العنوان نيجيريا بين حكم العسكر وفقدان الهوية الإسلامية
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1994
مشاهدات 66
نشر في العدد 1109
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 26-يوليو-1994
· النظام العسكري القائم يشن حملة اعتقالات تستهدف
معارضيه السياسيين بعد الانتخابات التي جاءت في غير صالحه
لن نتوقف عن الكتابة عما تشهده نيجيريا بين
الحين والآخر من أحداث وإن كانت الاضطرابات السياسية والقبلية والطائفية تكاد تكون
جزءًا لا يتجزأ من تاريخ تلك الدولة الواقعة في غرب القارة الإفريقية والتي يربو
عدد سكانها على مائة مليون نسمة.
ولن نسكت عما يحدث في نيجيريا لأنها بلد مسلم
تحاك له المؤامرات من أجل طمس هويته الإسلامية، فإلى جانب سجلها الحافل
بالانقلابات والاغتيالات السياسية والصراعات القبلية والطائفية وهيمنة الطغمة
العسكرية على مقدرات البلاد، فإن من يراقب الوضع في نيجيريا طوال الأشهر الأخيرة
الماضية يستشف ملامح أزمة إن لم نقل كارثة قد تودي بكل مظاهر الحياة فيها.
وفي غمرة تصاعد التوتر السياسي في البلاد
ومواصلة النظام العسكري القائم فيها بحملة اعتقالات تستهدف المعارضين السياسيين
بعد أن انقسمت نيجيريا إلى معسكرين لا يميل أي منهما إلى المساومة: أولهما معسكر
الحكم العسكري بزعامة الجنرال «ساني أباشا» صاحب التاريخ العريق في صنع الانقلابات
العسكرية، والآخر: معسكر المعارضة المدنية بزعامة الملياردير المسلم «مسعود
أبيولا» الذي أفادت تقارير مراقبي الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخرًا بأنه
الفائز فيها، غير أن النظام العسكري قام بإلغاء نتائجها وأمسك بزمام الحكم متحديًا
رغبة الشعب النيجيري، ولم يمنع ذلك أبيولا من المطالبة بالحكم وتنصيب نفسه الرئيس
الشرعي للبلاد قبل أن يتم اعتقاله في مدينة «لاغوس»، ونقله جوًا إلى العاصمة
الجديدة «أبوجا» في الوقت الذي كانت اهتمامات الشعب النيجيري منصبة على مباريات
منتخبه القومي المشارك في نهائيات كأس العالم المنظمة في الولايات المتحدة
الأمريكية.
ولا يختلف اثنان على أن الصراعات السياسية في
نيجيريا غالبًا ما تتدحرج حممها لتصب في قالب «الكوكتيل» العرقي - الطائفي، ولم
تخبُ قط نيران الفتن بين الطوائف الدينية وبالأخص بين المسلمين والنصارى، والكل
يتذكر تلك الاشتباكات الدامية التي وقعت قبل سنتين بين الطائفتين وراح ضحيتها مئات
الأشخاص من كلا الطرفين.
تأجيج الصراع لمصلحة النصارى
وقد دأبت أطراف خارجية على تأجيج نيران الفتن
بين المسلمين والنصارى فضلًا عن إصرار النصارى على استفزاز المسلمين بكافة الوسائل
من أجل إذكاء نيران «الحرب الحاسمة» التي ستؤدي إلى طمس الهوية الإسلامية لهذا
البلد المسلم بصورة نهائية، ويتجلى ذلك في المحاولات البائسة التي ظلت المؤسسات
النصرانية تلح على القيام بها من أجل إظهار الجزء الجنوبي والحيوي من هذا البلد
على أنه منطقة نصرانية، على الرغم من أن المسلمين يشكلون فيها نسبة 70% من مجموع
عدد السكان في الولايات الجنوبية هي «لاغوس وأوغون وأويو وأوشون وكوارا».
وتتلقى المؤسسات النصرانية في نيجيريا دعمًا
كبيرًا من نظيراتها في الغرب مما سهل لها مهمة تشييد الكنائس الفخمة التي تستخدم
في بعض الأحيان كمستودع لتخزين الأسلحة ريثما يأتي اليوم المناسب لشن هجوم على
المسلمين مثلما حدث في البوسنة والهرسك، ولإثارة مشاعر المسلمين تم بناء تلك
الكنائس الفخمة في الأماكن العامة وأمام منازل كبار العلماء المسلمين وكذلك أمام
المساجد والمؤسسات الإسلامية وذلك لاستفزاز المسلمين.
وقد غدا رفع شعار «إبادة المسلمين» [ديدن]
زعماء الجماعات النصرانية بمن فيهم «بولا إيجي» الحاكم السابق لولاية «أويو» والذي
يلوح بين الفينة والأخرى بشعار «إبادة مسلمي نيجيريا وتحويل بلادهم إلى إسرائيل
جديدة». وكذلك السفاح «زاماني ليكووت» الذي ارتكب العديد من المجازر ضد المسلمين
في شمال نيجيريا قبل أن يصبح بطلًا قوميًا لدرجة أن النصارى قد كافأوه بإطلاق اسمه
على إحدى قواعد الجيش في البلاد على الرغم من أنه يقضي عقوبة السجن المؤبد في أحد
السجون.
ولم تسلم بعض الرموز الإسلامية من سلسلة
الاغتيالات السياسية التي نفذتها الجماعات النصرانية في نيجيريا وراحت ضحيتها
شخصيات إسلامية من أمثال: الإمام أبالارا والشهداء أحمد بلو، وأبو بكر تافاوا
باليوا، والطيار [شيتو ألاو] والجنرال مرتضى محمد، والأدهى من ذلك أن منفذي تلك
الاغتيالات ما زالوا يمرحون في البلاد دون أن تمسك بهم يد العدالة.
وقد طال سكوت المسلمين في نيجيريا، فعلى الرغم
من أنهم يشكلون الأغلبية فيها فإن أهم المناصب والامتيازات ما زالت حكرًا على
أبناء النصارى مثل المنح الدراسية والقروض والعقارات والتسهيلات التجارية... إلخ،
وإذا ما استمرت الأمور على هذا المنوال فإن نيجيريا ستشهد حتمًا تكرار حرب
«بيافرا» الدامية، وقد بدأت مؤشرات المواجهة في الظهور عندما أقبل الجنرال «أباشا»
على إلغاء نتائج الانتخابات الأخيرة ثم أنزل الجيش في الشوارع وقمع الاضطرابات في
لاغوس مهددًا بأنه «لن يتساهل مع أي عمل تخريبي»، كما أن الجنرال أباشا مازال يعمل
منذ توليه السلطة على زيادة الهوة بين قبيلتي «الهوسا» و«اليوروبا» لأنهما
القبيلتان الرئيسيتان في البلاد حيث ينتمي غريمه مسعود أبيولا إلى قبيلة اليوروبا.
الصراعات القبلية تصب في صالح
النصارى
وكثيرًا ما استغل زعماء النصارى نشوب الصراعات
القبلية والطائفية في البلاد لتسوية حساباتهم مع المسلمين، لأن مثل تلك الصراعات
مألوفة في نيجيريا ذات التركيبة السكانية المعقدة التي تشكل قنبلة موقوتة قد تنفجر
مرة أخرى في أي لحظة (250 قبيلة و248 لغة)، علمًا بأن المسلمين هم الذين يدفعون
دائمًا ثمن تلك الصراعات التي يعمل على تأجيجها أطراف خارجية.
إن الجو الداخلي مهيأ للانفجار، لأن الأزمة الاقتصادية تزداد تفاقمًا إلى جانب ارتفاع معدل التضخم والديون الخارجية وزيادة الانشقاق في صفوف العسكريين، ومع التصاعد اليومي المستمر للأزمة في نيجيريا فإن قضية الهوية الإسلامية والمستقبل المجهول للبلاد يظلان محل السؤال؟