العنوان هجائية الحب (22) حرف الكاف كاتمهم الأسرار
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 29-أكتوبر-2011
مشاهدات 58
نشر في العدد 1975
نشر في الصفحة 60
السبت 29-أكتوبر-2011
في حياة رسولنا الكريم ﷺ حادث أسري كان وقعه عميقا في نفوس المسلمين يهيب بنا أن نؤدي أدوارنا التربوية وأن نقوم بواجباتنا الأسرية، وخاصة في مجال تدريب أهلنا وأولادنا على حفظ الأسرار، وتعميق هذه القيمة في نفوس أفراد الأسرة.
وقد سجل القرآن الكريم هذا الحدث، كما سجله علماء السيرة والتاريخ الإسلامي.. وإن نعجب فعجب أن نؤمر بحفظ خصوصيات بيوتنا وأسرارها، في حين نجد بيت الرسول الكريم ﷺ وخصوصياته مسجلة، وتعلن في كتاب الله العظيم وسيرة نبيه الكريم، ليكون بيته كتابا مفتوحا لأمته وللبشرية كلها، تقرأ فيها وتشاهد تصرفات زوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أجمعين، تثبت حتى السلوك البشري الذي تبرزه بشرية هؤلاء - وهن أفضل نساء العالمين - حتى مواضع الضعف البشري الذي لا حيلة فيه لبشر.. هكذا يسجل القرآن الكريم هذا الحدث الجلل في سورة عظيمة من سور القرآن العظيم ألا وهي سورة التحريم. يقول صاحب الظلال الشهيد سيد قطب يرحمه الله: هذه السورة تعرض في صدرها صفحة من الحياة البيتية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصورة من الانفعالات والاستجابات الإنسانية بين بعض نسائه وبعض، وبينهن وبينه وانعكاس هذه الانفعالات والاستجابات في حياته ﷺ، وفي حياة الجماعة المسلمة كذلك، ثم في التوجيهات العامة للأمة على ضوء ما وقع في بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أزواجه.
ولندع القرآن الكريم يقص علينا هذه الواقعة، إذ يقول سبحانه وتعالى : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِير إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِير عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (التحريم: 1-5).
سبب النزول
وردت في سبب نزول هذه الآيات السابقات روايات متعددة، منها ما رواه الإمام البخاري من قول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ويمكث عندها فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا خل عليها، فلتقل له: أكلت مغافير إني أجد منك ريح مغافير (صمغ حلو الطعم كريه الرائحة). قال: «لا، ولكن كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحداً». فهذا ما حرمه على نفسه وهو حلال له، لذا قال له ربه سبحانه: لِمَ تَحرَمُ مَا أَحَلَ اللهُ لَكَ، قال بعض أهل العلم: حرمه على نفسه تحريم منع لا تحريم تشريع. ويبدو أن التي حدثها رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث وأمرها بستره وحفظ السر قالت لزميلتها المتآمرة معها، فأطلع الله رسوله ﷺ على الأمر، فعاد عليها وذكر لها بعض ما دار بينها وبين زميلتها ولم يذكر البعض الآخر، فقالت: من أنبأك هذا؟ ولعله دار في خلدها أن رفيقتها هي التي نبأته، ولكنه ﷺ أجابها: نبأني العليم الخبير.
وقد آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه لا يقربهن شهرا، وهم بتطليقهن - على ما تسامع المسلمون - ثم نزلت هذه الآيات، وقد هدأ غضب رسول الله ﷺ وعاد إلى نسائه.
وثمة رواية أخرى أخرجها النسائي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها، فأنزل الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيِّ لَمَ تَحرَمُ مَا أَحَل الله لك تَبْتَغِي مَرْضَاتُ أَزْوَاجِكَ﴾ (التحريم: 1).
وفي رواية لابن جرير ولابن إسحاق أن النبي ﷺ وطئ مارية أم ولده إبراهيم في بيت حفصة فغضبت وعدتها إهانة لها، فوعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم مارية وحلف بهذا، وكلفها كتمان الأمر فأخبرت به عائشة.
وأيا كان سبب النزول، فإن القرآن الكريم عاتب النبي ﷺ عتابا مؤثرا يوحي بأن ما جعله الله حلالا، فلا يجوز حرمان النفس منه إرضاء لأحد، كما وضع رب العزة سبحانه لنبيه ﷺ حلا لليمين الذي حلفه. كما أكد القرآن الكريم أن النبي صلى الله عليه وسلم أسر إلى بعض أزواجه بخبر، وطلب كتمان السر، فتحدثت إحدى زوجاته لأخرى ببعض ما ذكره ﷺ، وأن إفشاء السر كان سببا في اضطراب بيت الرسول ﷺ، وسبب ذلك ألما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم جاءت دعوة الله عز وجل لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿ إن تتوبا إلى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلَ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالملائكة بعد ذلك ظهير﴾ (التحريم: 4).
إننا ندرك حجم الحديث وأثره في نفس النبي ﷺ من خلال إدراكنا أن الأمر احتاج إلى إعلان موالاة الله وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير، فإن الله عز وجل أعلن ذلك تطييباً لنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشعارا له بالراحة والطمأنينة، بعد إفشاء سره، ولعل ذلك يفسر كتمان أنس بن مالك - وهو خادم رسول الله ﷺ– سر سيده النبي ﷺ عندما سألته أمه فأجابها ما كان لي أن أفشي سر رسول الله ﷺ، فأقرته على ذلك وشجعته، ثم إنه حفظ سره كذلك بعد أن غادر أمه والتقى بصحابي آخر، فسأله الصحابي عنه السؤال ذاته، فقال له سيدنا أنس ما قاله لأمه، فأمره على حفظ سر النبي ﷺ، وشجعه أيضا.
تسبب عفوية الأطفال - غالباً - مشكلات لآبائهم وأمهاتهم، أو لأي من أفراد الأسرة، فكثيراً ما يفشي الأولاد مشاعر أفراد الأسرة أو أحدها تجاه الزوار، وربما يذكرون تفاصيل حوادث وأسرار تجري في البيت، دون أن يدروا أن هذا من خصوصيات البيت ولا يصح أن يطلع عليه الآخرون، وربما يذيعون - تطوعا - خلافات أبيهم مع أمهم، مما قد يؤدي في نهاية الأمر إلى انهيار العلاقة الزوجية ومن ثم الأسرية، أو على الأقل يرشحها للانهيار.
ويرى التربويون وعلماء النفس أن هناك أسبابا تؤدي بالطفل إلى إفشاء أسرار البيت من غير قصد، ومن أبرز هذه الأسباب:
۱ - شعور الطفل بالنقص، مما يدفعه إلى تعويض هذا النقص.
٢ - لفت الانتباه، والرغبة في أن يحظى بإعجاب الآخرين.
٣- الرغبة في الحصول على العطف والرعاية.
4- انتقال العدوى من الوالدين أو أحدهما أو من أي فرد يحيط بعالم الطفل، فقد يسمع الطفل أحد المحيطين به يفشي أسرار غيره فيقلده.
5- رغبة الطفل في الانتقام، وخاصة إن كان يشعر بالظلم والاضطهاد في الأسرة، ويدرك أن إفشاء أسرار الأسرة يضايق الوالدين.
٦- الإسراف في عقاب الطفل واستخدام العنف واللوم المستمر والنقد اللاذع أمام الآخرين وإصدار أوامر صارمة له كي ينفذها دون إقناع ولا مناقشة.
7- إحساسه بأنه فرد لا قيمة له، وفقدانه لذاته.
8-تقصير الوالدين في الأداء التربوي، مما يحرم الطفل من القيم والمهارات اللازمة لحفظ الأسرار وكتمانها.
وعادة ما يتخلص الأطفال من عادة إفشاء الأسرار، عندما يتجاوزون مرحلة الخيال الحر التي وضع لها علماء النفس سقفا عمريا عندما يبلغ عمر الطفل ٩ سنوات، وحتى الأطفال فيما قبل سن التاسعة علينا تدريبهم على المحافظة على الأسرار وكتمانها، وعدم إفشائها، إذا ما قمنا - نحن الآباء والأمهات - بأدوارنا التربوية، فثمة أطفال يكتمون الأسرار حتى إن سألهم الزوار عن أشياء منها خصوصيات البيت، وهذه أدلة تؤكد ذكاء الأطفال وقدراتهم على حفظ الأسرار. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن كيف نجعل أولادنا يحفظون الأسرار؟
وسائل علاجية لإفشاء الأسرار العائلية:
١- تدريب الطفل على التمييز بين ما يصح أن يقال، ومالا يصح أن يذاع.
-۲ تعليم الأحاديث البديلة التي يمكن أن يتحدث بها مع زوار الأسرية ومن يخالطونه، أن يبين الوالدان لأطفالهما بهدوء
3-الخصوصيات الأسرة، ويحافظ عليها.
٤- أن يحدد الوالدان الأسباب التي دفعت الطفل إلى إفشاء الأسرار.
أ- فإذا كان يفعل ذلك لشعوره بالنقص فيجب أن نقوي ثقته بنفسه.
ب وإذا كان يفشي الأسرار للفت الانتباه والرغبة في أن يعجب به الآخرون، فلنعلمه الأحاديث والسلوكيات البديلة التي يجذب بها انتباه الآخرين ولنبادر نحن - في حضور زوار الأسرة - إلى دعوته لتلاوة ما حفظ من القرآن الكريم مثلا إن كان يجيد تلاوته أو إنشاد أحد الأناشيد التي يجيدها إن كان حسن الصوت والأداء، أو حكاية قصة قرأها أو استمع إليها.. وهكذا.
ج- وإذا كان يفشي الأسرار للحصول على الثناء من الآخرين، فعلى الوالدين أن يشبعا هذه الرغبة لدى الطفل، باستخدام الثناء المعتدل دون تقتير ولا إسراف.
د- وإذا أفشى الطفل الأسرار رغبة منه في الحصول على العطف والرعاية فعلى الوالدين أن يدركا أن الحاجة إلى العطف والرعاية إنما هي من الحاجات الملازمة لسيكولوجية الطفل والمراهق، ومن ثم فعليهما أن يشبعا هذه الحاجة.
5- حرص الوالدين على أن يكونا قدوة في حفظ الأسرار وكتمانها، كي يقتدي الأولاد بسلوكهما، وتفاديا لانتقال عدوى إفشاء الأسرار من الوالدين للأولاد.
٦- تجنب الوالدين العنف مع الأولاد، وإشاعة جو الحب والعدل في البيت، فإن صدع أحد الأولاد بأنه مظلوم أو يضطهد فعلى الوالدين المبادرة والمسارعة باحتضانه ومناقشته والتحاور معه في جو يملؤه الحب والحنان لإقناعه بهدوء ومنطق بأنه محبوب، وأنه وإخوته سواسية في هذا الحب، وأنه لا يوجد والدان يكرهان ولدا من أولادهما.
7- تجنب الوالدين للوم المستمر، والنقد اللاذع أمام الآخرين.
8- عدم إصدار أوامر صارمة من قبل الوالدين للأولاد، دون مناقشة ولا إقناع وليحرص الوالدان على إقناع أولادهما بالسلوك المراد، لأن إقناع الولد يجعله يتبنى السلوك ويتحمس له ويسلكه راجيا الأجر من الله تعالى، وفي ذلك تربية للإخلاص في نفس أولادنا.
9- حرص الوالدين دائما على تقدير ذات الطفل، وإشعاره بأهميته في الأسرة، وبأنه عضو له قيمته واحترامه وأنهما يثقان به، ومن ثم فهما يطلعانه على خصوصيات الأسرة وأسرارها لذا يجب عليه أن يحافظ عليها.
۱۰- استخدام القصة - وغيرها من وسائل تنمية القيم - في غرس مفهوم حفظ الأسرار»، وأهميته في الأسرة والمجتمع، وغرس القيم المرتبطة بحفظ الأسرار، كالأمانة وحب الآخرين، والمحافظة عليهم، وعدم إفشاء الأسرار.
۱۱- استخدام النصائح السديدة والحكم الرشيدة، مثل:
- بني، لكي تكون ملكاً مهاباً بين الناس.. إياك أن تتكلم في الأشياء إلا بعد أن تتأكد من صحة المصدر، وأن ما تذيعه ليس أسراراً تفشى وتضر بأصحابها، وإذا جاءك أحد بنبأ فتبين قبل أن تتهور وتندم ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين ﴾(الحجرات: 6).
- حينما يثق بك أحد؛ فإياك ثم إياك أن تغدر.
- لا تفضح عيوب الناس فيفضحك الله في دارك.. فربك هو الستير يحب من يستر.
- لا تكن أحادي الرأي.. فمن الجميل أن تؤثر وتتأثر.
• تستطيع يابني أن تغير قناعات الناس وأن تستحوذ على قلوب الناس، وهم لا يشعرون.. ليس بإفشاء أسرارهم، ولكن بابتسامتك وتميزك وعذوبة لفظك.. تستطيع بذلك كله أن تسحر.. ابتسم فسبحان من جعل الابتسامة في ديننا عبادة وعليها نثاب ونؤجر.. إن لم تجد من يبتسم لك فابتسم له أنت.. فإن كان ثغرك بالابتسامة ينطق.. فأبشر سوف تتفتح لك القلوب لتعبر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل