العنوان هزيمة عرابي.. أسست لما بعدها من هزائم
الكاتب د. هشام الحمامي
تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2008
مشاهدات 71
نشر في العدد 1788
نشر في الصفحة 66
السبت 09-فبراير-2008
التاريخ مليء بالحروب والانتصارات والانكسارات ومواقف الشرف والنصرة، ومواقف الخيانة والخذلان.. وهناك انتصارات رسخت أممًا بحدودها الجغرافية وقيمها الفكرية والحضارية ومصالحها الاستراتيجية.. وهناك هزائم خلخلت أممًا وأسست بنفسية الهزيمة وتوابعها لما بعدها طويلًا...
وتاريخنا العربي المعاصر يتذكر جيدًا هزيمتين ليستا ككل الهزائم... الأولى: هزيمة عرابي في التل الكبير، والتي أسست للاستعمار البريطاني في مصر والشرق العربي كله، والذي أدى إلى استيلاء بريطانيا على فلسطين في الحرب العالمية الأولى، ثم أدى بعد ذلك إلى وعد بلفور وإقامة دولة يهودية في فلسطين. ولو أن عرابي كان قد قدر له أن ينتصر في عام ١٨٨٢م كما انتصر المصري من قبل على حملة فريزر لتغير ميزان القوى في المنطقة العربية كلها .. والثانية: هزيمة ١٩٦٧م، وهي الهزيمة الولود التي تلد كل يوم هزيمة حتى يومنا هذا..
هناك آراء تقول: إن بدايات التمرد داخل الجيش المصري، والتي انتهت إلى ما انتهت إليه تم الإفادة منها وتوجيهها في الاتجاه المراد، بحيث مثلت ذريعة قوية للجيش البريطاني باحتلال مصر والبقاء بها ثمانين عامًا.. وهو ما كاد يجمع عليه كل من اشترك فيها وأرخ لها فيما بعد، من البارودي إلى الشيخ الإمام محمد عبده وقادة الجيش الكبار أمثال عبد العال حلمي وعلى فهمي.. غير أننا لا نستطيع أن نغفل أن ثلة كبيرة من رجالات الأمة وأعيانها دعموها وساندوها.. ففي ٢٢ يوليو ۱۸۸۲م عقد اجتماع في وزارة الداخلية حضره نحو خمسمائة يتقدمهم شيخ الأزهر وقاضي قضاة مصر، ومفتيها، ونقيب الأشراف، وبطريرك الأقباط، وحاخام اليهود والنواب والقضاة والمفتشون، ومديرو المديريات، وكبار الأعيان وكثير من العمد، فضلًا عن ثلاثة من أمراء الأسرة الحاكمة، وهو ما يعني أن المناخ السياسي العام في البلاد كان مهيئًا لقبول تحرك ما ضد الأوضاع القائمة.. « المناخ نفسه الذي سبق حركة الضباط في مصر ١٩٥٢م».
في هذا الاجتماع أفتى ثلاثة من كبار شيوخ الأزهر وهم الشيخ عليش، والشيخ العدوي والشيخ الخلفاوي.. بمروق الخديو عن الدين لانحيازه إلى الجيش المحارب لبلاده، وبعد مداولة الرأي أصدرت الجمعية قرارها بعدم عزل عرابي عن منصبه -وهو القرار الذي كان الخديو توفيق قد أصدره- ووقف أوامر الخديو ونظاره وعدم تنفيذها؛ لخروجه عن الشرع الحنيف والقانون المنيف.
لا يمكن اعتبار كل هؤلاء بالمقررين الأحداث.. لكن المؤكد في كل ذلك أن عرابي لم يكن هو فارس هذه الثورة ورجلها المختار.. وهو ما تؤيده الأحداث سواء في الأيام الأولى للهزيمة في الإسكندرية، أو يوم العار الأكبر في التل الكبير.. لندع خيانة علي يوسف خنفس-الشهيرة- جانبًا، ونتساءل عن عدم استماعه لعدد من القادة بضرورة غلق قناة السويس؛ حتى لا يستفيد منها الإنجليز، فلا يفعل ويستمع بمنتهى البراءة لقول ديليسبس: «إن القناة محايدة، ولن يستخدمها الإنجليز وقت الحرب..» ولكنهم استخدموها!!
نتساءل عن قائد الثورة الذي يعقد قران ابنه في معسكر التل الكبير والإنجليز على الأبواب؟! ونتساءل عن القائد الذي يصغي السمع لخادمه، وهو يرجوه أن يفر وينجو بروحه فيسمع لنصحه ويهرب مع الهاربين بدلًا من أن يموت شهيدًا بين جنوده وقواده، ناهيك عن تسليمه سيفه للقائد الإنجليزي على أبواب القاهرة!!!! ثم يأبى التاريخ إلا أن يسجل له أسود صفحات في كتاب الذل والعار بدءًا من محاكمته.. وحتى عودته من منفاه وتصريحه لجريدة المقطم في أكتوبر ۱۹۰۳م نشكر الذين نازلناهم في ساحة القتال وكانوا لنا أعداء، فصاروا لمصر خير الأصدقاء، قاصدًا الاحتلال البريطاني، وهذا بخلاف كم الرسائل التي أرسلها لكل الدنيا يشهد ويقر فيها على نفسه أنه كان مخطئًا وأن الإنجليز كانوا على صواب، مبتغيًا من وراء ذلك أن يعيش «حياة» ستنتهي، ولو عُمر مثل ما عمر نوح وسيبقى ذكر ما كان فيها.. إن كان شرفًا فشرف وإن كان ذلًا فذل...
يقول الرافعي في كتابه عن الثورة العرابية: «لقد انتقدت في كتابي ما جرى في التل الكبير من تجاوزات، وأخذت على عرابي تسليمه سيفه للقائد البريطاني، وكنت أتمنى لو أنه استشهد في المعركة، وأخذت عليه موقفه الضعيف المتخاذل في المحاكمة».
وكذلك كتب «مصطفي كامل» سلسلة من المقالات في جريدة اللواء في سبتمبر ١٩٠١م جاء فيها: «عار أكبر وأشهر من عار رجل تهور جبانًا واندفع جاهلًا وساق أمته إلى هوة الموت الأدبي والاستعباد الثقيل، ثم فرَّ هاربًا من ميادين القتال...» وكتب الشاعر «أحمد شوقي» يهاجمه بقصيدة مشهورة جاء فيها:
صغار في الذهاب وفي الإياب
أهذا كل شأنك يا عرابي؟!
وكذلك فعل الشاعر «البارودي» وغيرهم.
وانتهت الحركة العرابية نهاية مفجعة للجميع.. وأسفرت عن دخول المنطقة كلها في الحزام الغربي حتى يومنا هذا.