العنوان هذا .. وذاك
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 12-سبتمبر-2009
مشاهدات 80
نشر في العدد 1869
نشر في الصفحة 66
السبت 12-سبتمبر-2009
في حوار بين قس وبطل الرواية الوثني، في الفصل قبل الأخير من رواية الأديب الأمريكي جون شتاينبك: «البحث عن إله مجهول، نلتقي للمرة العشرين بالرؤية الغربية الأحادية التي تخضع لمبدأ: « إما هذا أو ذاك ... إما الأرض وإما السماء.. إما الروح وإما الجسد .. إما الدنيا وإما الآخرة.. إلى آخره.
بينما تنبني رؤيتنا الإسلامية للحياة والوجود والمصير على مبدأ هذا وذاك ... الأرض والسماء معا .. الروح والجسد معاً .. الدنيا والآخرة معا... القس في الحوار المذكور يريدها للسماء.. للروح... حيث تصبح الأرض منفى، والجسد بؤرة للشر.. ويريدها الوثني للأرض.. للجسد.. فالسماء بعيدة صعبة المنال وقد لا يكون لها وجود .. والروح مسألة غائمة لا يسلم بها بسهولة.. فليكن التعامل مع القريب الموجود وليس مع الغائم البعيد. وبهذا حفر الغربيون خندقاً بين طرفين أريد لهما منذ لحظات الخلق والهبوط الأولى أن يلتقيا ويلتحما ويتوحدا.. لا أن يتضادا ويتخاصما، فيكون الفصام النكد الذي ألحق بالحياة والإنسان شروخا لا مبرر لها، وقادها إلى أن يدير أحد القطبين ظهره للآخر، فيمضي أحدهما متشبثاً بالسماء، ويخلد الآخر إلى الأرض، ويلتصق بها. ومنذ لحظات هبوط آدم إلى الأرض.. آدم الذي التقت في تكوينه نفخة الروح العلوية بالتراب.. تلقى وعداً من السماء بإمداده بكلمات الله سبحانه، أي بالدين والمنهج اللذين أريد لهما أن يتوليا تصميم الحياة الدنيا ورسم خرائطها ، وإلا فهو الضياع.. والضرب في التيه. وجاء مسلسل النبوات الطويل يؤكد المعنى نفسه ويعيد تعديل الوقفة الجانحة لمسيرة الجماعات والشعوب كلما انحرفت بأديانها عن الصراط.. ثم كانت الحلقة الأخيرة بمجيء الإسلام لكي يختم على حركة النبوة ويضع اللمسات الأخيرة في المنهج الذي قدر له أن يكتمل على يدي رسول الله .
فنحن - إذن - إزاء رؤية أصيلة واضحة المعالم والخطوط تنطوي في أساسها على لقاء حميم بين السماء والأرض.. تلك تأخذ بيد هذه، وهذه تتطلع إلى تلك وتتلقى التعاليم منها.. وتتحقق بذلك الحياة السعيدة المتوحدة الآمنة المطمئنة التي يأتيها رزقها رغداً من كل مكان..
الغربيون لا يريدونها هكذا .. إنهم ، ربما لأسباب تاريخية لا يتسع لسردها مقال كهذا، آثروا أن يفكوا ارتباطهم بالسماء، وأن يغيبوا الروح، ليس من دائرة ممارساتهم فحسب، بل من قناعاتهم أيضاً .. وهكذا أخلدوا إلى الأرض والتصقوا بالجسد، وجعلوا منهما قطب الرحى وحجر الزاوية في مسيرة الحياة الدنيا. اللقاء بين القطبين - إذن - هو القاعدة التي أريد لها أن تحكم الحياة البشرية، وفك الارتباط بينهما هو الاستثناء الذي لا يقاس عليه، رغم أنه يغطي اليوم مساحات واسعة من الدنيا، ويغطي عليه في الوقت نفسه التفوق الظاهر للحضارة الغربية التي انبثقت عنه وانبنت عليه.
وبعيداً عن بهرج الحياة الدنيا وزخرفها وزينتها .. بعيداً عن الديكورات الجميلة المتألقة لتلك الحضارة.. بعيداً عن مظاهر القوة والجبروت فيها .. فإن الإنسان نفسه هناك ليس بسعيد .. تحاصره التعاسات والمنغصات، وتدفعه دفعاً إلى الهروب بالمخدرات والمغيبات والحشيش والأفيون حينا... وباللجوء إلى الانتحار حينا آخر.. وتضيق عليه الخناق بالكابة التي تمسك بتلابيبه صباح مساء..
وحلقة البلاء الأولى.. تبدأ دائماً من هناك، ويعكسها ذلك الحوار الذي أداره شتاينبك» بين «القس، وبطله «الوثني»: إما السماء وإما الأرض.. إما الروح وإما الجسد.. وكأن ليس ثمة طريق آخر تتوحد فيه هذه الأقطاب وتتصالح من أجل الإنسان.
(*) باحث وأكاديمي عراقي