العنوان نهضة المسلمين.. وواقعنا المعاصر(2 من2)
الكاتب علي عزت بيجوفيتش
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1994
مشاهدات 76
نشر في العدد 1107
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 12-يوليو-1994
·
20% من بعض
الدول الإسلامية يعانون من الجوع المزمن.. في الوقت نفسه ينام إخوانهم في الدين
على الوسائد والحرير من غير أن يؤرق نومهم حال إخوانهم.
·
إن الوضع
القائم في الدول الإسلامية ليس نتيجة لتطبيق الإسلام.. بل بالعكس إنه نتيجة لرفضه
وإبعاده.. وليس نتيجة حضوره، بل نتيجة غيابه.
يجب أن أنبه إلى أن هذا العرض لبعض معطيات
الحضارة الإسلامية هو عرض مقتضب وغير كامل، ولم أورد هنا شيئًا من نماذج الفلسفة
الإسلامية، وإن حق لها أن تفتخر بعشرات الأسماء اللامعة. إن أشد العروض إيجازًا
لتاريخ الفلسفة الإسلامية ليتطلب عدة مجلدات، كما نجد ذلك في كتاب «مفكرو الإسلام»
Les
penseurs de L'Islam باللغة الفرنسية، الذي يقع في عشرة مجلدات.
ولم نعرض أيضًا لذكر فن العمارة الإسلامية التي لا يمثل تاج محل في الهند وقصر
الحمراء في الأندلس سوى جوهرتين منظومتين في طرفي عقد جواهر العمارة الإسلامية.
وسعيًا وراء تحقيق الهدف المحدد الذي وضعناه في بداية المقال، من بحر الحقائق
المرتبطة بظاهرة معروفة باسم «الحضارة الإسلامية»، مررنا مرور الكرام على بعض
الحقائق المعروضة دونما انتظام وإتقان، وشأننا في ذلك شأن عالم الجيولوجيا الذي
يقبض حفنة من رمل أو حصى؛ ليبني عليها تصوره عن تركيبة الجبال الشامخة الممتدة
أمامه.
ويحق لبعضنا أن يتساءل: مع وجود كل هذه
الحقائق التاريخية، كيف أمكن الحفاظ على الأساطير التي تقدم الإسلام في صورة دين
التطرف والجهل والطغيان؟
إن التشبث بهذه الصورة الكاذبة المغرضة عن
الإسلام التي كونت عنه في القرون الوسطى، كان وما زال إلى اليوم من أولويات مصالح
اتجاهات فكرية وسياسية مختلفة في أوروبا، وهذه الاتجاهات -مع خلاف دائم ومستميت في
جميع المسائل فيما بينها- متفقة تمامًا إذا احتاج الأمر إلى النيل من الإسلام
والمسلمين. ولكل طرف كانت مصالح في ذلك: «العناصر المتقدمة» لها أهداف، والكنيسة
لها أهداف، وللدول الاستعمارية التي استطاعت أن تقدم حروبها ضد دول الشرق بسبب
النهب والسلب والسرقة والقرصنة في صورة «إرساليات التنوير بين الشعوب الهمجية والبربرية»،
وساعد ذلك التوجه جهل أجيال المسلمين المتعاقبة لحقائق التاريخ الثابتة، إضافة إلى
أن حالات مستشرية من الفقر المدقع وقلة النظافة في العالم الإسلامي في عصر
الانحطاط جعلت هذه الصورة المزورة تترسخ أكثر.
ويمكن كذلك تحقيق النتائج نفسها باستخدام
أسلوب مجرب في تقديم أنصاف الحقائق، وتكمن حقيقة هذا الأسلوب في رصد منتظم ومتقن
لجميع السلبيات الظاهرة وتكرار ذكرها بصورة مستمرة، وبالسكوت المطبق المتعمد عن كل
المنجزات والمظاهر الإيجابية في تاريخ وحاضر العالم الإسلامي.
ولنضرب مثالًا على ذلك بـ «مؤامرة السكوت» عن
مساهمة الإسلام في ازدهار العلوم. لا يمكن أبدًا تصور التطور التاريخي لعلم
الرياضيات بدون معرفة مساهمة الإسلام في مجال هذا العلم، ومع ذلك فقد انبرى عدد من
المؤرخين المهرة لتحقيق هذا الهدف مستحيل البلوغ، ففي عرض تاريخ علم الرياضيات
إنهم يقفزون بكل سهولة ووقاحة من إقليدس Euclidius (توفي سنة 275 قبل الميلاد) إلى بدايات علم الرياضيات في أوروبا
متجاهلين بذلك مدة ألف سنة من تاريخ هذا العلم.
ولن يلاحظ القارئ العابر هذه «القفزة القاتلة»
وحتى لو انتبه إلى الخدعة، فإنه لن يعبأ بها؛ لأن ذهنه مهيأ مسبقًا للفراغ
التاريخي المسمى بـ«القرون الوسطى»، ولا يعرف القارئ بأن عصور الظلام في القرون
الوسطى لا وجود لها في مناطق شاسعة، تمتد من الأندلس إلى الهند، بينما في حقيقة
الأمر أهملت عهود تطور وازدهار علم الرياضيات. اخترع عالم الرياضيات المسلم ابن
أحمد رقم الصفر، واقترح استخدامه في كتابه الشهير «مفاتيح العلوم»، ويمكن للقارئ
المطلع فقط أن يدرك أهمية هذا الاكتشاف الذي يعد ثورة حقيقية في علم الرياضيات.
وقد ترجم غيرارد دي كريموني Gerard
de Cremone في القرن الثاني عشر للميلاد كتاب محمد بن
موسى بن شاكر «حساب الدوائر والمعادلات» إلى اللغة اللاتينية، وظل الكتاب مرجعًا
أساسيًّا في الجامعات الغربية حتى القرن السادس عشر. لقد انتقد عمر الخيام Omar
Al Khayyam مبادئ علم الهندسة لدى إقليدس، وتعتبر نظرية
المعادلات التكعيبية Cubic equation التي
وضعها أعلى ذروة علم الرياضيات في العصور الوسطى على الإطلاق.
يُعد محمد بن جابر البتاني (القرن العاشر) Albategnius واضع علم حساب المثلثات الحديث Trigonometry، وأما القواعد التي أرساها وقتئذ فما زالت معمولًا بها إلى وقتنا
المعاصر.
إن مصطلحات جيب الزاوية Sine، ومنحنى جيب التمام Cosine، وظل
الزاوية Tangent، وظل التمام Cotangent، ونظرية ذات الحدين Binomial، ونظام
ثلاثي التماثل Trigonometric System، كانت
من وضع المسلمين العرب، وقد وضع أول جداول النسب المثلثية Trigonometric
Tables حسن المراكشي سنة 1229م. يقول ي. ريسلر: «لم
يكن كل ذلك من وضع اليونانيين؛ بل كان من وضع العرب الذين يعدون بحق أساتذة
الرياضيات في عصر النهضة الغربية».
وهذا مجرد مثال بين أمثلة كثيرة تكاد تكون
متطابقة عن كافة العلوم، ولنا حق في الحفاظ على ماضينا، ويجب أن نشق الطريق إليه،
لكي نعلم علم اليقين من نحن، ومن أين ننحدر وإلى أين يتعين المسير، ونرى رأي العين
من هذا المنظور التاريخي كم كانت طويلة عهود التاريخ التي شارك فيها المسلمون
مشاركة فعلية فعالة في تاريخ البشرية السياسي والحضاري، وكم يتقاصر أمامها عصر
تخلفنا!
إن أدنى نقطة الانحطاط التي تردى فيها العالم
الإسلامي -اللحظة المأساوية في خريف 1918م- عندما لم تكن دولة إسلامية واحدة
مستقلة، قد ولت في ماضٍ سحيق، ونأمل أنها اصطحبت معها ذلك الاعتقاد بأن كلمات
«الذل والحقارة والفقر والبؤس والجهل» تلازم كلمة «الإسلام والمسلمون».
إننا لنرى الآن في كافة أنحاء العالم الإسلامي
علامات الصحوة وانبعاث الإرادة الجديدة، هناك شيء قد تحرك، وهذا الشيء الذي تحرك
لا يمكن لأحد أن يوقفه أبدًا! وكل ذلك لا يمكن اعتباره نهضة حقيقية، ولكنه وعد
مؤكد بقدوم تلك النهضة.
إن السؤال المطروح في مفتتح مقالنا هذا «هل
الإسلام سبب تخلف الشعوب الإسلامية؟» قد أصبح -على ما يبدو- سؤالًا مقلوبًا: أليس
غياب الإسلام عن الفرد والمجتمع سببًا مباشرًا للتخلف الذي نتحدث عنه؟
وهذا السؤال يقودنا إلى أن نسلط الضوء على
الشرط الثاني الذي أشرنا إليه في أول هذا المقال: هل يتبع المسلمون الإسلام فعلًا؟
إن الإسلام يطالبنا بالشجاعة ومدافعة الظلم،
ومن الآية التاسعة والثلاثين من سورة الشورى ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ
ٱلبَغيُ هُم يَنتَصِرُونَ﴾ (الشورى: 39) نستنتج أن من يستسلم أمام الظلم لا يتبع
الإسلام اتباعًا سليمًا؛ لأن هذا هو الذي يدعو إليه القرآن، وتؤكده آلاف الأمثلة
عبر التاريخ الإسلامي. ورغم ذلك كله، فإن المجتمعات الإسلامية مليئة بالأذلاء والخوّافين،
والمتزلفين إلى الحكام. إن آلاف سكان بغداد توجهوا بمنتهى الاستسلام -مثل قطيع
الأغنام- إلى سلخانات المغول! هل يبقى أمامنا، بعد ذلك مجال للإقرار بأنهم كانوا
من أتباع الإسلام على وجهه الصحيح؟
إن الإسلام يحرم شرب الخمر، ولكننا لا نكاد
نجد دولة إسلامية إلا وتصنع الخمر فيها وتقدم وتشرب، مخلفة بذلك الدمار والكارثة
في الأسرة والمجتمع!
وجعل الإسلام الأخوة بين المسلمين فرضًا، ولا
يزال المسلمون يختلفون ويقتتلون لصالح المستعمر الأجنبي. لقد أعطى الإسلام المرأة
مكانة رفيعة من الاحترام، وجعل لها قدرًا كبيرًا من الاستقلال، وجعلها متساوية مع
الرجل في الحقوق والواجبات في كثير من نواحي الحياة. ألم يكن النساء يرافقن
أزواجهن في الغزوات في صدر الإسلام؟ ويُشجِّعنهم على الإقدام بالتكبير والأشعار،
كما وقع في معركة اليرموك سنة 634م؟ إن إحدى أقدم جامعات العالم -جامعة القيروان
بمدينة فاس في المغرب التي احتفلت عام 1960م بمرور ألف ومائة سنة على تأسيسها- لهي
من وقف امرأتين مسلمتين! وعلى نقيض ذلك، فإن وضع المرأة المسلمة في بعض الدول
الإسلامية يُعتبر نموذجًا لاستعباد المرأة وسلب حقوقها.
أعلن الإسلام صراحة أن ملكية الأرض تعود إلى
المجتمع (أو الشعب)، أي إن لجميع المسلمين حقًا فيها، ولكن الأقلية من الأثرياء
والوجهاء سطت على غالبية أراضي الدول، تاركة ملايين الفلاحين لا يملكون قيد شبر من
الأرض؟
كانت الأحوال في العراق قبل إعلان الإصلاحات
الزراعية سنة 1958م على هذا النحو: ملك الإقطاعيون 18 مليون فدان من مجموع 22
مليون فدان من الأراضي العراقية الصالحة للزراعة أو ما يعادل 82% منها، وكان عددهم
3619 رجلًا! بينما كان مليون ونصف مليون فلاح لا يملك شيئًا إطلاقًا، وكانت
الأوضاع في غالب دول المسلمين مشابهة لوضع العراق.
يقرر الإسلام مبدأ ﴿إِنَّمَا ٱلمُؤمِنُونَ
إِخوَة فَأَصلِحُواْ بَينَ أَخَوَيكُم وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ﴾
(الحجرات: 10) ولكننا نعلم علم اليقين أن الإقطاعي ليس أخًا للفلاح. لقد قرر
الإسلام وجود حق الفقراء في أموال الأغنياء، ولو طبق هذا المبدأ لأدى بكل تأكيد
إلى إزالة الفوارق الاجتماعية في مجتمعات المسلمين، ولكننا نجد في مدن إسلامية
كثيرة مظاهر ثراء مفرط وفقر مدقع.
ويقرر الإسلام أن «لا يؤمن من بات شبعان وجاره
جائع»، ولكن الإحصائيات تشير إلى أن نسبة الذين يعانون من الجوع المزمن تصل في بعض
الدول الإسلامية إلى 20% من مجموع سكانها، وفي الوقت نفسه ينام «إخوانهم في الدين»
على حرير وقطيفة وإستبرق، من غير أن يؤرق نومهم -على الأقل- وخز الضمير من أجل
أحوال إخوانهم -أي جيرانهم!
وضع الإسلام نظام الخلافة، ولكن الخليفة انقلب
إلى «ملك الملوك». حاولوا أن تتصوروا بأي حكم يمكن أن يحاكم أبو بكر وعمر بن
الخطاب رضي الله عنهما، «ورثتهم» في الخلافة الذين يلهون في قصورهم بـ «الحريم
والخدم» خلف أسوار منيعة، وبدلًا من رفع راية الجهاد يخططون للمداهمات والقرصنة
وحروب السلب والنهب (هـ.غ. ويلز، «تاريخ العالم» ص 345).
إن الرسالة التي وجهها عمر بن الخطاب إلى
عامله على الكوفة الذي يشبه إلى حد كبير بعض حكام الدول الإسلامية -لا يضع أدنى شك
حول الحكم الذي يمكن أن يصدره أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، في حق «ورثتهم» في
الخلافة.
ولكن أمور الشعوب تنبني على «كما تكونوا يولى
عليكم»، إن طريقة حكم بعض الرؤساء والملوك والأمراء وأعوانهم من الذين عششت فيهم
جميع أنواع الفساد، لتؤكد أن شيئًا ما قد «تعفن جدًّا» داخل الشعب نفسه؛ لأن
السعادة حليفة الشجعان، ويكون فقط من نصيب الشعوب الصالحة والطاهرة أن تنعم
بالحكام الصالحين.
يذكرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحكم
العام على نظام القضاء هو «قاضيان في النار وقاض في الجنة»، وليس هناك شيء يمكنه
مقاومة فساد الحكم وتأثيره التدميري في الشعب غير الإيمان بالله والإحياء المتواصل
للأخلاق الإسلامية السامية، لذلك يجب على الشعب أن يملك وسائل التمييز؛ ليفك
الأغلال ويضرب على يد ذينك القاضيين من أهل النار.
لقد أقام الإسلام حربًا على الشرك وقضى عليه
بحركة واحدة في مناطق شاسعة من العالم آنذاك؛ لأنه وضع حدًّا فاصلًا بيّنًا بين
الإيمان والخرافة، ولكن الخرافة وجدت لها مرتعًا في قلوب وبيوت كثير من المسلمين،
ثم ظهرت في صورة التمائم والطلاسم وما شابه ذلك، لتمهد الطريق للتجارة الرابحة
بالدين؛ لأنه إذا لم يقضِ الدين على الخرافة قضت الخرافة على الدين. وكان النبي
محمد صلى الله عليه وسلم يهتم بتعليم المسلمين حتى في أيام الحرب الضروس، فبعد
معركة بدر يجعل تعليم عشرة من المسلمين فدية للأسير من أسره.
إن المسلمين الأوائل قد عملوا جاهدين على
ترجمة مكتبات كاملة من اللغتين اليونانية واللاتينية، دونما خوف من كون هذه الكتب
أصول الحضارة الوثنية؛ لأن قاعدتهم في ذلك هي الحديث: «الحكمة ضالة المؤمن، أينما
وجدها فهو أولى بها»، بينما ينادي أحد حكام المسلمين في هذا العصر -وباسم الإسلام-
بوضع الحد لتعليم شعبه، إنه يريد خدمة الإسلام بنشر الجهل بين أبنائه.
لنترك هذه الفكرة الغريبة عن فرض القيود على
التعليم، ولنذكر أن غالبية الدول الإسلامية لا تنفق على التعليم أكثر من 1% من
ميزانيتها، ولكن الدولة التي تسعى إلى القضاء على أمية شعبها في زمن معقول إلى حد
ما، فإنه لابد لها من زيادة الإنفاق خمسة أضعاف ذلك، (أخذت كلتا المعلومتين من
تقرير منظمة «يونسكو» سنة 1964م عن الأقاليم التي تسكنها شعوب إسلامية).
يهدف الإسلام إلى إقامة جماعة من خلال
العبادات، مثل الإيمان بالله والصلاة والصوم والزكاة والحج، ليتقاسم أفراد الجماعة
الجهاد والفرحة والآلام، ويكون تحقيق الأخوة بين جميع الناس هدفًا دائمًا يسعون
إليه، وإن ظهر أحيانًا أنه بعيد المنال. وعلى نقيض ذلك تقول الصورة الواقعية: إن
أغلب مجتمعات الدول الإسلامية خليط من فقراء الفلاحين وقلة الأغنياء.. والمثقفين
الغرباء الذين أضحوا أجانب في أوطانهم! إن الفلاح الجاهل الفقير يحب الإسلام -وقد
لا يفهمه- والغني يظهر ولاءً للإسلام نفاقًا، ويظل المثقف معاديًا له أو غير مبالٍ
به.
وقد صدق النبي صلى الله عليه وسلم حين يقول:
«إن أخوف ما أخاف على أمتي عابد جاهل وعالم فاجر».
نعم.. هناك بين المسلمين أمور كثيرة تقشعر لها
الجلود، وحتى غير المسلمين يدركون ويلاحظون ذلك: «لو قام محمد صلى الله عليه وسلم
من قبره ورأى كم بدّل أتباعه دينه، لاحمر وجهه غضبًا، ولعن كل من شارك في تلك
البدع» («لوثروب ستودارد» Lothrop Stoddard في كتابه «حاضر العالم الإسلامي» الذي نُشر غداة الحرب العالمية
الثانية).
تشكلت في البرلمان الباكستاني، قبل عدة سنوات،
لجنة خاصة لدراسة التدابير التي تهدف إلى علاج المجتمع من الأمراض الاجتماعية التي
يعاني منها شعب الباكستان، وأوصت اللجنة بمحاربة الخمور وبيوت الدعارة والربا وبعض
العادات الجاهلية؛ لأن هذه الأوبئة تفتك بالمجتمع وتعود عليه بأضرار اقتصادية
وأخلاقية بالغة. وقد نشرت وسائل الإعلام أن أصحاب بيوت الدعارة نظموا مظاهرات مع
مكفولاتهم في مدينة كراتشي احتجاجًا على توصيات اللجنة، مطالبين بحرية «العمل» في
دولة تعلن تطبيق الشريعة الإسلامية.. وهكذا دواليك!
إن صورة واقع الشعوب الإسلامية قد لا تكون
شاملة بما ذكرناه هنا، ولكنها قائمة بما فيه الكفاية، ويمكننا سرد هذه المظاهر
المحزنة، التي تستصرخ بمن سيهدمها، إلى ما لا نهاية. ومع ذلك فإن المسلمين
المخلصين يجدون تسلية في إدراكهم أن الوضع القائم ليس نتيجة لتطبيق الإسلام، بل
بالعكس، إنه نتيجة لرفضه وإبعاده، وليس نتيجة حضوره بل نتيجة غيابه.
إن هذا السلوان مبني على المنطق التالي: إذا
كان قد ترتب على غياب الإسلام مرحلة التخلف والفوضى والفساد، فهل عودة الإسلام
تعني إشراق روح جديدة وبداية عهد مشرق في حياة الشعوب الإسلامية؟
كلما طرحنا هذا السؤال جر وراءه السؤال عن
صلاحية الإسلام للزمن المعاصر، وقدرته على إلهام وقيادة حياة الإنسان في ظروف
جديدة ومتغيرة.. إننا كثيرًا ما نسمع الاعتراض من قبيل كان الإسلام عامل تطور وكان
ملائمًا للعصور القديمة التي أصبحت في حكم ماضٍ سحيق، ولكننا نعيش عصر الذرة..
إلخ، إن الاعتماد على «عصر الذرة» بات حجة دامغة في الحديث عن موضوعنا هذا.
إن الحديث عن صلاحية الإسلام لعصرنا الحاضر لا
يمكن إجراؤه بعمومه؛ لأنه قبل الحديث عن عدم صلاحية الإسلام أو صلاحيته، يجب أن
نتحدث أولًا عن الأمور التي يأمر بها أو ينهى عنها، لذلك يمكننا أن نتساءل: هل نهى
الإسلام عن شرب الخمر وأمره بالحفاظ على طهارة البدن صالح أو غير صالح لهذا العصر؟
أو: هل أركان الإسلام خارجة وبعيدة عن التوجه الحضاري الذي يحدد اتجاه تطور
الإنسانية؟
وإذا ذُكِر غرس الإسلام الأساسي في الإنسان،
فإن الذهن ينصرف تلقائيًّا إلى أوامره الخمس المعروفة باسم «أركان الإسلام» تعالوا
بنا نبحث بإيجاز في صلاحية أركان الإسلام الخمسة، فيما يسمى بـ «عصر الذرة».
إن ركن الإسلام الأول هو «شهادة أن لا إله إلا
الله وأن محمدًا رسول الله». يمكننا أن نذكر دعاة «التنوير» الذين يشكون في مستقبل
الدين في «عصر الذرة» بأن أعظم رائد نهضة العصر الحديث، ألبرت أينشتين Albert
Einstein كان يؤمن بالله، وكان يرى أن إيمانه بالله
لا يتعارض أبدًا بما توصل إليه في علم الفيزياء والفلك. رغم كل ما تعنيه هذه
الحياة لحياة الإنسان، فلنورد هنا ما يراه في هذه المسألة: «إن أساس كل دين معرفة
وشعور بأن ما لا يمكن إدراكه وإحاطته أبدًا موجود فعلًا، ويتصف بأكمل حكمة وجمال،
ولكن حواسنا الضعيفة لا تقوى على إدراكه إلا في أبسط صورة؛ لذلك أنا متدين جدًّا،
إن قلبي يرتضي بقبول سر الحياة الخالدة، وبمعرفة وتخيل الهندسة البديعة للكون،
فأحاول متذللًا إدراك -ولو بجزئه الصغير- ذلك العقل البديع الذي يتجلى في الطبيعة».
إذن ليس الدين خاصية من خصائص بدايات التاريخ
الإنساني والإلحاد والإنكار خاصية من خصائص «عصر الذرة»، وكأن الدين والإلحاد
يتصارعان عبر جميع عصور الإنسانية.
ليست الصلاة عبادة محضة.. إنها كانت -ويجب أن
تكون من جديد- مدرسة الانضباط والتآخي والتضامن. إن الصلاة طهارة وعمل ومشاركة،
لقد اطلع قائد جيوش الفرس الوثنية على صفوف المسلمين المتراصة أثناء أداء الصلاة
قبل معركة القادسية، فصاح: «هذا جيش عمر في حصة التدريبات العسكرية».
إن الصوم تربية شاقة تسعى لتحقيق أهداف
متنوعة، إضافة إلى أنه عبادة، فإنه يُحيي معاني تربوية وطبية واجتماعية كثيرة،
لذلك لم تكن المجتمعات الإسلامية ترى في الصوم مجرد مسألة خاصة بالفرد، بل كانت
تثور ثائرتها أمام كل مجاهرة بانتهاك حرمة هذه العبادة؛ لأنها كانت ترى في ذلك
هجومًا سافرًا على تماسكها الداخلي الذي يبنيه الصوم، إن الصوم تهيئة نفسية لفريضة
الزكاة تعاطفًا مع الفقراء؛ لأن كل المسلمين يعلمون جيدًا معنى الجوع، ولكن كثيرًا
منهم يعيش ويموت من غير أن يشعر بوطأته.
إن الزكاة ليست صدقة، بل هي أشبه بضريبة، أو
إلزام بإخراج جزء من المال للمحتاجين، إن مؤسسة الزكاة في الإسلام تتضمن مقومات
راسخة ليس لمحاربة الفقر فقط؛ بل ولتنمية شعور التفاهم والاحترام في المجتمع الذي
يعيش أزمة هذه المبادئ.
إن الحج أكبر تجمع يشهده العالم، ولكن للأسف
لم يستفد المسلمون من الإمكانيات الروحية والسياسية لهذا الملتقى الفريد من نوعه؛
لأن الحج يجب أن يتحول إلى أقوى عامل لتقارب وتعارف الشعوب الإسلامية في زمن هذه
الفرقة المحزنة. إن الجو العام في الحج هي المساواة، يقف مليون رجل مرتدين ملابس
واحدة يقودهم فكر واحد، ملغين بذلك جميع الفوارق بينهم، التي لا يمكن إلغاؤها في
أي مكان آخر من العالم، هذه هي الصورة التي لا تتكرر من المساواة والأخوة، الصورة
التي ستظل حدًّا فاصلًا بين الواقع والحلم.
لقد قال النبي صلّى اللَّه عليه وسلم في خطبته
الشهيرة أثناء حجة الوداع: «أيها الناس، كلكم من آدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي
على أعجمي، ولا فضل لأبيض على أسود إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم».
هل هناك أفضل وأحسن لحظة من تلك التي اختارها
رسول الله، ليوجه هذه الكلمات العظيمة إلى أمته، هذه الكلمات التي هي أبسط وأخلص
وأروع ميثاق في حقوق ومساواة الإنسان، الكلمات التي ما زالت غاية منشودة في النصف
الثاني من القرن العشرين؟
إنه لا يمكن مجرد تصور عصر قادم يعتقد فيه
المسلمون أن هذه الرسالة النبوية وأمثالها قد عفا عليها الزمن؛ لأن الشعوب بحاجة
إليها اليوم بقدر ما احتاجتها بالأمس.
إننا لَنشاهدُ اليوم ظهور حركة وإرادة جديدة
في بلاد العالم الإسلامي؛ لأن حالتنا اليوم هي حالة حركة وبحث، بغض النظر عن
الحيرة المؤقتة والانحراف والهزائم والعوارض الناجمة عن طول عهد الأزمة والركود،
لكن هذه المرحلة تُشبه كل شيء ما عدا النوم والسكون، إن هذه الإرادة الجديدة التي
سيوجهها الفكر الإسلامي، وستقوي عودها الخيرات الطبيعية التي يزخر بها العالم
الإسلامي، قادرة على أن تبهر العالم من جديد بالنهضة الإسلامية في الأيام القادمة،
إن كل مسلم مطالب بأن يكون مشاركًا فعالًا في هذه النهضة!
(*) رئيس جمهورية البوسنة والهرسك
المقال خاص بالمجتمع، وقد نقله إلى العربية:
حسين عمر سباهيتش.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل