; هجمة علمانية جديدة على الحريات في تركيا | مجلة المجتمع

العنوان هجمة علمانية جديدة على الحريات في تركيا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 22-مارس-2008

مشاهدات 58

نشر في العدد 1794

نشر في الصفحة 5

السبت 22-مارس-2008

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾

أثار الطلب الذي تقدم به مدعي عام محكمة التمييز إلى المحكمة الدستورية التركية لحظر حزب العدالة والتنمية الحاكم أزمة جديدة وخطيرة يمكن أن تقلب الأمور رأسًا على عقب، وتحدث اضطرابًا واسعًا في الحياة السياسية بالبلاد.

ويمثل ذلك الحدث واحدة من حلقات الحرب الضروس التي تشنها المؤسسة العلمانية المتطرفة منذ قيام الجمهورية التركية ضد كل ما يشتم فيه رائحة الإسلام، والتهمة الجاهزة والحاضرة دائمًا هي «القيام بنشاطات تتعارض مع العلمانية».. فالمؤسسة العلمانية لم تتوقف عن محاربتها لهذا الحزب منذ وصوله إلى السلطة عام ٢٠٠٢م، مدعومًا بتأييد شعبي جارف جسدته نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، وانتخابات الرئاسة، حيث حصد في الانتخابات البرلمانية ١٦,٥ مليون صوت تمثل ٤٧% من أصوات الناخبين، ورغم ذلك فإن تجرؤ نواب هذا الحزب بالبرلمان على تقديم مشاريع قوانين تجرم الزنى، وتحظر الخمور في الأماكن العامة، وتقرر حق طالبات الجامعة في ارتداء الحجاب يمثل في نظر المؤسسة العلمانية المتطرفة عدوانًا على العلمانية.. ذلك الصنم المقدس الذي يحظر المساس به، ومن يجرؤ على ذلك يعزل سياسيًا ويتم طرده من الحكم، حتى وإن كان مجيئه باختيار شعبي جارف وحقق أكبر الإنجازات.

فقد تمكن حزب العدالة منذ وصوله إلى سدة الحكم عام ٢٠٠٢م من إحداث نهضة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة بالبلاد قضى خلالها على معظم صور الفساد، وأطاح فيها برؤوس كبيرة ومافيا خطيرة هي التي تقف وراء هذه التحركات وحقق مشاريع عملاقة خففت كثيرًا على الطبقات الفقيرة، وأوجدت حالة من الاطمئنان والاستقرار في الحياة المعيشية للمواطن التركي.. فوفق الإحصاءات والبيانات الرسمية تمكن حزب العدالة والتنمية من خفض نسبة التضخم من ٦٥- ٧٠% إلى 9% وخفض نسبة الفائدة التي تجاوزت ١٠٥% إلى ١٩% وزيادة قيمة الليرة التركية أمام العملات الأجنبية، وحذف ستة أصفار منها، وانخفضت الديون التركية من ٢٣ مليار دولار إلى 9 مليارات، وزادت الصادرات التركية من ٣٦ مليار دولار إلى ٩٥ مليارًا، وارتفع متوسط دخل الفرد السنوي بنسبة ١٠٠% من ٢٥٠٠ دولار إلى ٥٥٠٠ دولار، وتم بناء ٢٨٠ ألف شقة للعوائل الفقيرة بأقساط مريحة جدًا، وتخطط الحكومة لرفع هذا العدد إلى ٥٠٠ ألف شقة، كما يتم توزيع ١٫٥ مليون طن من الفحم مجانًا كل عام على المناطق الفقيرة في الشتاء، وقامت بتعبيد ٦٥٠٠ كم من الطرق، وهو رقم أكبر مما تم تنفيذه منذ بدء النظام الجمهوري «٤٥٠٠ كم». هذا بخلاف الخطط الطموحة والإستراتيجية لإحداث نهضة شاملة متوازية مع إحداث نقلة نوعية في علاقات تركيا مع جيرانها ومع العالم الإسلامي والعالم أجمع، مما أهلها لاستعادة دورها المحوري كدولة كبيرة ذات تاريخ عريق في عالم اليوم.

ومن هنا، فإن المتوقف أمام هذه المسيرة الناصعة لحكومة العدالة - ومن قبلها حكومة حزب الرفاه بقيادة البروفيسور «نجم الدين أربكان»- يدرك أن مساعي المؤسسة العلمانية العسكرية المتطرفة لضرب هذه الحكومات وعزلها أو الانقلاب العسكري عليها تمثل- أول ما تمثل- ضربة في صميم قلب الشعب التركي الذي اختارها، ووفق قول رئيس الحكومة التركية ورئيس الحزب رجب طيب أردوغان- تعليقًا على هذه التحركات الخطيرة- إنها «لا تستهدف حزب العدالة والتنمية بل الإرادة الوطنية».

إن هذه التحركات الجديدة لحظر حزب العدالة والتنمية يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن تركيا بمؤسساتها العلمانية تلك صارت مقبرة للأحزاب ومقبرة للحريات الحقيقية، فقد حظرت تلك المؤسسة العلمانية اثنين وخمسين حزبًا منذ قيام الجمهورية التركية، منها ثلاثة أحزاب إسلامية، وأعدمت رئيس الوزراء عدنان مندريس عام ١٩٦٠م مع اثنين من وزرائه، وقيامها بثلاثة انقلابات عسكرية ضد حكومات إصلاحية اشتمت منها رائحة الإسلام.

إن تلك المؤسسة العلمانية العسكرية باتت لا هم ولا شغل لها إلا الترصد للإسلام والتنقيب عنه في كل مكان لدرجة وصلت إلى التنقيب عنه في الصدور والعقول، ولا يهمها إن كان الإسلام والإسلاميون هم الذين ينقذون البلاد من براثن التبعية والفساد والتخلف والكبت، وإنجازات حكومة أربكان ثم حكومة أردوغان خير شاهد.

لكن إن نجحت تلك المؤسسة في حل أحزاب وعزل حكومات من قبل فإن الأوضاع اليوم تغيرت، وصار هناك رأي عام قوي يقف ضد رغباتها، كما أن مؤسسة الجيش لم تعد متحمسة للاندفاع وراءها فيما تريد.. فهل تعيد تلك المؤسسة بكل أطيافها حساباتها وتحترم قرار ورغبات وأصوات الشعب التركي في اختيار من يحكمه؟

الرابط المختصر :