; هذا هو موقف السنهوري باشا من الشريعة | مجلة المجتمع

العنوان هذا هو موقف السنهوري باشا من الشريعة

الكاتب عباس حسني محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2000

مشاهدات 93

نشر في العدد 1386

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 01-فبراير-2000

نشرت المجتمع في الأعداد ١٣٦٩ إلى ۱۳۷۲ دراسة للدكتور محمد عمارة تحت عنوان: السنهوري وإحياء علوم الشريعة الإسلامية، وفي المقال التالي يرد الدكتور عباس حسني محمد نائب رئيس هيئة قضايا الدولة بمصر سابقًا وعضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء بالرياض على بعض ما جاء بالدراسة:

لقد أشاد الكاتب بالسنهوري باشا باعتباره من الدعاة إلى إحياء الشريعة الإسلامية، والحق أن السنهوري كان على العكس من ذلك تمامًا، وإني أسوق فيما يلي بعضًا من مظاهر موقف السنهوري من الشريعة الإسلامية الغراء وهي مظاهر واضحة وثابتة إما بصفة رسمية أو بقلمه: 

1- من المعلوم أن السنهوري هو واضع القانون المصري، وقد نصت المادة (1) من هذاالمدني القانون على ما يأتي:

أ- تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها. 

ب- فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة.

فهذا النص يقدم أولًا نصوص القانون الوضعي وفحواها على العرف ثم يقدم العرف على الشريعة، وواضح أن العرف هنا منفصل عن الشريعة فهو ما تعارف عليه الناس دون تقيد بالشريعة، ولذلك جاء هذا العرف الفاسد مقدمًا على الشريعة.

ثم يفترض أن الشريعة ناقصة، فيأمر بالرجوع إلى قواعد القانون الطبيعي والعدالة، وهذا ازدراء بالشريعة، وهو أمر يتعارض مع ما أمر به الله تعالى رسوله باللجوء أولًا وآخرًا إلى الشريعة في كل الأمور صغيرها وكبيرها، وفي كل حال سواء في المنشط أو المكره، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: 83).

وهذا التعبير القرآني البليغ يشمل كل أحوال الإنسان إلى يوم القيامة لأن الناس إما في أمن أو في خوف، وقد أمر تعالى المسلمين باللجوء بعد وفاة الرسول ﷺ إلى العلماء الذين يستنبطون الأحكام من أدلتها الشرعية، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ (النساء:60-61).

2- زعم السنهوري أن الفقه الإسلامي لم يعرف الحوالة فهو يقول: «فلم يكن الفقه الإسلامي إذن بدعًا في تطوره كما قدمنا ولم يقر حوالة الدين دون أن يقر حوالة الحق، بل هو قد سار على السنن المألوفة في التطور إذ هو قد بدأ بإقرار حوالة الحق بسبب الموت ثم بإقرار هذه الحوالة بين الأحياء، ولكن في مذهب واحد من مذاهبه، ثم وقف تطوره عند ذلك فلم يقر حوالة الحق بين الأحياء في المذاهب الأخرى ولم يقر حوالة الدين لا بسبب الموت ولا بين الأحياء، (الوسيط للسنهوري: ج ٣ ص ٤٣٧).

فالسنهوري يعلن هنا أن الفقه الإسلامي شأنه شأن القوانين الوضعية لا يستطيع أن يعرف إلا ما يعرفه بالعقل عن طريق سنة التطور، وهذا نفي صريح للوحي لأن الفقه الإسلامي هو بيان للشريعة الإسلامية التي ما هي إلا وحي يوحى.

ولقد عرف الفقه الإسلامي الحوالة بنوعيها عن طريق الوحي وليس عن طريق التطور، فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحيل بحقه على مليء فليحتل رواه البخاري، وفي رواية صحيحة أخرى «وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع»، وهذه صريحة في إثبات كافة أحوال الحوالة سواء أكانت حوالة حق أم حوالة دين. هذا ويلاحظ أن السنهوري رتب هذه النتيجة وهي عدم جواز معرفة الفقه الإسلامي للحوالة لأن هذا مخالف للتطور القانوني على مقدمة غير صحيحة تدل على عدم معرفته للفقه الإسلامي فهو قد ظن أن الفقه الإسلامي لم يعرف انتقال الالتزام «الدين» بسبب الموت، لأن المبدأ السائد في مصر يقوم على أساس أنه لا تركة إلا بعد سداد الديون، أي لايجوز نقل الدين بسبب الموت.

ولكنه لم يعلم أن الفقه الإسلامي يصرح بأن هناك رأيًا آخر يذهب إلى أن الالتزام ينتقل بالموت، وفي هذا يقول ابن قدامة: حكى بعض أصحابنا فيمن مات وعليه دين هل يمنع الدين نقل التركة إلى الورثة؟ روايتين إحداهما: لا يمنعه للخبر: «من ترك حقًّا أو مالًا فلورثته»، ولأن تعلق الدين بالمال لا يزيل الملك في حق الجاني والراهن والمفلس، فلم يمنع نقله، فإن تصرف الورثة في التركة ببيع أو غيره صح تصرفهم ولزمهم أداء الدين.

والرواية الثانية منع نقل التركة إليهم «أي: لا تركة إلا بعد سداد الديون».

فالسنهوري رتّب هذه النتيجة على مقدمة غير صحيحة، وهي أن الفقه الإسلامي لا يعرف إلا مبدأ «لا تركة إلا بعد سداد الديون»، وهذا غير صحيح ثم أخضع الفقه الإسلامي لما يخضع له القانون الوضعي من سنة التطور، ونسي أن الفقه الإسلامي يعتمد أصلًا على الوحي، أي: المعجزة، وقد حصلت المعجزة الفقهية -فعلًا- في نزول الوحي بهذا الحديث الصحيح، وهو: «من أحيل بحقه على مليء فليحتل»، فالحوالة جاء بها الشرع، سواء أكان الفقه الإسلامي يرى انتقال الالتزام بسبب الموت أم لا يرى ذلك، والحق أن نزول الحوالة على قلب رسول الله ﷺ إنما هي من معجزاته الفقهية، لأن القانون الروماني لم يعرف الحوالة أبدًا، كما لم يعرفها قانون نابليون الصادر في سنة ١٨٠٤م.

 3- اعتذر السنهوري عن عدم اعتبار الشريعة الإسلامية هي الأساس الأول - الذي ينبني عليه القانون المدني- بعذر واه، فقال: «أما جعل الشريعة الإسلامية هي الأساس الأول الذي ينبني عليه تشريعنا المدني، فلا يزال أمنية من أعز الأماني التي تختلج بها الصدور، وتنطوي عليها الجوانح، ولكن قبل أن تصبح هذه الأمنية حقيقة واقعة، ينبغي أن تقوم نهضة علمية قوية لدراسة الشريعة الإسلامية في ضوء القانون» (الوسيط، للسنهوري: ج ١ ص ٤٨ هامش1).

فالسنهوري يزعم أن الشريعة الإسلامية لا يمكن تطبيقها قبل دراستها دراسة قوية في ضوء القانون المقارن، فالشريعة الإسلامية غير قابلة -في نظره- للتطبيق قبل دراستها دراسة عميقة، لقد أنزل الله تعالى الشريعة الإسلامية ميسرة للتطبيق الفوري، وطبقت مئات السنين، وهي تُطبق الآن في بعض الدول الإسلامية القليلة. هذا ولا يوجد في العالم تشريع سماوي أو وضعي درس دراسة عميقة مُستفيضة مثل الشريعة الإسلامية ولقد احتوى الفقه الإسلامي على آلاف الدراسات العميقة، ولا توجد أي فكرة تعرض لها الشراح في القوانين القديمة والحديثة إلا وتعرض لها فقهاء الإسلام إما بالقبول أو الرفض.

وإذا كان السنهوري يرى ذلك في الشريعة الإسلامية، فإن علماء القانون المقارن في الغرب أقروا بعظمة الشريعة الإسلامية مع أنهم ليسوا بمسلمين.

 - ففي المؤتمر الدولي للقانون المقارن المنعقد في لاهاي سنة ۱۹۳۲م أعلن العالم القانوني الفرنسي لامبير تقديره العظيم للفقه الإسلامي.

- وفي مؤتمر المحامي الدولي المنعقد في لاهاي والذي اشترك فيه كبار علماء القانون من ثلاث وخمسين دولة جاءت قراراته تشيد بالشريعة الإسلامية.

- وفي يوليو سنة ١٩٥١م، عقدت شعبة الحقوق الشرقية من المجمع الدولي للحقوق المقارنة مؤتمرًا في كلية الحقوق بجامعة باريس للبحث في الفقه الإسلامي، وفي خلال مناقشة المؤتمر قال أحد نقباء المحامين في باريس، ما يأتي: «كيف أوفق بين ما كان يحكي لنا عن جمود الفقه الإسلامي وعدم صلاحيته أساسًا تشريعًا يفي بحاجات المجتمع العصري المتطور وبين ما نسمعه الآن، مما يثبت خلاف ذلك تمامًا ببراهين النصوص والمبادئ».

وقد ألّف رجال القانون الدولي جمعية خاصة ببحث كتب محمد بن الحسن الشيباني -صاحب أبي حنيفة- واعتبروه أبًا للقانون الدولي.

ولكن السنهوري يرى أن الشريعة الإسلامية لا يمكن تطبيقها الآن إلا بعد إعادة دراستها دراسة قوية في ضوء القانون المقارن، وهو يقدم -رسميًّا- العرف عليها ويفترض نقصانها باللجوء إلى قواعد القانون الطبيعي والعدالة.

 ولنا أن نتساءل: ما هذه الدراسات التي تحتاج إليها الشريعة الإسلامية؟

يرى السنهوري أنه لا بد من تطوير الشريعة الإسلامية، فمثلًا الحدود الشرعية لم تعد تصلح في نظره للتطبيق الآن ولا بد من إحلال عقوبات السجن والغرامة بدلاً من الرجم والجلد والقطع، وهذا أمر مستحيل حصوله إلا من خلال التكذيب بآيات الله البينات، ومما هو معلوم من الدين بالضرورة.

 ٤- نصت المادة «٤٩٣ مدني مصري» على أن هبة الأموال المستقبلة باطلة لأنه تبرع بمعدوم، وذلك رغم أن القانون نفسه يجيز التعامل بعوض في المال المستقبل، وبرغم أن الهبة الأصل فيها عدم وجود مقابل لها، فلا خطر من انعدامها وقت التعاقد، ولا خسارة تعود على الموهوب له إذا لم توجد عند التنفيذ، بعكس الحال في عقود المعاوضات المالية كما هو واضح فكان من الأليق وقد أجاز القانون التعامل في الأموال المستقبلة بعوض أن يجيزه من باب أولى في الأموال بغير عوض.

وقد ذكر السنهوري في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي للقانون المدني المصري: أن بطلان هبة المال المستقبل تطبيق لأحكام الشريعة الإسلامية في مبدئها العام الذي يمنع التعامل في المعدوم (الوسيط، للسنهوري: ج5 المجلد الثاني).

 لكن فقهاء الإسلام اختلفوا بالنسبة للتعامل في المعدوم: فالحنفية منعوه تمامًا، وغيرهم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومن نحى نحوهما ذهبوا إلى أن التعامل بالمعدوم صحيح إذا وصف وصفًا كافيًا نافيًا للجهالة، وحجتهم قوية، فأحاديث السلم ثابتة وصحيحة، وهي تجيز ذلك صراحة وفقهاء الإسلام بصفة عامة يتخففون في التبرعات فيجيزون فيها ما لا يجوز في المعاوضات، وهم يقسمون المعاوضات إلى مالية وغير مالية، ويذهبون إلى أن الغرر لا يؤثر إلا في المالية، ومن باب أولى لا يؤثر في التبرعات. 

ومن هنا نعلم أن ما ذكره السنهوري ليس صحيحًا، بل هو يتعارض تمامًا مع الفقه الإسلامي، وكان الأجدر أن يقال هنا إن القانون المصري جرى وراء التشريع الفرنسي الذي يمنع هبة المال المستقبل (م٩٤٣ مدني فرنسي).

5- ذهب السنهوري إلى أن الفقه الإسلامي يرفض فكرة الاشتراط لمصلحة الغير، وردده في كتبه، ولقد عرف الفقه الإسلامي الاشتراط لمصلحة الغير باسم اشتراط نفع الأجنبي عن العقد، واختلف الفقهاء بشأنه، فمنهم من أجازه بإطلاق، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية.

وقد صدرت في عام ۱۹۷۷م رسالة دكتوراه بكلية الحقوق -جامعة القاهرة- قسم الشريعة عنوانها: «الاشتراط لمصلحة الغير في الفقه الإسلامي والقانون المقارن» وثبت فيها أن فكرة الاشتراط لمصلحة الغير في الفقه الإسلامي أوسع وأدق من نظيرتها في القانون.

 ٦- إنه لمن العجيب حقًّا أن د. محمد عمارة ساق لنا في مقاله عبارات للسنهوري تؤكد ما نقوله تمامًا، فيقول: «ولذلك دعا السنهوري إلى إشراك غير المسلمين في حركة تجديد فقه المعاملات وتقنينه، وذلك بإحياء المبدأ الإسلامي شريعة من قبلنا شريعة لنا ما لم تنسخ».

فالسنهوري يرى ببساطة أنه من المستحسن أن يشترك في الاجتهاد في أحكام العاملات في الفقه الإسلامي غير المسلمين، وهذا يبطل الاجتهاد، لأنه من أول شرائط الاجتهاد: أن يكون المجتهد مسلمًا، فكيف يشترك الكفار في الاجتهاد الذي هو استنباط الحكم الشرعي من الأدلة من الكتاب والسنة؟

 ثم ما علاقة اجتهاد الكافر في الإسلام بقاعدة: «شريعة من قبلنا شريعة لنا ما لم تنسخ»؟ إن الاجتهاد لا يكون إلا فيما لم يرد فيه نص، وأما شريعة من قبلنا فلا يمكن الأخذ بها إلا إذا ثبتت بنص من الكتاب أو السنة أولًا.

وبعد: فإن هذه بعض الأمثلة التي تدل على أن السنهوري لم يكن من أنصار تطبيق الشريعة الإسلامية، وإنما على العكس من ذلك كان يرى وجوب تطويع الشريعة للقوانين الوضعية حتى يمكن تطبيقها، وأن يقوم الكفار بهذا العمل، وهذا أمر خطير ولا ريب.

الرابط المختصر :