; هجرة الدببة هل تقلب معادلات المنطقة؟ | مجلة المجتمع

العنوان هجرة الدببة هل تقلب معادلات المنطقة؟

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1990

مشاهدات 83

نشر في العدد 953

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 06-فبراير-1990

  • مطلوب تحرك سريع وعلى مستوى الحدث لمواجهة الهجرة بكل الطرق الدبلوماسية والعسكرية.

    موضوع هجرة اليهود إلى فلسطين المحتلة.. حدث خطير، بدأ يلقي بانعكاساته الثقيلة على كل المعادلات في المنطقة.. كل يوم يصل المئات والآلاف من اليهود إلى مطار بن غوريون في رحلات جوية من أوروبا الشرقية، عبر طائرات رومانية وهنغارية وبولندية.. ونتيجة للأعداد الهائلة من المهاجرين.. فقد طلبت حكومة العدو من خطوط الطيران الناقلة للمهاجرين نقلهم كما بدأت بعض شركات الطيران بترتيب رحلات إضافية إلى فلسطين المحتلة إضافة للرحلات المنتظمة.

     

    مرحلة تاريخية

    وتختلف التوقعات حول هجرة اليهود السوفيات في الأعوام المقبلة حيث تشير التقديرات إلى أن عدد من سيهاجر خلال الـ 3 سنوات المقبلة ما بين 200 و300 ألف يهودي سوفياتي بمعدل سنوي ما بين 40 ألفًا إلى 100 ألف يهودي سوفياتي.. إلا أن شامير أعلن في تصريح له أنه يتوقع أن يغادر الاتحاد السوفياتي خلال الـ 5 أعوام المقبلة حوالي مليون يهودي وأن معظمهم سيصل رأسًا إلى إسرائيل.. ومن ثم فهو يعتبر أن إسرائيل على أعتاب مرحلة تاريخية للهجرة من الاتحاد السوفياتي وإثيوبيا وأن هذه الهجرة ستغير كل شيء في إسرائيل.. وتقدر تكاليف استيعاب هذا العدد من اليهود بحوالي 3 مليارات دولار وقد طالبت حكومة العدو الولايات المتحدة أن توفر منها 400 مليون دولار على وجه السرعة لإيواء 100 ألف يهودي سوفياتي يتوقع وصولهم هذا العام.

    هذا الحدث متصل بما قبله وبما بعده.. فهو يجيء كجزء من المخطط اليهودي الهادف إلى إحكام سيطرتهم على فلسطين لتكون المرتكز الذي يهددون فيه بقية دول المنطقة، والمنطلق لتوسعهم في كل الاتجاهات لتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى".

    الهجرة اليهودية كانت ولا زالت عصب الحياة بالنسبة للكيان الصهيوني الذي قام أساسًا على موجات المهاجرين التي رتبت لها الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية بالترغيب والترهيب.. ويمكن القول إن عدد اليهود من أهل فلسطين لم يكن يتجاوز بحال 50 ألف شخص.. قفز هذا العدد بسبب الهجرة إلى 3.6 ملايين.

     

    صراع الأعداد

    وتحاول حكومة العدو التركيز على موضوع الهجرة وإعطائه الاهتمام الخاص لمواجهة ما يسمى بالمشكلة السكانية.. التي تهدد الادعاء بأن "إسرائيل" دولة يهودية نقية.. حيث تتزايد أعداد الفلسطينيين بشكل أكبر بكثير من تزايد أعداد اليهود.. الأمر الذي يجعل مستقبل المعادلة السكانية في غير صالح حكومة العدو.

    فالبيانات تشير إلى زيادة نسبة المواليد العرب في أراضي الـ 48 وكذا في الضفة الغربية والقطاع عن المواليد اليهود.. حيث بلغ متوسط المواليد يوميًّا 450 مولودًا منهم 240 فلسطينيًّا مقابل 210 يهود.

    وحاليًا تصل النسبة بين الفلسطينيين واليهود إلى 62% يهوديًّا إلى 38% عربًا.. وبنهاية العقد الأخير من القرن الـ 20 يتوقع أن تحتل هذه النسبة لصالح العرب لتصل إلى 43% عربًا... حيث تقرر إدارة الإحصاء في حكومة العدو أن التعداد بنهاية عقد التسعينيات سيكون: 4.2 مليون يهودي، 3.2 مليون عربي "يشمل فلسطينيي أراضي الـ 48 والضفة والقطاع".

    وهذا الأمر إضافة إلى أنه ينفي عن "إسرائيل" ما تدعيه بأنها دولة يهودية فإنه يرتب حقوقًا سياسية واقتصادية واجتماعية لسكانها العرب.. وهذا ما يخيف حكومة العدو بشكل واضح.

    ولهذا فهي تعتبر أن الحل المناسب للهروب من هذا المأزق قبل حدوثه هو في موجات الهجرة ليهود الشتات.. والعمل على ربط اليهود وإقناعهم بالبقاء في "إسرائيل" وعدم الهجرة المعاكسة منها.. والعمل على ترحيل الفلسطينيين خارج فلسطين وتطبيق ما يسمى "بالترانسفير".

     

    الهجرة والتسوية

    موجات الهجرة الحالية تأتي في وقت يُعوّل فيه الطرف الفلسطيني الرسمي على تسوية القضية سلميًّا ومحاولة التفاوض والتفاهم مع حكومة العدو للحصول على الضفة والقطاع وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

    ولعل ذلك يؤكد ما قلناه باستمرار أن العدو اليهودي لن يقبل الانسحاب عن أي جزء من الضفة والقطاع نتيجة ما يسمى بهجوم السلام أو غيره.. وأنه بطرحه للمبادرات وحديثه حولها فإنما يماطل من أجل كسب الوقت وابتزاز المزيد من التنازلات دون أن يعطي شيئًا.

    ومن الواضح أن الطرف الفلسطيني غيّر كل تكتيكاته واستراتيجياته وأطروحاته واعترف بدولة العدو وتنازل عن 77% من الأرض الفلسطينية.. لكن وفي المقابل نجد ثباتًا في الموقف الصهيوني واستمرارًا في تنفيذ الخطة اليهودية لتهويدها وإجلاء سكانها.. الثابت الوحيد في المنطقة هو الهدف اليهودي والاستراتيجية الصهيونية.. والمتغير الدائم في المنطقة هو الأهداف الفلسطينية والتكتيكات والاستراتيجيات الفلسطينية والعربية.. وهنا الخطورة.. نحن نظن أننا نناور ونتعامل بالسياسة والواقعية.. لكننا يجب أن نتحسس مواقع أقدامنا لنرى أين بدأنا وأين انتهينا.

    في الأيام الماضية تحدى رئيس وزراء العدو إسحق شامير الرأي العام العالمي عندما أبلغ مؤيديه في الليكود بأن على "إسرائيل" الاحتفاظ بسيطرتها على الأراضي المحتلة؛ لأنها تحتاج إلى المساحة من أجل إسكان كل هؤلاء الناس من المهاجرين الجدد.

    وهؤلاء المهاجرون من السوفيات سوف يدعمون موقف شامير وحزب الليكود، وحول هذه النقطة، يعلق ناتان شارانسكي، المنشق السوفياتي الذي يعيش في "إسرائيل" حاليًا قائلًا: يتميز المهاجرون الجدد بأفكارهم السياسية اليمينية، وهم لا يؤمنون بإقامة السلام مع بلدان معينة مثل سوريا والعراق ومع منظمة التحرير.

     

    المهاجرون: علماء وجنود

    ومن الأمور الجديرة بالانتباه، نوعية المهاجرين الجدد.. فهم يأتون من بلدان متطورة اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا.. ومعظم المهاجرين السوفيات من الأطباء والمهندسين وتفيد المعلومات بأن من بين هؤلاء المهاجرين حوالي 1000 عالم من مختلف التخصصات.

    ويخطط الجيش "الإسرائيلي" لاستيعاب طوفان من المجندين الجدد القادمين من الاتحاد السوفياتي، وحول هذا أشارت وكالة رويترز في تقرير لها من تل أبيب بعنوان "الروس قادمون بالزي العسكري الإسرائيلي" وذكرت: أن آلاف المهاجرين الروس سيجوبون عما قريب بعض المناطق المتفجرة في الشرق الأوسط وهم بالزي العسكري الإسرائيلي في إطار عملية كبيرة يخطط لها الجيش الإسرائيلي...

    وقالت: إنهم سيواجهون الفلسطينيين وجهًا لوجه للمرة الأولى عندما ينضمون إلى قوات الجيش التي تقوم بدوريات في المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية بالأرض المحتلة.

     

    ملة الكفر واحدة

    هذه الهجرة تأتي من الاتحاد السوفياتي الصديق (!!) بلد الرفاق "الأعزاء"!! الذي تعتبره معظم المنظمات والفصائل الفلسطينية المدافع الأساسي والمهم عن حقوق الشعب الفلسطيني.. ومساندًا لحركات التحرر والتحرير.

    وكنا باستمرار نعتقد أن ملة الكفر واحدة.. سواء كانوا يهودًا أو صليبيين أو شيوعيين ملحدين...

    فهذا الصديق السوفياتي.. الذي يعتبر مزارًا دائمًا للكثيرين.. أول من اعترف بدولة العدو... ويعتبر الدولة الرئيسية التي مدت العدو بموجات الهجرة الكبيرة التي شكلت ركائز الدولة اليهودية بسبب أعداد المهاجرين ونوعياتهم في نفس الوقت.

    ومن المحزن حقًّا أنه رغم خطورة هذه الهجرة الأخيرة.. ورغم آثارها وانعكاساتها على المنطقة وعلى خريطة الصراع.. فإن بعض القيادات ما زالت تجد له الأعذار والمبررات.. يقول صلاح خلف "بأن الاتحاد السوفياتي لم يفتح باب الهجرة من موقع العداء للشعب الفلسطيني، ولا دعمًا للموقف الإسرائيلي، وإنما تنفيذًا لما فرضته التيارات الجديدة في ظل البروسترويكا من إجراء حسب اتفاق هلسنكي بين الكرملين والبيت الأبيض ومن الطبيعي أن تستغل الصهيونية و"إسرائيل" هذه الحالة إلى أبعد حد!!!" فالعتب ليس على السوفيات.. ولكن على الحركة الصهيونية؟!

     

    التحرك المطلوب

    وفي الفترة الماضية.. رصدنا بعض ردود الفعل الفلسطينية والعربية الرسمية على خطر الهجرة اليهودية.. ويمكن القول باختصار أن كل التحركات وردود الفعل والتصريحات والتحذيرات من مختلف الأطراف والأنظمة لن تغير من واقع الحال شيئًا إذا جمدت عند هذا الحد.. ثم ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ﴾ (الأحزاب:25) وسيستمر اليهود في مخططهم ليصبح أمرًا واقعًا.

    الموضوع خطير.. وهو لا يهدد فلسطين وشعبها فقط ولا يهدد نظامًا عربيًّا بعينه وإنما يهدد المنطقة كلها.

    وما يُعوّل عليه العرب من تحقيق سلام مع اليهود من أجل إغلاق ملف القضية.. سيتأكد لهم أنه وهم وأضغاث أحلام .. وأن الخطر أصبح منهم قاب قوسين أو أدنى..

    القضية تحتاج إلى خطة سريعة جدًّا وعلى مستوى الحدث ويجب أن تبادر لها الأنظمة العربية والفصائل الفلسطينية والحركات الإسلامية.. وفي هذا السياق يجب أن يُفتح باب المعالجة واسعًا أمام كل الطرق والوسائل ابتداءً من الطرق الدبلوماسية -التي يرتاح إليها البعض ويفضلونها- إلى وسائل الضغط إلى استخدام القوة والسلاح واستهداف هؤلاء المستوطنين في أماكن تجمعاتهم في أوروبا وأماكن وصولهم واستقرارهم في فلسطين.. حتى لا يشعروا بالأمن لحظة واحدة.. وحتى نضطرهم إلى الهجرة المعاكسة من فلسطين وليس الهجرة إلى فلسطين!!

     

     

     

     

     

     

     

     

الرابط المختصر :