; هذه «السلطة» العابثة | مجلة المجتمع

العنوان هذه «السلطة» العابثة

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-2000

مشاهدات 69

نشر في العدد 1432

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 26-ديسمبر-2000

أكثر من ثلاثمائة شهيد وثمانية عشر ألف مصاب لم تجف دماؤهم بعد.. وما زال المزيد من الشهداء والجرحى يتساقطون مع استمرار انتفاضة الأقصى...

زراعات تم تدميرها عن آخرها.. وغذاء الأطفال اليومي ينضب ويُقبل الشعب على مجاعة كبرى.

شعب بأكمله تحت الحصار والإرهاب.. ولم يبق إلا أن يقيم الصهاينة كردونًا عسكريًّا حول كل بيت، وبين الحين والآخر يهز البلاد دك الصواريخ ودانات المدافع والدبابات.

لم يعر مجلس الأمن ما يجري من انتهاكات أي اهتمام فيرفض في جلسة سريعة مشروع قرار لإرسال مجرد مراقبين دوليين إلى فلسطين... ويشترط ممثل الولايات المتحدة في المجلس بكل صراحة موافقة إسرائيل المسبقة حتى يعتمد المجلس مثل هذا القرار.

تلك هي الصورة بلا رتوش على أرض فلسطين... وهي تحرك الحجر قبل القلوب، وتغلي الدماء في العروق غضبًا وثورة، لكن السلطة الفلسطينية التي لا تكف عن تصديع رؤوسنا بأنها الممثل الشرعي الوحيد تأبى إلا أن تفرغ هذه الصورة من كل محتواها وتفاجئ الجميع بالظهور في واشنطن على مائدة المفاوضات مع وفد صهيوني رفيع المستوى، دون أن تشرح لنا ما الذي تغير بالضبط عند الصهاينة.. فالآلة الوحشية ما زالت تعمل بكل طاقتها قتلاً وتشريداً وتخريبًا، وحصارًا وإرهابًا للشعب الفلسطيني.. ولم نسمع عن أي تنازل في الموقف السياسي الصهيوني... فقط التغيير الذي نشهده هو في السلطة نفسها.. التي أدارت ظهرها لشعبها وهو ينزف دمًا وولّت وجهها شطر البيت الأبيض لتنال رضاه ولكنها لن تعود من هناك إلا بوجه أشد سوادًا من القار، بعد أن تنال من الصفعات ما يناسب انهزامها وانبطاحها.

منذ اليوم الأول لمجيئها.. قلنا إنها جاءت لمهمة رئيسة وهي القضاء -نيابة عن الصهاينة- على تيار الجهاد بين أبناء الشعب الفلسطيني بعد أن عجز الصهاينة عن ذلك، وتحولت حياتهم إلى جحيم، وتبين أن ذلك هو ما تم بالفعل.. ومراجعة سريعة للبنود الأمنية في اتفاقيات «أوسلو 1»، و«أوسلو ٢»، و«كامب ديفيد ١» تكشف ذلك.. كما أن مراجعة سريعة لوقائع الحرب طويلة الأمد التي شنتها على حركتي حماس والجهاد بهدف القضاء عليهما تؤكد ذلك!

ونشهد أن السلطة، كانت أمينة ومخلصة في أدائها لتلك الوظيفة تحت إشراف السي آي إيه والشين بيت، بل إنها ظلت وفية بعهدها في القيام بوظيفتها حتى والدبابات والطائرات الصهيونية تقصف مقارها، وتقتل قوات الأمن الفلسطينية في عقر مراكزهم، وعندما كسر أبناء الشعب الفلسطيني أبواب سجون السلطة -في غمرة الانتفاضة- وأخرجوا منها معتقلي حماس أسرعت السلطة بإعادتهم إذعانًا للتهديدات الأمريكية والصهيونية، ولم تفرج السلطة عن الدكتور عبد العزيز الرنتيسي مؤخرًا إلا تحت الضغط الشعبي المتزايد!

لا عجب أن يكون هذا هو مسلك تلك السلطة.. فمعظم كوادرها من المستوزرين هم من الفلول الشيوعية، وهم يعرفون أنفسهم واحدًا واحدًا.. ومعظمهم مرتبط بوكالات تجارية داخلية مع الصهاينة، ولا شك أن الانتفاضة أوقفت ما تدره تلك الوكالات من ملايين الدولارات....

وهكذا تلعب السلطة على الحبل بوجهين.. وجه إعلامي يصب جام غضبه على الصهاينة في الفضائيات.. ووجه حقيقي يواصل التفاوض والتنازل والانبطاح في جلسات سرية ثم علنية.. وما خفي كان أعظم!

shaban1212@hotmail.com

الرابط المختصر :