; السودان والصراع الذي لن ينتهي .. هجوم الجنوب على «هجليج»... قراءة في الأسباب والدواعي | مجلة المجتمع

العنوان السودان والصراع الذي لن ينتهي .. هجوم الجنوب على «هجليج»... قراءة في الأسباب والدواعي

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر الجمعة 20-أبريل-2012

مشاهدات 99

نشر في العدد 1998

نشر في الصفحة 38

الجمعة 20-أبريل-2012

رغم الهجوم من جانب أكثر المحللين والسياسيين المؤيدين لحكومة الشمال.. فإن مجلس الوزراء التزم باتفاق الحريات الأربع 

«باقان أموم«، حرض الكونجرس الأمريكي في ٢٠٠٩م زاعما أن السودان دولة عنصرية فاشية تمارس الاضطهاد الديني

الهجوم على هجليج، هدفه تدمير آبار البترول هناك لإحداث إرباك اقتصادي وشح في الوقود

ربما يظن ظان أن الهجوم الغادر الذي نفذته قوات حكومة جنوب السودان على هجليج، هجوم فجائي غير مدبر، وأتى في وقت غير مناسب حيث كانت حكومة الخرطوم تبذل قصارى جهدها للدفاع عن الاتفاقية الإطارية للحريات الأربع التي وقعها الوفد الحكومي مع وفد دولة جنوب السودان في أديس أبابًا، وكذلك زيارة وفد جنوبي رفيع المستوى برئاسة باقان أموم.. وزير السلام، ورئيس وفد التفاوض بأديس أبابا، والأمين العام لـ الحركة الشعبية لتحرير السودان.. 

جاء الوفد الجنوبي إلى الخرطوم لتقديم دعوة رسمية للرئيس عمر البشير لزيارة جوبا، عاصمة دولة جنوب السودان، في الثاني من أبريل الجاري للقاء قمة بين الرئيسين المشير «عمر البشير»، والفريق «سلفاكير» للتوقيع على الاتفاق الإطاري الذي تم مبدئيا في أديس أبابا بالأحرف الأولى. 

الفوضى الخلاقة 

ذلك ظن الذين لا يعلمون المخطط الصهيوني الصليبي لتفتيت السودان، عن طريق إحداث الفوضى الخلاقة في كل بلاد المسلمين لتمكين دولة الكيان الصهيوني من العيش بسلام وأمن واستقرار وسط دول ممزقة مفتتة قبليًا وعرقيًا وسياسيًا ودينيًاومذهبيًا. قبل الهجوم على «هجليج»، وهي أرض سودانية شمالية غير متنازع عليها، وليست من القضايا العالقة كانت هنالك تحركات الأمريكي «جيم مكفرن» و «فرانك وولف» الإصدار مشروع سلام وأمن السودانمريبة العضوي مجلس النوابللضغط على حكومة السودان وتركيعها وإجبارها الدخول في  بيت الطاعة الأمريكي. 

وجاء إلى منطقة جنوب كردفان عن طريق الجنوب جورج كلوني، وفرانك وولف بغرض فبركة تقاريرمضللة عن الأوضاع هناكبغية تدويل القضية بدعاوى إنسانية، كما دولت قضية دارفور بنفس الدعاوى غير الأمينة، وكلوني هذا فعل ما يمكن فعله التركيز الانتباه على هذه الدعاوى الأئمة: حيث بث أفلامًا إخبارية، وأطلق تصريحات ساذجة، ونشر معلومات كاذبة، وأخرج مسرحية ساذجة لا تنطلي على أحد أمام السفارة السودانية بواشنطن لإبراز اعتقاله وكأنه ضحية، لكن الهدف هو ترويج للدعاية عن التطهير العرقي والاغتصاب وقتل المدنيين بالطائرات السودانية. 

إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما استقبل في مكتبه كلوني، هذا قبل يوم واحد من اعتقاله أمام السفارة السودانية، إذ طلب منه أوباما تقديم مساعدات إنسانية في المناطق التي تشهد نزاعًا لمقابلة الحملات التي تقوم بها حكومة عمر البشير في قصف المدنيين. 

إثر هذا الاستقبال المريب تمت الاستجابة من الرئيس الأمريكي، وأجيزت المساعدات وتلقي «سلفاكير» الذي لا يملك من الأمر شيئا، بل الأمر كله في يد اليهود والأمريكيين الإشارة الخضراء للبدء فيالهجوم عشية عودة وقد رفيع المستوى من الخرطوم واحتلال هجليج، بالقوة هو رئيس الدولة، وهو يعرف تماما أنه يحتل أرض دولة جارة أحسنت إليه ومنحته دولة دون عناء وفاء للعقود وإمضاء للعهود.. لو كان الهجوم على أرض متنازع عليها لهان الأمر، لكن «هجليج» ليست منطقة يتفاوض حوله؛إذ إن محكمة العدل الدولية في يوليو عام ۲۰۰۹م حكمت به شمالية هجيلج فليس هنالك مجال للأخذ والرد، إذا لماذا اختارت دولة الجنوب منطقة «هجليج»، هدفًا؟ إن المخطط الآثم هو تدمير آبار البترول في هجليج، وإيقاف ضخ النفط للشمال حيث إن هجليج، تنتج ستين ألف برميل يوميا ومرشح الرفع كفاءة الإنتاج إلى سبعين ألفًا نهاية العام الحالي، وتخريب هذه الآبار الشمالية تحدث إرباكا اقتصاديًا وشحًا في الوقود. 

التزام الشمال 

حكومة الجنوب تعلم تمام العلم أن دولة الشمال طوت ملف الحرب، وشهد العالم كله كيف أن السودان في موقف مثالي نادر وفى بالتزاماته، وقام بتنفيذ كل بنود الاتفاقية. وقبل الهجوم وقع المفاوض الشمالي اتفاق الحريات الأربع الذي يمنح كل منسوبي جنوب السودان حقوقا أربع حق التملك والتنقل والإقامة والعمل، ورغم أن هذا الاتفاق قوبل بهجوم شرس وضار من منبر السلام العادل وأئمة المساجد وأكثر المحللين والسياسيين المؤيدين للحكومة فإن مجلس الوزراء أجاز الاتفاق، وجاء وفد الجنوب بقيادة زعيم تيار الصقور باقان أموم إلى الخرطوم، فهل كانت زيارته خدعة خبيثة، وهو يحمل دعوة رسمية للسيد الرئيس عمر البشير؟ باقان أموم معروف بعدائه السافر للشمال وبالذات للعرب والمسلمين، فهو الذي مد الكونجرس. الأمريكي في يوليو عام ٢٠٠٩م، وهو عضو في حكومة السودان في الفترة الانتقالية ما نصه: إن السودان دولة عنصرية فاشية تمارس الاضطهاد الديني والعنصري، وتمارس التطهير العرقي ضد غير المسلمين. إذا كان هذا هو «باقان» الذي تربى شيوعيًا في كوبا ليمارس الفوضى وإشعال نار الحروب، فلماذا قبل «باقان» بالحريات الأربع، ووقع على الاتفاق، مع أن السودان في رايه دولة عنصرية تمارس الاضطهاد الديني؟ ولماذا جاء إلى الخرطوم وكأنه حمامة سلام؟!

هل لأن الحرب عنده خدعة؟! 

يفسر البعض قدوم باقان أموم إلى الخرطوم لدعوة الرئيس بأنه خدعة ماكرة الثيمة وتكتيك لتسليم الرئيس السوداني عمر البشير للمحكمة الجنائية ليكون بالنسبة له أكبر إنجاز وأعظم وسيلة لإحداث الفوضى الشاملة في السودان الشمالي بغياب الرمز الدستوري الموحد لكل السودانيين، فغياب رمز الدولة سيحدث بلا شك أخطر حالة يتصورها المحللون، وهي حالة اضطراب عسكري وسياسي وفراغ دستوري. 

ولذلك يرى أصحاب هذا الرأي أن الهجوم على هجليج لم يكن من أفكار ولا أهداف باقان أموم، الذي همه استدراج الرئيس إلى الجنوب لتقوم جماعات مسلحة باختطافه وتسليمه للجنائية، كما طالبت بذلك جماعات المنظمات المدنية وبعض المتهورين، ولذلك ربما فوجئ باقان يوم عودته إلى الجنوب بهجوم الجيش الشعبي على هجليج مما أفشل زيارة الرئيس المرتقبة لجوبا، وخلق جوا منالعداء وحالة حرب بين الدولتين.

 وأصحاب هذا الرأي يرون أن سلفاكير الذي لا يؤمن بالسودان الجديد الأفريقي العربي الإسلامي أراد أن يفشل خططه وتكتيك عدوه اللدود باقان إذ إن الود بين أولاد قرنق بقيادة باقان أموم وسلفاكير معدوم لذلك بادر سلفاكير بالهجوم على هجليج دون علم الأمين العام للحركة الشعبية باقان أموم حتى لا يأتي الرئيس عمر البشير إلى الجنوب وتقع الحرب لا محالة بين الشمال والجنوب إذا تعرض البشير، لأيمكروه أو سوء. 

تكتيك جنوبي 

فريق آخر يرى أن تكتيك باقان مستبعد. فحكومة الجنوب لا تجرؤ على الإقدام على عمل خطير غير محسوب العواقب مثل اعتقال رئيس دولة جارة، فإن فعلت فإنهاستخسر أكثر مما تكسب. 

الانتخابات الأمريكية: المراقبون السياسيون يرون أن سياسة استهداف السودان ستمضي قدما في عام الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستجرى في أول نوفمبر من العام الحالي، وكل مرشح سيجعل هذه القضية ضمن برنامجه الانتخابي للتزلف والتقرب من الناخب اليهودي والناخب الأسود الأمريكي.. لقد خسر الجنوب الكثير بانقياد قادته دون وعي سياسي، ودون حنكة وهم ينفذون تعليمات أمريكا وإسرائيل للاعتداء على السودان خسر الجنوب جبهة القتال التي أشعلها قادتهم وهم يعلمون أنهم لن ينتصروا على جيش الشمال، لا سيما بعد القرار الرئاسي من عمر البشير بتكوين لجنة عليا للتعبئة والاستنفار برئاسة النائب الأول للرئيس، أوكلت إليها مهمة وضع ترتيبات النفرة الردع الكبرى، وتهيئة المعسكرات الإعداد المجاهدين، وحكومة الجنوب أخشى ما تخشاه جحافل قوات الدفاع الشعبي وهم الشباب الذين يسمون أنفسهم به الدبابين أو «الاستشهاديين». 

فهو يعني أن حكومة الشمال ستلقي بكامل ثقلها لمواجهة دولة الجنوب، وأيضا المتمردين والمدعومين من قبلها، وستهزمها شر هزيمة كما كان يحدث قبل اتفاقية نيفاشا، فقد كان الجيش السوداني والمجاهدون منتصرين على جيش حركة التمرد في كل المواقع، لولا أن تداركته «نيفاشا»، والانتصار الأخير للجيش السوداني في هجليج خير دليل وبرهان علىمقدرة الشمال لإلحاق الهزائم العسكرية في  أي نزال، وبهذا الاعتداء الأخير الغادر تكون اتفاقية نيفاشا في خبر من غبر.

الرابط المختصر :