العنوان هذه الرواية وهذا الضجيج
الكاتب محمود مفلح
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1989
مشاهدات 74
نشر في العدد 915
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 02-مايو-1989
ما زالت أكثر صحفنا للأسف تعيش حالة
خدر وغيبوبة على أحسن الظن، فما أن يطير خبر من الغرب حتى تسارع هذه الصحف إلى
ترويجه، دون تمحيص أو تدقيق، ودون استخدام منطق سليم أو معيار أصيل، وهذا ما كان
مع رواية «ليلة القدر» للكاتب المغربي المتفرنس/ الطاهر بن جلون، الذي فاز بجائزة
جونكور الفرنسية عن هذه الرواية.
وأقول متفرسًا ليس لأن الرجل يعيش في فرنسا منذ زمن بعيد، ولا لأنه يكتب عمودًا يوميًا في صحيفة «لوموند» الواسعة الانتشار، ولكن لأن الرجل يشرب من إنائهم، وينطق بلسانهم الذي يتضح بما يعتمل في نفسه، ويتبنى القيم السائدة عندهم، على حساب قيمه الإسلامية طبعًا.
وهذه الرواية «ليلة القدر» التي بيع منها بعد أسبوعين فقط من طباعتها (۲۷۱,۰۰۰) نسخة مائتين وإحدى وسبعين ألف نسخة، والتي صفقنا لها بسذاجة غريبة، وهتفنا ونحن مغمضو الأعين بأنها أول جائزة مرموقة يفوز بها عربي، وهي لا تبعد عن "جائزة نوبل" إلا أمتارًا، أو أشبارًا، كما يقولون.
أقول ليست هذه الرواية سوى وجبة دسمة قدمها هذا الكاتب على طبق من ذهب للعقلية الغربية، وأخص منها الفرنسية المتغطرسة، والحاقدة، والكارهة للإسلام، والمسلمين.
وقد ظلت هذه الرواية لغزًا حتى قام بترجمتها الكاتب المصري "محمد الشركي"، وراجعها الشاعر المغربي "محمد بنيس" وهما يساريان معروفان بمواقفهما، وتنكرهما للقيم الروحية الإسلامية.
ولم يكن اختيار هذا العنوان «ليلة القدر»، اعتباطًا أو محض مصادقة، ولكنه بداية الإساءة المتعمدة إلى المسلمين وجرح مشاعرهم، والرواية معلومة بالانحرافات الخلقية، والشذوذ الجنسي، والشعوذة التي يربطها الكاتب دائمًا بالمجتمع الإسلامي والحياة الإسلامية، وإن أحداثها محاطة بهالة من الرمز والأسطورة، والكذب والتجاوزات منذ بدايتها التي تروي قصة فتاة ولدت لرجل مغربي، فأنكر أنوثتها؛ لأن لديه كثيرًا من البنات وادعى أنها رجل، وزوجها لابنة عمها «فاطمة» التي تقبل الوضع راضية، ولكن هذه الفتاة يفتضح أمرها فتتعرض للاغتصاب من رجل في غابة، وقبل أن يقع هذا الرجل عليها يقول «انظروا مقدار الإساءة والسخرية»، حرفيًا «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على آخر الأنبياء "سيدنا محمد" وعلى آله وصحبه، باسم الله الأعلى» كما يصور علاقة محرمة بين فتاة تعمل «حمامية» وأخيها الأعمى، ثم تنتقل هذه العلاقة المحرمة إلى الأعمى وهذه الفتاة بطلة الرواية، مما يثير غيرة الأخت على أخيها، غيرة عزيزية طبعًا، وأخيرًا تتقلب هذه الفتاة الآثمة الملطخة بالإثم إلى قديسة امرأة مباركة، ما إن تضع أناملها على بطون النساء العقيمات حتى يحملن، ويربط كاتبنا العتيد كل هذه الانحرافات بالمعتقدات الإسلامية والحياة الإسلامية.
ويكفي أن أنقل نصًا من هذه الرواية ليرى القارئ الكريم مبلغ الإساءة التي يرتكبها هذا الكاتب بحق مشاعرنا، وبراعته في الارتماء في أحضان الصليبية؛ إذ تحدث هذه الفتاة نفسها وهي في الصلاة وعندما كنت ساجدة لم أتمكن من منع نفسي من التفكير في الرغبة الحيوانية التي كان جسدي البارز بذلك الوضع سيثيرها لدى أولئك الرجال، وهناك تفصيلات أشد نكرًا.
كما يتفنن الكاتب في تملق مشاعر الغربيين على حساب المسلمين، عندما يصور المعاملة القاسية الوحشية التي يعاملها الرجل المسلم للمرأة -على حد زعمه-،ويستهزئ بشكل فاضح بحملة كتاب الله الكريم وحفظته، فيقول على لسان «الفقيه» معلم القرآن، «أحب أن أعلمهم القرآن كما لو كان شعرًا رائعًا» والقرآن في نظر هذا الكاتب لا يصلح إلا للتلاوة على القبور لابتزاز المال من ذوي الموت، ويزاوج دائمًا بين الانحراف والفواحش والانحطاط الخلقي وبين الشعائر الإسلامية، ويتعرض كذلك لأخوات هذه الفتاة في الرواية، وهن فتيات متحجبات منتميات إلى الأخوات المسلمات -كما يقول- ينتقمن من أختهن بعملية ختان وحشية تعاني بسببها آلآمًا حادة، هذا هو الجو العام لهذه الرواية الآثمة التي نال صاحبها جائزة (الجونكورد) الفرنسية، وهو بلا شك يستحق أكثر من الجونكورد مادام جريئًا إلى هذا الحد على دين أمته، ومعتقدات شعبه، ومادامت الصحافة المخدرة تطبل وتزمر، أنا لا أقف كثيرًا عند الطاهر بن جلون الكاتب المغربي المولد الفرنسي الانتماء، ولا أستغرب أن يفوز بهذه الجائزة أو غيرها، ولكنني أستغرب موقف الصحافة العربية «المباركة»، ومنها من يجبر نفسه محسوبًا على الإسلام، كيف تهلل لهذه الرواية وتطير فرحًا بنبأ فوز صاحبها دون قراءة وتمحيص.
هكذا هي شهرة بعض أدبائنا هذه الأيام لا تكون إلا بثمن، وما أغلى هذا الثمن الذي يدفعه هؤلاء المشاهير، وهل هناك أغلى من هذا الثمن؟ الذي دفعه الطاهر بن جلون التعريض بالقيم الإسلامية، وربط الإسلام بالخرافة وتصوير المسلمين على أنهم متخلفون، ومتوحشون ومعتوهون، وشاذون.
ونتساءل لو كانت هذه الرواية تدور حول كفاح الشعب المغربي البطل ضد الاستعمار الفرنسي، هل سيفوز ابن جلون بالجائزة؟ لو تناولت هذه الرواية الصحوة الإسلامية المباركة في المغرب العربي ودور الشباب المسلم في إيقاظ روح الوعي وإشعال جذوة الفكر الأصيل هل سيفوز بالجائزة؟ لو تحدث ابن جلون عن اضطهاد الفرنسيين للأسر المغربية العاملة في فرنسا والنظرة المتعالية التي ينظر فيها الفرنسيون للعمال المغاربة واحتقارهم لهم هل سيفوز بالجائزة؟ لو تحدث عن انتشار البغاء واللواط والسحاق والخمر والشذوذ والحشيش والممارسات الأخرى الشاذة في المجتمع الغربي وهو الذي خبره تمامًا، هل سيفوز بالجائزة؟
الجائزة فقط لا تمنح بسخاء إلا لمن يمسك خنجر ليطعن هذه الأمة في أعز ما تملك، وأثمن ما تحوز.
وحسبي أن أذكر أن الكاتب الطاهر بن
جلون هو نفسه الذي ترجم رواية الخبز الحاف، للكاتب المغربي محمد شكري، وهي رواية
معروفة بشذوذها وانحرافها، وهذا ما دعا الجهات المسؤولة هناك إلى منعها مع رواية
الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال، فإلى متى سوف نظل نصفق للهدايا المشبوهة التي
تهب بها علينا رياح الصليبيين، إلى متى؟