العنوان نيجيريا - بلد دمرته الانقلابات
الكاتب مصطفي محمد الطحان
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1999
مشاهدات 63
نشر في العدد 1360
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 27-يوليو-1999
أخيرًا.. حطت بنا الطائرة الكينية في لاجوس عاصمة نيجيريا، التي أصبح الوصول إليها بحد ذاته مشكلة ذات دلالة، فالعديد من شركات الطيران الشرق أوسطية أوقفت رحلاتها إلى نيجيريا.. مقابل نشاط ملحوظ للشركات الغربية.. الأمر الذي يجعل الكثيرين يفضلون السفر إلى لاجوس عبر أمستردام، أو لندن، أو باريس.
وليس الأمر مصادفة كما يعتقد البعض.. وفي زيارة إلى منطقة زاريا.. وهي إحدى مراكز الشمال التي يغلب فيها تواجد المسلمين، قال لنا الأستاذ «عليو أبو بكر» أحد مسؤولي المركز الإسلامي النيجيري: «إن الغرب الذي حكم نيجيريا فترة طويلة من الزمن، أحدث تغييرات كبيرة في بنيتها الأساسية.. فالهوسا التي يتكلم بها معظم سكان البلاد، والتي كانت تكتب بالحروف العربية، ونسبة عالية من كلماتها عربية، أصبحت اليوم تكتب باللاتينية، شأنها شأن اللغات الرئيسة الأخرى في البلاد، مثل اليوروبا والإيبو، والمدارس الرسمية التي كانت تعتبر اللغة العربية لغتها الثانية، تحولت إلى اللغة الإنجليزية، فصارت اللغة الرسمية ولغة الخطاب بين القوميات المختلفة في نيجيريا، وحوصرت اللغة العربية بين جدران بعض الكتاتيب التي مازالت تدرسها بأسلوب ركيك قديم، يتخرج منها الطالب ليصبح عالة على قومه، فليس له عمل في المؤسسات الجديدة.
وبعد اللغة التي هي ركن أساسي من أركان حضارة الإنسان، يأتي الإعلام، فالتلفاز يبث ثلاث محطات رئيسة، الأولى «سي إن إن» الأمريكية التي تقدم المفاهيم والقيم الأمريكية، والثانية محطة لهذا الغناء الراقص الهستيري الذي لا يصمت ليلًا أو نهارًا، أما الثالثة، فهي المحطة الوطنية التي لا تظهر واضحة على الشاشة».
عندما كنت أعود إلى الفندق بعد تجوال طويل بين مدن نيجيريا التي حباها الله الجمال والماء الغزير المتدفق من الأنهار العملاقة، والغابات التي تغطي الساحات، والشمس المتحجبة باستمرار خلف الغيوم، فتجعل الطقس معتدلًا حتى في أشهر الصيف، عندما تعود إلى فندقك تتمنى أن تسمع بعض الأخبار، تتمنى أن ترى محطة القاهرة تطل عليك، تسمع اللغة العربية التي يحبها الناس، تسمع قارئ القرآن يهز كيان الإفريقي الذي يحب مصر، ويحب العروبة، ويحب القرآن، ولكن مصر غائبة للأسف الشديد، لقد حلت مكانها «سي إن إن».
وينهي صديقنا من زاريا حديثه: «غيروا كل شيء، اللغة، والإعلام، والاهتمامات، والكتاب، والجامعة، وأسلوب الحياة، حتى أصبحنا محاصرين نكاد تختنق».
انقلابات عسكرية لا تنتهي
في لاجوس العاصمة، ومركز يوروبا.. يعيش أكثر من مليوني نسمة.. بإمكانك أن تركب إحدى سيارات التاكسي للقيام بجولة في أنحاء المدينة، أحياء راقية هي سكن السفارات، ورجال الانقلابات، وتجار السياسة، تظن نفسك في إحدى عواصم الغرب، وعندما تعبر هذه المنطقة الصغيرة يهولك ما ترى، هل حقًا هذه من تلك؟!.. فالطرقات مليئة بالحفر، والسيارات مستهلكة، والناس يخوضون معركة البقاء، إذا سألت عن أسباب هذه المذبحة الإنسانية.. أجابوك.. إنها الانقلابات.
بدأت عام ١٩٦٦م على يد إيرونسي الذي ألغى الحكم المدني الوطني الذي كان يرأسه أحمدو بيللو وأبوبكر تيفيوا بيليوا، ذبحهم الانقلابيون حتى لا تكون نيجيريا دولة كبرى للمسلمين في قارة إفريقيا.
وفي عام ١٩٦٧م جاء الكولونيل يعقوب جاوون.. وفي عام ۱۹۷۵م جاء الجنرال مرتضى محمد، الذي اغتيل بعد سنة من تسلمه السلطة، وجاء بعده نائبه أو باسانجو، الذي أجرى انتخابات ديمقراطية عام ١٩٧٩م فاز فيها شيخو شاجاري.
وفي عام ۱۹۸۳ م قام الجنرال محمد بخاري بانقلاب جديد.. وعام ١٩٨٥م قام الجنرال إبراهيم بابانجيدا بانقلاب آخر، ثم أطاح به وزير دفاعه أباتشا الذي مات فجأة عام ١٩٩٨م، فتولى الحكم من بعده الجنرال عبد السلام أبو بكر الذي أجرى انتخابات ديمقراطية في فبراير الماضي، جاءت بأوبا سانجو مرة ثانية.. انقلابات يأخذ بعضها برقاب بعض.
أهم إنجازاتها
أنها خربت البلاد وأفقرتها، فنيجيريا أكبر الدول الإفريقية سكانًا «١٢٥» مليون نسمة، وأغناها تربة، وأغزرها مياهًا، السادسة بين دول العالم إنتاجًا للنفط والغاز، تصدر في حدود ۲۰۱ مليون برميل من النفط يوميًا، واحتياطيها يزيد على أربعة مليارات برميل من النفط، ومع ذلك فالسيارات لا تجد الوقود، فتشتري عدة جالونات من السوق السوداء التي يقف أصحابها على الطرقات يبيعون سلعهم بأغلى الأسعار، إذا سألت عن السبب قالوا: إن محطات التكرير معطلة.. ثم أردفوا هذه هي الانقلابات التي يريد زعماؤها أن يأخذوا كل شيء على حساب الشعب.
بعد الاستقلال عام ١٩٦٠م كانت نيجيريا دولة واعدة غنية، يزيد مستوى دخل الفرد فيها على ألف دولار سنويًا، واليوم لا يزيد على ٣٠٠ دولار، لقد أصبح أكثر من ٨٠% من الشعب النيجيري تحت خط الفقر، أما البطالة فتزيد على ٤٠% والديون الخارجية أكثر من ٤٠ مليار دولار.
ومن مآسي الانقلابات أنها أذكت الصراع بين طوائف الشعب الواحد، وخاصة عرقياته الكبرى: الهاوسا، واليوربا والأيبو.. وإذا استطاع الجيش أن يقمع حركة الأيبو الانفصالية في شرق البلاد، وأن يقضي على دولة بيافرا، فإن الروح الانفصالية ما زالت متنامية لا في الشرق فقط، إنما في الوسط، وربما في الشمال أيضًا، فإذا انشغل الحاكم بنهب مقدرات البلاد لم يبق عنده وقت لمعالجة قضاياها، وليس من المستبعد أن تعيش نيجيريا قريبًا أحداثًا عرقية «في البلاد حوالي ٢٥٠ جماعة عرقية».. وأن تكون هناك أكثر من بيافرا واحدة.. فالشيطان الذي ينفخ في بوق تخريب البلد.. ما زال لم ينجز مهمته بعد.
ومن مآسي الانقلابات.. أنها تخرب النفوس، وتقضي على الوشائج التي تصنع المستقبل.
فحين يعتدي الحاكم على شعبه فيسلبه حقه في تقرير مصيره واختيار حكامه، ويسلط زبانيته ومخابراته على أنفاس الناس فيكتمونها، يفقد الناس بالتالي إحساسهم بالحب والخير، ويتعلمون من الحاكم كيف يسيئون الظن، وكيف يكرهون، وكيف يجلدون الناس في أقبية السجون، وكيف يرتشون، إنهم يخربون البنية الأساسية للإنسان كما يخربون البنية الأساسية لبلدانهم.
وإذا كانت نيجيريا تعيش حالة من التردي الرهيبة، فلا ماء نظيف، ولا خبز، ولا دواء، ولا مدارس، ولا وظائف، ولا طرق، ولا كهرباء، فإن إنسانها أيضًا أصبح بلا هدف، لا يسمع غير الوعود، وبالتالي لا يصدق شيئًا، تسمع حكايات من مقتل مشهود أبيولا في سجنه، و حكايات أخرى عن مقتل أباتشا في قصره، هي مثل حكايات معظم الناس عن الرقى التي تعالج الأمراض التي بسببها الجن.. الإحباط يصنع كل ذلك.
إذا دخلت إلى الفندق فعلى بابه أكثر من موظف يحتاج رشوة، وإذا كنت في الطريق أوقفك الشرطي يريد رشوة، فالرشوة باتت الطريقة الأسهل لكسب العيش من أصغر إلى أكبر موظف في نيجيريا، وتشير التقارير الغربية إلى أن الأموال التي دخلت جيوب أباتشا زادت خلال سنوات حكمه على ٧.٥ مليار دولار، ومثلها أو أكثر منها «۱۲» مليار دولار، كانت من نصيب بابانجيدا وهكذا.
هل تستقر الأمور في نيجيريا؟
هل يستقر الحكم المدني، فيبدأ رحلة الإصلاح المتعثرة.. البنية الأساسية، الأمراض الاجتماعية، الاحتقان الشعبي، الفساد الاقتصادي، الديون، النفط، البطالة، انهيار العملة المحلية، أم هي مرحلة مؤقتة ستنتهي بانقلاب عسكري..؟ المؤشرات تشير إلى احتمال حدوث فترة أطول من الاستقرار، فالصراع الأوروبي– الأمريكي ربما يحتاج إلى الهدوء؛ لتقوم شركاته العملاقة باستقطاب البلد الإفريقي الكبير، كما فعلت مع غيره من البلدان.. يضاف إلى ذلك الاستياء الشعبي الذي بلغ ذروته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل