخطوة الجديدة تأتي بعد زيارة «سلفاكير» إلى «واشنطن» و«تل أبيب»، كما أنها جاءت أيضًا بعد أن اختارت وزارة الخارجية لدولة الكيان الصهيوني الدبلوماسي «حاييم كورين» ليكون أول سفير لها في دولة جنوب السودان، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية «يغال بالور»: أن «حاييم كورين» يتحدث العربية بطلاقة ويتقن عدة لهجات سودانية، وسيكون سفيرًا منتقلًا مقره القدس.
وكشفت صحيفة «معاريف اليهودية» أن تعيين وزارة الخارجية سفيرًا لأول مرة بدولة جنوب السودان حديثة العهد يأتي في سياق الجهود «الإسرائيلية» للوقوف أمام محور الإسلام السياسي الذي بدأ ينتشر بقوة في القرن الأفريقي، خاصة عقب فوز الإسلاميين في مصر وتونس وليبيا والمغرب، ونقلت «معاريف» عن مسؤول سياسي «إسرائيلي» رفيع أن التغيرات التي بدأت في شمال أفريقيا تؤثر أيضًا في باقي دول أفريقيا التي تخشى تعزيز الإسلام الراديكالي حسب وصفه ومن تصاعد نفوذه وتأثيره في كامل القارة، مشيرًا إلى أن هذه القضية تحظى باهتمام مشترك بين الدول المسيحية و«إسرائيل» الذين يخشون من تساعد المد الإسلامي في القارة، وأوضحت «معاريف» أن وزير الخارجية «الإسرائيلي» أفيجدور «لبیرمان» وعد ممثلين من جنوب السودان قبل بضعة أسابيع بتعيين سفير لـ«إسرائيل» في جوبا، كما قرر الجانبان تشكيل لجنة مشتركة تنظر في التعاون بين البلدين خلال السنوات المقبلة، وأوضحت «معاريف» أن من بين المجالات التي يمكن لـ «إسرائيل» أن تساعد فيها الدول الأفريقية في هذا الملف المساعدات العسكرية والأمنية والزراعية والبنية التحتية.
أخشى ما أخشاه أن يكون تقديم السلاح بالصورة المعلنة لجنوب السودان بعد أن أصبحت دولة ذات سيادة من شأنه خلق حالة سباق تسلح في المنطقة، خاصة أن التبريرات التي دفعت أمريكا لاتخاذ القرار، هو تأمين حدود دولة الجنوب من ناحية الشمال على وجه التحديد، مما يعني جر دولة خليفة لدولة السودان في الشمال في سباق التسلح، وقد أفصح الناطق الرسمي باسم الخارجية السودانية العبيد أحمد أن رفع الحظر عن صادرات السلاح الأمريكي لجنوب السودان من شأنه إشغال سباق تسلح في المحيط الإقليمي، ودخول دول حليفة للحكومة السودانية «الصين وروسيا» في ذات السباق مما سيؤثر سلبًا على سياق التنمية، فلن يستفيد شعب جنوب السودان مثقال خردلة من هذا العرض الأمريكي السخي؛ لأن سباق التسلح يعني أن تصرف أموال ضخمة من موارد الجنوب لا سيما البترول على الأسلحة المستوردة وتصب في نهاية المطاف في الخزينة الأمريكية التي يسيطر عليها اليهود، وبالتالي تفرغ الخزينة المركزية في جوبة مما سيدخل الدولة في ديون ضخمة ستظل تلاحق الأجيال القادمة.
يرى محللون محايدون أن إقدام الولايات المتحدة على رفع قرار الحظر للأسلحة الأمريكية عن دولة الجنوب في الظروف الراهنة التي تمر بها هذه الدولة، يعتبر إسهامًا غير مباشر في إراقة مزيد من دماء الأبرياء؛ لأن الأسلحة الأمريكية إذا ما وصلت إلى جنوب السودان، فستقع في أيدي عناصر الجيش الشعبي، خاصة أن ولاءهم لقبائلهم أكبر من ولائهم لعقيدة الجيش الوطني مما يجعلهم يوجهون أسلحتهم لصدور الأبرياء، وتصفية الحسابات العرقية والقبلية الكامنة بما يؤدي إلى حدوث عمليات تطهير عرقي.
حصد الأرواح
لقد تسببت شحنة الأسلحة الأمريكية في ظل ما يجري الآن في دولة السودان من اقتتال قبلي إلى حصد أرواح أكثر من ستة آلاف ضحية، وتشريد عشرات الآلاف في دوامة الثأر والثأر المضاد نتيجة الاقتتال بين قبيلتين فقط هما النوير والمورلي في غضون أسبوع واحد، ورغم أن واشنطن والأمم المتحدة تعلمان علم اليقين أن هناك إبادة جماعية واضحة المعالم سمع عنها القاصي والداني وقعت في ولاية جونقلي استهدفت قبيلة المورلي الرعوية، ويتم حصد أرواح أبناء هذه القبيلة بالتحالف بين أكبر قبيلتين في الجنوب هما النوير والدينكا، فإنهما سكتتا عن ذلك، والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا تسكت الأمم المتحدة التي تشهد بحكم وجودها في المنطقة هذه المجازر ولا تتحرك؟! ولماذا يصمت صمت أهل القبور ما يسمى بالعالم المتحضر خاصة أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، وهؤلاء الذين ضخموا من عدد الضحايا بدارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ظلمًا وبهتانًا مع أنها مشکلات استغرقت سنوات، وليس أسبوعًا واحدًا فقط، كما في حالة مجزرة البيبور بولاية جونقلي؟
وكل ما فعله الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» أن قادة الجنوب لن يقدموا إلى المحكمة الجنائية الدولية، لأن دولة الجنوب لم توقع على ميثاق روما!!
لا فائدة
ليس هنالك بالنسبة للشمال جديد في علاقة أمريكا بقادة الجنوب، فإن أمريكا هي التي تربى في كنفها قائد التمرد «جون قرنق» في سبعينيات القرن الماضي، وصنع على أعين يهود أمريكا أيام دراسته في جامعة «أيوا»، ثم جاء بعد إعداده ليقود التمرد في الجنوب، وتمده الدوائر المسيحية والصهيونية بالمال والسلاح لتحقيق مراد تلك الدوائر في إضعاف دولة السودان ذات الإمكانات الهائلة حتى لا تكون سندًا وعضدًا لمصر المجاورة لدولة لكيان الصهيوني، ولما شعرت هذه الدوائر أن السودان توجه نحو الإسلام، وأن شعار «السودان الجديد» الذي يحكمه حاكم غير عربي وغير مسلم قد تبخر، ولا يمكن تحقيقه بعد خسائر جيش قرنق المتمرد، جاؤوا بمؤامرة دولة واحدة ذات نظامين لعلهم يحققون حلمهم في سودان جديد غير عربي وغير مسلم، ولكن لما تبدد هذا الحلم بذلت كل الجهود لفصل الجنوب عن الشمال تحقق لهم مرادهم، وسعوا حثيثًا لحرب شمال السودان عن طريق تحريض الدولة الجديدة لتقويض الأمن والاستقرار في البلاد عبر التحالف العريض الذي ترعاه وتحتضنه دولة الجنوب، وهو تحالف حركات التمرد في دارفور وعملاء الجنوب في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وعملاء أمريكا الجدد في الشمال وهم ما يسمى بقوى الإجماع الوطني، وهو تحالف يضم حزب الترابي والصادق المهدي مع الشيوعيين.
رد فعل الخرطوم على القرار الأمريكي كان على لسان وزير الخارجية علي كرتي الذي أدلى بتصريح يقول فيه: إن هذه الخطوة الأمريكية التصعيدية تؤكد أن الرئيس الأمريكي يهدف إلى تأجيج الأوضاع، وتقوية حكومة الجنوب لمواجهة حكومة الشمال عسكريًا، وأن هذه الأسلحة ستتسرب للحركات المسلحة الدارفورية التي تحتضنها حكومة الجنوب للقيام بعمليات إرهابية ضد السودان، وأضاف أن هذه الخطوة الأمريكية تبعث برسالة ضد الحلول السياسية، والتحريض على الحلول العسكرية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة ليست شريكًا يعتمد عليه في موضوع السلام، وأن رفع العقوبات الأحادية عن السودان تدل على أنها تتعامل بمعيارين وليس بذات المساحة بين دولتي السودان وجنوب السودان، وبالتالي فلن تكون هناك علاقات خاصة بين السودان وأمريكا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل