العنوان هذه التحديات المستمرة.. متى تتوقف؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1977
مشاهدات 76
نشر في العدد 371
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 18-أكتوبر-1977
لماذا الحرب على الإسلام وأتباعه..؟
عزيزي القارئ الكريم: أصبحت مشاكلنا المعاصرة كثيرة ومتعددة ومتشعبة، ومن أهم هذه المشاكل هذه الحرب الضروس على الإسلام وأهله، وإذا تذكرنا تاريخنا الإسلامي الحافل بالبطولات، لوجدنا أن العلاج الناجح هو رجوعنا بصدق وإيمان إلى الإسلام منهجًا وتطبيقًا، فإن قادة الفتح الإسلامي من أول عهد الرسول الأعظم- صلى الله عليه وسلم- حتى النهاية كيف انتصروا؟ لقد انتصروا بالإسلام.. ها هو جيش المسلمين يطوق مدينة القدس، وإذا بأبي عبيدة عامر بن الجراح يستدعي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه، وقرب وصوله إلى القدس، يرى هذه المدينة المقدسة من فوق جبل المكبر، فيهلل عمر ويكبر ثم يقول «أنا كنا أذل أمة فأعزنا الله بالإسلام، ومهما طلبنا العز بغيره أذلنا الله».. وسارت الفتوحات الإسلامية مسارها الطبيعي حتى عام ٩٣هـ، ثم توقفت لقد كانت العقيدة الراسخة من أهم أسباب الفتوحات والانتصارات المتتالية حيث كان أهم ما يتحلى به المسلمون هو: العقيدة.. لم يتغيروا ولم يتلونوا، بل ثبتوا على عقيدتهم، فهزوا عرش كسرى، وفتحوا كثيرًا من بلاد الروم ووصلوا إلى سيبيريا وإلى قلب فرنسا، وكان الدافع إلى هذ الانتصارات ليس الشهرة ولا الجاه العريض، إنما هو شيء داخل في سويداء القلوب: إنه العقيدة الراسخة.
..لقد بقيت العقيدة الإسلامية راسخة في النفوس، مصونة، تصون الأمة الإسلامية من الانهيار، حتى دخل هولاكو بغداد عام ٦٥٦،
وحطم الخلافة العباسية الإسلامية آنذاك، لقد كان هولاكو باغيًا لم يسلم منه النساء والأطفال وقتل الخليفة العباسي، وعاث في الأرض فسادًا حتى أصبح نهر دجلة جسرًا من الكتب الثمينة يلفت النظر ويشد الانتباه، إن ابن هولاكو كان قائدًا كبيرًا أعجبته ابنة حماد، وكان رجلًا مسلمًا من بغداد، فأراد ابن هولاكو أن يتزوجها فخطبها لنفسه، ولكنها قالت: لا.. كيف أتزوج رجلًا غير مسلم.. إني أفضل الموت على أن أتزوج غير مسلم، وتمسكت الفتاة بعقيدتها خاصة عندما هددها- ابن هولاكو- كما هدد أباها بالقتل، وفعلًا تم قتل الفتاة وأبيها..
إنه الاعتزاز بالإسلام يسجل في صفحات من نور الاعتزاز بالعقيدة..
عبر التاريخ الإسلامي نجد سيف الله المسلول خالد بن الوليد، وعلي بن أبي طالب وأبا عبيدة عامر بن الجراح، وطلحة بن عبيد الله، وغيرهم كثير، كانت لهم بطولات قل أن يوجد مثلها.. بعد ذلك انتقلت المعارك الإسلامية من حروب هجومية للفتح العادل، إلى حروب دفاعية، وهنا يروي التاريخ أنه لم ينتصر قائد قط في الحروب الدفاعية إلا إذا كان متمسكًا إلى أبعد الحدود بالإسلام، عقيدة وبذلًا، وتضحية وفداء..
..ها هو صلاح الدين الأيوبي، وقد كان متمسكًا إلى أبعد الحدود بالإسلام..
..وها هو السلطان محمد الفاتح، يروى التاريخ أنه كان رجلًا يقوم الليل، ويصوم أكثر أيامه، حتى اشتهر بالعدل والتقوى.
..وها هو قطز الذي صد التتار، وانتصر عليهم في عين جالوت على أرض فلسطين وقد كان لوجود الإمامين الكبيرين معه أفضل الأثر في هذا الانتصار الباهر، إنهما العز بن السلام، وأبو الحسن الشاذلي.. يروي المؤرخون أنه في الصفحة الأولى من المعركة هبط الجيش المصري- آنذاك- فنادى الإمامان: العز بن عبد السلام وأبو الحسن الشاذلي..« وا إسلاماه» فأحدثت ضجة عنيفة في الجيش، فرجعوا إلى التتار وانقض الجيش المصري عليهم، حتى ألجأوا التتار إلى الهرب، ففروا، ثم لم تقم لهم قائمة بعد ذلك مطلقًا..
..لقد علمنا الحق- تبارك وتعالى- أن نربط المسببات بالأسباب، وجعلها سنته في هذه الحياة، فالرسول- صلوات الله وسلامه عليه- قد بين لنا أسباب تغيير النعمة، وانكشاف الحال وتقلص الظل، وفي ذلك يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم: يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا، أمن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: بل من كثرة ولكنها كثرة كغثاء السيل-. فهذا الحديث النبوي الشريف يبين لنا السبب الواضح لهذه التحديات المعاصرة المتتالية.. فلقد أجاب السائلين عن أسباب ذلك الانحدار العجيب بعد الارتفاع الهائل، فلما قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كثاء السيل ونستفيد من فقه الحديث، أنه ليس الشأن عند الله تعالى بالكثرة العددية ولكن الشأن بالجودة التي تتمسك بكتاب الله تعالى، وبسنة الرسول الأعظم- صلى الله عليه وسلم- فليس مناط الأمر في العدد، ولكنه مناطه الثبات وصدق العزيمة، ما فاق المسلمون الأولون الكفار الكثيرين في العدد والعدد، وما انتصر المسلمون عليهم الابذخائر حية في قلوبهم من صدق الإيمان وما باعوا أنفسهم لله تعالى إلا باليقين الصادق مكان الشهيد في المعركة قبيل خروج أنفاسه يبشر وبصدق، ويستيقن ويستنهض الهمم. لماذا؟ لأنه يجد ريح الجنة.. إن غثاء السيل لا ينفع، ولا يستفاد منه سواء أكان رطبًا أم جافًا... ومن هنا كان من الواجب على الأمة أن تعنى بعلو الهمة، لأن ضعفاء الأمم، الفاتري الهمم بلاء على الأمة، عالة عليها لضعف هممهم لقد كان المجاهد في سبيل الله تعالى يلقي بنفسه في الخطرات، ويتجرع الشدائد، متمنيًا أن يفوز بالشهادة، واثقًا أنه إن مات الجسم فإن الروح باقية، وأنه سيحيا حياة طيبة، وإن حيا فقد فاز من الله- عز وجل- بالغنيمة والنصر، وفي الآخرة له المثوبة والأجر الجزيل
..لقد مرت على المسلمين الأولين العظات والعبر، كما مرت عليهم في أحد وحنين. وعظهم المربي الأول للإنسانية- صلوات الله وسلامه عليهم- فاتعظوا، وذكرهم الله- عز وجل- فتذكروا.. وثبتهم ربهم فثبتوا، ودعاهم فأجابوا، من أجل ذلك... كانت قيادة العالم كله للأمة الإسلامية في القرن الأول من الهجرة حيث كان الرعيل الأول يعيش حياة الصلاح والإصلاح العام للإنسانية، على ركيزة من عقيدتهم وشريعتهم أسسوا حضارة رائدة، حيث التقدم الفكرى، والاستقرار الاجتماعي، والرقي الخلقي، والازدهار العام الشامل في كل ما تعتز به الإنسانية الرفيعة، لقد نفعوا العالم في كل ما تحتاج إليه البشرية بوجه عام. وصدق الله العظيم: فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض-.. لقد كان المسلم مكتمل الشخصية، عقائديًّا وعقليًّا، وخلقيًّا وحضاريًّا، معاشيًّا ومعاديًا، وهكذا كانت الأمة الإسلامية، فكانوا نماذج عملية صالحة للعالم، وسادوا العالم بهذا الدين الحنيف فبالإسلام سادوا، وبالقرآن الكريم قادوا، مطبقين قول الله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا خَيْرًا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۚ ﴾ (النحل:30) فإذا أراد المسلمون أن تعود لهم السيادة والقيادة، فليكونوا مرآة لرسالتهم، ونموذجًا عمليًّا لها.. وبهذا يستحقون أن تكون لهم القيادة العامة لخلق الله فوق أرض الله..