العنوان هدنة جديدة في اليمن!!
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1994
مشاهدات 88
نشر في العدد 1094
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 05-أبريل-1994
عندما زار الأديب اللبناني «أمين الريحاني» اليمن في بداية
العشرينيات، أدهشه تناقضات المناخ التي دهمته أثناء سفره من صنعاء إلى الحديدة، إذ
لاحظ تغير الطقس من الصيف إلى الربيع إلى الشتاء في ساعات محددة، كلما صعد جبلًا
أو نزل سهلًا.. حتى صرخ: «يا الله.. ثلاثة فصول في فصل واحد!»
واليوم تشيع في «صنعاء» حكاية سفير أجنبي طالبته دولته بتقديم
استقالته، بعد سيل التقارير المتناقضة المتقاربة التي كان يرسلها يوميًا من اليمن:
انفصال محتوم! اقتتال لا ريب فيه! وحدة مستمرة! انفراج مفاجئ! تأزم لا مثيل له!
وفي الوقت الذي كان مجلس الوزراء اليمني يعقد فيه أول جلسة له منذ
فترة طويلة، كانت صدامات عسكرية تدور في محافظة «شبوة» بين أنصار طرفي النزاع،
وتهدد بانهيار جديد للهدنة الإعلامية الرسمية والانفراج المحدود الذي تمثل باتفاق
الجميع على عودة التئام كل من مجلس الوزراء ثم الرئاسة ثم النواب!
دلالات الاتفاق الأخير كان إعلان الاتفاق الأخير يوم الثلاثاء 22/ 3
مفاجأة للجميع، في الداخل والخارج! إذ كان الانطباع السائد في اليمن أنه لا مفر من
صدام عسكري بعد أن وصلت حالة التأزم والتوتر إلى درجة بالغة السوء!! ولا سيما بعد
أحداث «شبوة» التي كادت تنجح فيها حركة انفصالية مستقلة عن طرفي الأزمة، وإن كان
الاشتراكيون قد مهدوا السبيل لها، تمهيدًا لانقضاضهم على «المحافظة» بعد التخلص من
وجود أنصار «صنعاء» وحلفائهم فيها!
وللتذكير، فإن عقدة الخلاف المعلن في اليمن بعد توقيع وثيقة العهد
والاتفاق في «عمان»، كان يتمثل في تحديد نقطة البداية، حيث كان المؤتمر والإصلاح
يصران على ضرورة التئام المؤسسات الدستورية لتنفيذ الوثيقة، بينما كان الحزب
الاشتراكي يرفض بقوة فكرة عودة قياداته إلى العاصمة والتئام القيادات وإلقاء القبض
على المتهمين بارتكاب حوادث الاغتيالات السياسية التي طالت عددًا من كوادره!
فما الذي جرى حتى توصل الجميع إلى اتفاق باستئناف أعمال المؤسسات
الدستورية؟ هناك سببان بارزان يمكن أن يفسرا ذلك التغيير المفاجئ في الموقف الأول:
عسكري يتصل بحقيقة تحول موازين القوى العسكرية لصالح الرئيس علي صالح في محافظة
«أبين» ثم فشل الاشتراكيين في تغيير الأوضاع لصالحهم في محافظة «شبوة»!
وبالنسبة لمحافظة «أبين»، فإن فقدان الاشتراكيين لسيطرتهم عليها جعلهم
يدركون أن العودة إلى حدود دولتهم السابقة أمر لا سبيل إليه بعد أن فقدوا تعاطف
المواطنين الذين وقفوا ضدهم، وأيضًا بعد أن ظهر أن لواء العمالقة الموالي للرئيس
علي صالح يتمتع بقدرات عسكرية تمكنه من حسم أي صراع لصالحه.
أما الفشل في محافظة «شبوة» فقد أفقد الاشتراكيين ورقة اقتصادية كانوا
يظنون أنها تمنحهم فرصة إغراء سكان «الجنوب» سابقًا، بمميزات الانفصال وبثروات
بترولية هائلة عن «الشمال» الذي يكتظ بالسكان «حوالي 12 مليونًا من 14 مليونًا».
الثاني: أن حدة الخلافات داخل قيادة الحزب الاشتراكي بين «الشماليين»
و«الجنوبيين» قد وصلت إلى درجة حادة، بل تناقلها المواطنون في شوارع «عدن»، حيث
تتجمع هذه القيادات منذ فترة إذ من الواضح أن هناك تيارًا هامًا داخل الحزب
الاشتراكي يرفض فكرة الانفصال تمامًا، بسبب الأضرار الكبيرة التي سوف تعود على
أنصار «الاشتراكي» في المحافظات الشمالية، إضافة إلى الإحساس بأن تيار الانفصال
يهدف إلى تحقيق أهداف شخصية ومناطقية خاصة!!
ولعل مما زاد في تفاقم حدة الخلاف داخل الحزب الاشتراكي، التحالفات
المريبة التي عقدها قادة التيار الانفصالي فيه مع شخصيات مشبوهة في علاقاتها
السياسية الدولية، إضافة إلى عودة بعض «السلاطين» الذين يدعمهم الاستعمار
البريطاني إلى محاولة التأثير على الأحداث داخل اليمن، والفوز بنصيب من البلد الذي
بدا على وشك التقسيم إلى دويلات صغيرة.
كل ذلك كان -كما يبدو- سببًا في موافقة الاشتراكيين على استئناف أعمال
مجالس الرئاسة والوزراء والنواب، وعودة كثير من القيادات العسكرية والإدارية إلى
دوائر أعمالهم في صنعاء، وهو أمر لاحظه سكان العاصمة بوضوح.
والمتوقع، أنه إذا سارت الأمور وفق اتفاق لجنة الحوار، أن يستأنف مجلس
الوزراء اليمني اجتماعاته في «صنعاء» بعد أسبوعين من سلسلة اجتماعات يعقدها في
«عدن» و«تعز»، وهي طريقة تحفظ ماء وجه الاشتراكيين الذين كانوا يصرون على عدم
العودة.
على أي حال، يصعب تحديد نهاية قريبة للأزمة اليمنية، حيث كشفت أحداث
الشهور الماضية أن هناك قوى تعمل على تأزيم الأوضاع كلما قاربت على الانفراج!
كما يتوقع أن يثير الاتفاق الأخير مشاكل داخل الحزب الاشتراكي، لأنه
يعد انتصارًا سياسيًا واضحًا للرئيس علي صالح!!
وقد بدا ذلك واضحًا عندما تغيب ثلاثة من أبرز وزراء الحزب الاشتراكي
عن أول اجتماع لمجلس الوزراء في عدن، ويعد أولئك الوزراء من المهتمين بقيادة حركة
الانفصال! كما تغيب ممثلو الحزب الاشتراكي عن اجتماع للجنة الحوار في «عدن»، لكن
حضور «سالم صالح محمد» اجتماعات مجلس الرئاسة هو الذي سوف يحدد جدية الاتفاق
الأخير من عدمه.
على صعيد دور مجلس النواب اليمني، فقد استأنف اجتماعاته الأسبوع
الماضي عقب إجازته السنوية المعتادة، وقد ألقى الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس
المجلس كلمة قوية جدد فيها المطالبة بسرعة إنهاء الأزمة السياسية والتئام المؤسسات
الدستورية لتنفيذ وثيقة العهد والاتفاق.. وأكد الشيخ الأحمر أن مجلس النواب مطالب
بتحمل مسؤولياته الوطنية ومصارحة الشعب بكل الحقائق حول الأزمة وأسبابها.
يبقى أن نقول إنه برغم الانفراج الجديد، إلا أن هناك تخوفات حقيقية من
أن يكون هذا الانفراج عبارة عن هدنة مؤقتة يستعيد كل طرف أثناءها أنفاسه ويعيد
ترتيب أوراقه ومواقعه لجولة جديدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل