; نور في الأفق المظلم - تابع الجزء الأول | مجلة المجتمع

العنوان نور في الأفق المظلم - تابع الجزء الأول

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الاثنين 25-ديسمبر-1978

مشاهدات 112

نشر في العدد 425

نشر في الصفحة 42

الاثنين 25-ديسمبر-1978

مُلخص ما نُشر: 

عبد المجيد شاب صغير تحت العشرين طالب في المرحلة الثانوية، يعمل مع أخ له في الله في جمع التبرعات لعائلات المعتقلين من الإخوان المسلمين الذين اعتقلوا في عامي 1954-1955م، وقد سافر الاثنان إلى الإسكندرية ضمن رحلات مدرسية صيفية، ومرض صديقه وأخوه في الله صادق ودخل مستشفى الحميات. واستقال عبد المجيد من المعسكر ليكون قريبًا من صادق. 

ولما خرج صادق من المستشفى ذهب يقيم مع عبد المجيد في بيت عمته، وقضى يوما ممتعًا. ثم ذهب إلى المعسكر ليقضي ليلة هناك مع أصدقائه ويعود في الصباح إلى عبد المجيد، ولكنه اعتقل في تلك الليلة ذاتها، وعلم عبد المجيد بالخبر من صديقه صبحي حين ذهب إلى المعسكر في الصباح ليسأل عن السبب في غياب صادق. 

توقف السير، واستوقف صبحي قائلًا

لن أتحرك من هنا قبل أن أعرف.. هل أنتكس.. عادت إليه الحمى.. نقلوه إلى المستشفى.. هذا ما كنت أخشاه.. انطق يا صبحي قبل أن أنفجر.. أين صادق؟ 

قال صبحي بصوت مخنوق: اعتقلوه.. 

تجمد عبد المجيد في مكانه، وراح يحدق في صبحي كالمذهول، كيف حدث ذلك؟ أيحدث في نفس الليلة التي يأتي فيها إلى المعسكر؟ أي قدر ينتظر على أبواب الأيام القادمة. أيقظه صبحي من ذهوله بقوله: 

ولذلك يجب أن نبتعد عن هنا.. فقد سألوا عنك

أومأ برأسه وقال: 

- متى حدث الهجوم؟ 

- قبيل الفجر... وبمعرفة الضابط المسؤول.. فقد جاء معهم إلى الخيمة وانتزعوه من بيننا.. وكان صادق غارقًا في النوم.. لم يسهر معنا في حلبة الغناء والرقص .. تركنا وخلا بنفسه داخل الخيمة.. وعندما عدنا من حفلنا وجدناه يغط في نوم عميق. أنصحك يا عبد المجيد بالذهاب حالًا.. ولا تقترب من المعسكر أبدًا.. ربما كان ولا يزال واقعًا تحت عيون المخابرات. 

تعانق الصديقان في لحظة الوداع والفراق. وعاد عبد المجيد إلى حي فكتوريا وهو يدير الأمر كله في ذهنه، ابتداء من حلمه الذي رآه ذات ليلة، وانتهاء بما حدث لصادق ليلة أمس. قرر العودة إلى القاهرة قبل أن يأخذوا أخاه بدلًا منه. لن يترددوا في استخدام أساليب التهديد مع أخيه وأبيه. 

بدا وجه العمة شاحبًا حين رأته سألته: 

- أين صادق يا عبد المجيد؟ 

هوى على مقعد في المدخل وجلست عمته على مقعد آخر منتظرة إجابته دون أن يخطر في بالها ما وقع، نظر إليها وأخبرها باعتقاله، أحاطت وجهها بيديها، وسالت الدموع تشق لها طرقًا بين الأخاديد والتجاعيد، وتجعلها أكثر عمقًا ووضوحًا كأن العمة بلغت مائة عام في لحظة، وأضيفت إلى تلك الأعوام هموم وأحزان، فقد علمت أن ابن أخيها عائد إلى القاهرة من أجل تسليم نفسه. عرضت عليه فكرة الهروب والاختفاء في بيتها، ولكنه رفض خوفًا على أخيه. وجهز حقيبته وحملها مع حقيبة صادق التي كانت معه، وودع عمته وداعًا فجر ينابيع الألم. 

لم يتدفق الألم عنده في مجرى الضعف، كان ألمه من النوع الذي يضاعف القوة ولا ينقصها، أمّا الألم عند عمته فكان من النوع الذي يهزم صاحبه. فرقدت المرأة العجوز في الفراش تبكي بعد خروج عبد المجيد، ولا تدري ما أصابها، وغابت عن الوجود.

عند العصر، نزل عبد المجيد من القطار في عزبة النخل، وكان المؤذن يرفع صوته فوق كل الأصوات، جنح عبد المجيد إلى المسجد القريب من المحطة، فرغ من صلاة الجماعة ونهض منصرفًا، ولكن المؤذن لحق به على عتبة الباب وقال: 

- جاء زوار الليل وفتشوا البيت، كن حذرًا. 

ابتسم عبد المجيد. ومن خلال ابتسامته قال:

- لا داعي للحذر.. جئت لأسلم نفسي.. إما أنا.. وإما أخي.. أنا أولى بالاعتقال. 

وخرج متجهًا إلى الدار، وأصر المؤذن أن يصحبه ليحمل عنه إحدى الحقيبتين، فقال له عبد المجيد من باب المزح: 

- أنت تحمل الآن حقيبة صادق.. وقد اعتُقل.. وأنا أحذرك كما حذرتني.. دع الحقيبة معي وعُد. 

- لن أعود.. من المعروف أني مؤذن المسجد.. ولست جبانًا إلى هذا الحد. 

عرفه عبد المجيد أنه كان يمزح معه، وما قصد أن يختبر شجاعته، وشكره على حمل الحقيبة الثانية حتى وصلا إلى الدار، فدعاه إلى الدخول ولكن الرجل اعتذر لأنه مكلف بأن يملأ خزان المسجد بالمياه، ورجع يضرب قدميه في الأرض مسرعًا كأنه من الغزاة المنتصرين. 

لم يكد عبد المجيد ينتهي من استقبال أبيه وإخوانه له حتى اكتشف أن أمه غائبة. وقبل أن يسأل عنها قال أبوه: 

- طلبت من أمك أن تسافر إلى الإسكندرية في الصباح لتأتي بك فقد وعدتهم أن أرسل إليك لتحضر.. وبهذه الطريقة أنقذت أخاك من الاعتقال.. وقد جئت يا عبد المجيد.. أهلًا يا ابني. 

قال إسماعيل وكان واقفًا غير بعيد: 

- كاد حلمك يتحقق يا عبد المجيد.. لولا أبي لكنت في المعتقل. 

أطرق عبد المجيد يفكر، ثم قال: 

- يعني أمي الآن في بيت عمتي.. حسنًا.. لن أسلم نفسي قبل أن أراها.. لو أعلم أنها آتية لانتظرت.. وعدنا معًا... ولكني خفت على إسماعيل... على أي حال.. يفعل الله ما يشاء. 

قال أبوه بعد أن جلسوا في إحدى الحجرات: 

- تحدثت الصحف.. أو أشارت إلى موجة اعتقالات جديدة. 

تذكر عبد المجيد الصحيفة التي اشتراها في محطة الرمل بعد أن اصطدم ببائع الصحف فأخرجها من الحقيبة، وفردها أمامه. وجعل يقرأ بعض السطور. قطع أبوه عليه قراءته بقوله: 

- فتشوا عندنا.. بعد أن فتشوا بيت صادق. 

قال إسماعيل: 

-وهددوا أخاه إن لم يجدوه.. كما هددوني تمامًا. 

وضع عبد المجيد الصحيفة على مقعد، وقال: 

-علمت صباح اليوم بالقبض على صادق.. سحبوه من المعسكر. 

ولم يتوقف الحديث بينهم حتى أسدل الليل ظلامه الكثيف على البلدة الهادئة. وفتحت نوافذ الدار التي كانت مغلقة. حرص عبد المجيد على الاختفاء حتى يرى أمه التي لم تأتِ قبل منتصف الليل. لم تصبر على البقاء في الإسكندرية، وعادت في نفس اليوم. وقد ظهر عليها التعب كما ظهر على وجهها أثر البكاء. لم ينم أحد في تلك الليلة ما عدا الصغار. وطال الانتظار. مرت ساعات الليلة طويلة ثقيلة دون أن يأتي الشيطان فوق أكتاف زوار الليل. 

وفي ضحى اليوم التالي، دخل رجلان من رجال المخابرات، وحمل عبد المجيد حقيبته التي كانت معه في السفر واستعد للخروج معهما، ولكن الأم منعتهما من القبض عليه، بكت وصرخت، فبكى الصغار أيضًا، وتصنع إسماعيل شيئًا من الشجاعة، ومن المحتمل أن يكون شجاعًا في ذلك الموقف الموجع المتفجر، وأخذ يصيح: 

-خذوني بدلًا منه.. دعوه. 

وكزه أبوه وجره بعيدًا قائلًا: 

- ما فائدة ذلك.. غير أنك فقدت عقلك.. حاول أن تشجع أمك وإخوتك.. كنا نتوقع اعتقاله.. وها هو يخرج معهما دون أن يلتفت وراءه. فكن هنا عونًا لي وسندًا.. سأذهب معهم.. وأنت تمسح دموع الأم التي سالت.. فاهم يا إسماعيل. 

وخرج الرجل يجري ويلحق بهم ويحمل الحقيبة عن ابنه ويمشي منكس الرأس، مستسلمًا، صامتًا، مستغفرًا ربه، فهو يعلم أنه الابتلاء، ولا ينفع غير الصبر، والرضا بما أراد به الله. وكان حر أغسطس يصب العرق على وجهه، فيخرج منديله ويمسحه وينظر إلى ابنه الذي لم يكن يكترث بما يحدث، خرجوا من البلدة مشيًا على الأقدام، ثم ركبوا سيارة إلى مبنى وزارة الداخلية التي كانت تفتح فمها بشراهة وتبتلع الأبرياء. 

البقية في العدد القادم 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 83

99

الثلاثاء 26-أكتوبر-1971

غداً تشرق الشمس

نشر في العدد 185

155

الثلاثاء 29-يناير-1974

الصبر.. ضرورة لحياة الدعاة

نشر في العدد 241

125

الثلاثاء 18-مارس-1975

الابتلاء في سبيل الله