; هؤلاء الذين يحرفون الكلم عن مواضعه | مجلة المجتمع

العنوان هؤلاء الذين يحرفون الكلم عن مواضعه

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 05-فبراير-1980

مشاهدات 101

نشر في العدد 468

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 05-فبراير-1980

  • هؤلاء الذين يحرفون الكلم عن مواضعه اليوم من علماء الدين كثيرون، لا يحصون عددًا، ويهون الخطب حين يكون هؤلاء المحرفون الكلم عن مواضعة ممن لا هم في العير، ولا في النفير، الذين لا يمثلون في المجتمع سوى مجموعة من الأصفار على الشمال، ولكن يفدح الخطب حين يكون هؤلاء المحرفون الكلم عن مواضعه من عليه العلماء مركزًا ومنصبًا، وإن كانوا في الحقيقة من عوام العلماء معرفة وعلمًا؛ لأن هؤلاء ينخدع بهم البسطاء من المسلمين، بل كثير من المثقفين الذين ليسوا على أدنى علم بحقيقة هؤلاء العلماء.

     أذكر أنني سمعت بأذنيَّ شيخ الأزهر الراحل الدكتور عبد الحليم محمود في إذاعة القرآن الكريم بالقاهرة يقول وهو يفسر بعض آيات الذكر الحكيم: «إن عبارة أهل الكتاب تنصرف إلى اليهود وحدهم»، وهذا رأي عجيب لم يقل به مفسر للقرآن حتى من الدرجة السابعة، إن هذه العبارة في القرآن إنما تنصرف -بصفة عامة- إلى اليهود والنصارى، إلا إذا وجد من سياق الآيات تخصيص باليهود أو بالنصارى مثال، قوله -تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: ٧٧)، «فهذه الآية عامة تخص اليهود والنصارى معًا، صحيح أن ما قبلها كان عن عقيدة النصارى في تأليه المسيح، إلا الآية الأخرى بعدها: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ (المائدة: 78) ﴿ويَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ (النساء: 153) ، هي خاصة باليهود؛ لأن الذين سألوا موسى هم اليهود، ولم يكن للمسيحية وجود  والآية (۱۷۱) من سورة النساء أيضًا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ هي خاصة بالنصارى، وهذا واضح من سياق الكلام، ولا مجال في ذلك للجدل.

     وقال لي إمام مسجد: لقد سئلت عما قاله شيخ الأزهر السابق في تفسيره بإذاعة القرآن الكريم فأجبت بصراحة: هذا تحريف نص للكلم عن مواضعه، وسقت الدليل لكن أحد المستمعين في الدرس هاج وماج، واعترض قائلًا: هل أنت أعلم من شيخ الأزهر؟ وهل السيد رئيس الجمهورية يختار شيخًا للأزهر جاهلًا بتفسير القرآن الكريم؟ وهدأت من روع ذلك الأفندي المعترض، ورجوته أن يستمع إليّ بعد أن أيدني جمهور المستمعين، لكنه انسحب، ومرت الزوبعة بسلام..».

      أسوق هذه القصة للدلالة على مدى الخطورة في اجتراء عليه العلماء من ذوي المناصب المرموقة على الإسلام، وما أكثر ما حدث لنا في محاضراتنا من اعتراضات تحوي نفس المنطق، فإذا قلنا إن زيارة الأضرحة للتوسل، أو إن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة المذكورة في الحديث الصحيح، أو بل إن وجود الأضرحة في المساجد، وإن الاحتفالات بالموالد لأصحاب الأضرحة- كل هذا ابتداع في الإسلام وغير مشروع، قال المعترضون إن شيخ الأزهر يزور الأضرحة، ويتوسل بأصحابها، ويشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، ويفتتح بنفسه موالد الأولياء، وهذه هي الطاقة الكبرى، ولا نستطيع أن نقنع المعترضين بأننا لا نأخذ ديننا عن شيوخ الأزهر، ولا مشايخ الطرق الصوفية، وإنما نأخذ ديننا عن كتاب الله، وسنة نبيه الصحيحة.

     وأذكر أيضًا كتابًا لأستاذنا الدكتور محمد البهي قد توقف في مصر؛ لأن الرقابة اشترطت لكي يرى الكتاب النور أن يصرف المؤلف ما ورد في الكتاب من آيات قرآنية عن أهل الكتاب إلى اليهود وحدهم دون النصارى، وكان أن رفض المؤلف الدكتور البهي هذه المهزلة بإصرار، وأظن أن الكتاب يومها رأى النور في بيروت، والحمد لله فهذه القصة المهزلة كانت قبل معاهدة الصلح، وإلا كانت الرقابة اشترطت أن لا تصرف الآيات التي ورد فيها ذكر أهل الكتاب إلى النصارى ولا إلى اليهود، وبقي أن نصرفها إلى المجوس والقرآن حمال أوجه كما يقول الإمام علي.

  • وتواصل المهزلة مسارها «ففي العشرين من صفر 8/1/1980م، أذاع التلفزيون المصري في برنامج حديث الروح حديثًا لشيخ الأزهر الدكتور بيصار، موضوعه الإسلام دين السلام، ولم يكن مصادفة أن يذاع الحديث، أو يعاد لأن التلفزيون «اللبق لا يعترف بالمصادفات، بل إنه لا يجيد شيئًا من المعرفة على الإطلاق، ولكنه يجيد فحسب حسن اختيار التوقيت المناسب، ولا سيما من خلال الأحداث السياسية؛ فقد أذيع حديث شيخ الأزهر أثناء المفاوضات التي جرت في أسوان بين السيد رئيس جمهورية مصر، والعدو الإسرائيلي مناحم بيجن، رئيس وزراء إسرائيل.

     لقد بدأ شيخ الأزهر حديثه بجملة مضرية على المستشرقين الذين يزعمون أن الإسلام قد انتشر بالسيف، واستدل شيخ الأزهر بأن الرسول كان يعرض نفسه بدعوته على القبائل ليؤكد أن الإسلام دين السلام، وأكد الشيخ أن الحروب الإسلامية كلها كانت حروبًا دفاعية، وتجاهل أن عرض الرسول -عليه السلام- نفسه بدعوته على القبائل كان في مكة حيث لم يكن المسلمين إلا قلة مستضعفة في الأرض، تخاف أن يتخطفها الناس، وواضح أن شيخ الأزهر كان يتحدث من منطلق العبارة المأثورة عن علي -رضي الله عنه-: «حق یراد به باطل»، ومن البديهات التي تلقاها طلاب المرحلة الأولى بالأزهر أن الجهاد الإسلامي كما شرع من أجل الدفاع، شرع أيضًا من أجل نشر الدعوة الإسلامية، وإن كان النوع الأول فرض عين، والآخر فرض كفاية، وإذا نحن أخذنا بمنطق شيخ الأزهر من خلال منطلق عبارة الإمام علي لاعتبرنا فتوحات المسلمين في مصر، وفي شمالي أفريقيا، وفي أعماق أسيا وأفريقيا، وفي الأندلس ليست من قبيل الجهاد الإسلامي، مع أن معظم هذه الفتوحات تمت في عهد الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم، بل ما هو أدهى من ذلك أن هذا المنطق يؤدي بنا -دون أن نحس- إلى تأييد آراء بعض المشرقين التي تزعم أن هذه الفتوحات الإسلامية كانت بهدف التوسع والحصول على الغنائم لا أكثر.

  • وأخيرًا وليس آخرًا:

     إذا كان الإسلام دين السلام -وهذا حق لا مراء فيه- فهل مثل هؤلاء اليهود اليوم جديرون بالسلام؟ أما زالوا يغتصبون أرضًا عربية إسلامية، ويخرجون ألسنتهم لأكثر من مائة مليون عربي، أو لستمائة مليون مسلم أو يزيدون؟ ثم ما رأي شيخ الأزهر في فتاوي خيرة علماء الأزهر وخيرة علماء المسلمين منذ ربع قرن، بل في قرارات مؤتمرات علماء المسلمين منذ عام ١٩٦٤والتي دعا إليها مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر؟

     هل هؤلاء العلماء كانوا على حق، أم أنهم -كما يقول زميل الشيخ الدكتور النمر وزير الأوقاف- قد أصدروا فتاواهم وهم ضيقوا الأفق ليسوا على دراية بأبعاد السياسة؟

ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل