; نهاية بيريز السياسية.. لماذا فاز باراك بزعامة حزب العمل | مجلة المجتمع

العنوان نهاية بيريز السياسية.. لماذا فاز باراك بزعامة حزب العمل

الكاتب أسامة عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997

مشاهدات 57

نشر في العدد 1254

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 17-يونيو-1997

لم تفاجا الأوساط السياسية في الكيان الصهيوني أو الساحة العربية والدولية بفوز إيهود باراك بزعامة حزب العمل، وهو ما يؤهله بصورة تلقائية لمنافسة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو في الانتخابات القادمة بعد ثلاث سنوات فجميع استطلاعات الرأي أكدت تقدم باراك بفارق كبير عن منافسة الثلاثة الآخرين، الذين كانوا يدركون هم أيضًا أنهم لا يملكون فرصًا حقيقية للفوز في مواجهة المرشح القوي باراك وكان هدفهم من المنافسة كما ترى كثير من الأوساط السياسية هو تحسين مواقعهم داخل الحزب ليس أكثر.

 المنافس الرئيسي لباراك يوسي بيلين الذي يوصف بأنه خليفة شيمون بيريز في زعامة جناح الحمائم في الحزب، لم يحصل إلا على ٢٨% من الأصوات، في حين حصل المرشح من أصل شرقي شلومو بن عامي على 14%، وحصل المنافس الثالث أفرايم سنيه على7% فقط، إذ استأثر باراك بالأغلبية المطلقة، حيث حسم الانتخابات من الجولة الأولى، وحصل على ٥١ % من أصوات الناخبين، وعددهم ١٠٠ ألف من أصل ١٦٧ ألفًا هم أعضاء الحزب.

لماذا باراك؟

أسئلة كثيرة أثارها فوز باراك وكان أهمها: لماذا فاز باراك بهذه القوة في الانتخابات الداخلية لحزب العمل رغم الانقسام الذي يسوده بين معسكرين متقاربين في القوة هما الصقور والحمائم؟ وما هي توجهات باراك خلال المرحلة القادمة وهل ستؤثر على مسار العملية السلمية المتعثرة؟

فعلى الرغم من أنه يتزعم جناح الصقور داخل الحزب، حيث خلف رئيس الوزراء السابق إسحق رابين في هذا الموقع، إلا أن باراك حظي بتأييد الصقور ونسبة جيدة من الحمائم في الحزب، بعد أن استطاع إقناع غالبية أعضاء الحزب أنه المرشح الوحيد القادر على هزيمة رئيس الوزراء الحالي نتنياهو وإعادة حزب العمل المهزوم إلى السلطة عام ٢٠٠٠م.

وعلى الرغم من أنه لم يمض سوى عامين على انضمام باراك لحزب العمل، فإنه يملك جملة من المؤهلات غير السياسية وغير الحزبية، دفعته إلى موقع الصدارة.

فهو صاحب سجل عسكري حافل بالإجرام استمر ٣٥ عامًا وجعله أحد أبرز العسكريين الصهاينة الإسرائيليين، حيث شغل قبل انتقاله إلى العمل السياسي منصب رئيس هيئة الأركان وهو أرفع موقع عسكري، وكان قد شارك عام ١٩٧٣م في عملية تصفية ثلاثة من زعماء منظمة التحرير في بيروت، وقاد غارة عسكرية إرهابية على تونس عام ۱۹۸۸ م قتل فيها خليل الوزير أبو جهاده أحد أشهر قادة فتح والمنظمة، كما يفخر باراك بأنه العقل المدبر وراء تشكيل الوحدات الخاصة لتصفية الفلسطينيين المطلوبين في فلسطين المحتلة والتي أطلق عليها اسم وحدات الموت، ووحدات المستعربين، وكان له دور بارز في عملية الإبعاد الشهيرة الأربعمائة من كوادر ومؤيدي حركة حماس إلى مرج الزهور في جنوب لبنان عام ١٩٩٢م.

وفي دولة يسيطر عليها هاجس الأمن، فإن الخلفية العسكرية تعد من المؤهلات المهمة والضرورية لكسب ثقة وتأييد المواطنين، وهو ما تظهره استطلاعات الرأي الحالية بالنسبة لباراك وما أظهره قبل ذلك فوز نتنياهو ضابط الكوماندوز السابق الذي عمل تحت إمرة باراك. 

  • وباراك يعدُّ التلميذ النجيب لرئيس الوزراء السابق إسحق رابين الذي اختفى عن المسرح السياسي بصورة صاخبة بعد اغتياله من قبل أحد المتطرفين اليمينيين، وقد أحدث هذا الاغتيال تعاطفًا واسعًا مع رابين على الصعيد الشعبي سعى باراك إلى الاستفادة منه من خلال التأكيد على علاقتهما الوثيقة فهو يتحدث بفخر كان إسحق قائدي لعقود ومعلمي، وأجرؤ على القول بأنه كان صديقي في السنوات الثلاثة الأخيرة، وهو الرجل الذي أدخلني في عالم السياسة في حكومته..

وباراك متشدد بدرجة كبيرة في مواقفه السياسية بصورة تزيد على تشدد رابين الذي كانت مسألة الأمن تقع في مقدمة اهتماماته، فهو معروف بأنه يبالغ في التشدد الأمني والسياسي إلى الدرجة التي دفعته لمعارضة اتفاقيتي أوسلو وطابا حينما كان رئيسًا للأركان على الرغم من أن أستاذه رابين هو الذي وافق عليهما.

لكن على الرغم من أن كل الظروف تبدو مهيأة أمام باراك للصعود إلى قمة هرم السلطة في الكيان الصهيوني، فإن ثمة تحديات ليست سهلة ينبغي أن يتجاوزها حتى يستطيع تحقيق هذا الهدف، وإعادة حزب العمل للسلطة، ويأتي في مقدمة هذه التحديات قدرته على إدارة توحيد صفوف حزب العمل خلف قيادته بصورة سريعة، وتجاوز آثار وانعكاسات المنافسة بينه وبين بقية المرشحين ومؤيديهم، ولا يمكن بالتأكيد الاستهانة بهم، وخاصةً أنهم شكلوا قريبًا من ٥٠% من حجم الناخبين.

وسيواجه باراك دون شك مشكلة في القدرة على طرح خطاب سياسي وإعلامي قادر على طمأنة العرب وإقناعهم بحرصه على التقدم في عملية السلام، وفي الوقت نفسه إقناع الناخبين الإسرائيليين بتشدده وحرصه على تحقيق الأمن وعدم تقديم تنازلات، وقد أظهرت تجربة نتنياهو في السلطة خلال عام كامل صعوبة الجمع بين هذين المتناقضين.

كيف تنظر الأطراف العربية لفوز باراك؟

لا شك أن الأطراف العربية، وبخاصة السلطة الفلسطينية كانت تفضل التعامل مع شخصيات في حزب العمل تظهر اعتدالًا أكثر من باراك، ويوسي بيلين، ولكنها على الرغم من ذلك قد تنظر بإيجابية إلى فوز باراك من منطلق كونه قادرًا على الإطاحة بنتنياهو الذي أدت سياساته إلى تعطيل مسيرة التسوية.

 الناطق باسم حركة المقاومة الإسلامية حماس إبراهيم غوشة قال: إن فوز باراك يعتبر هزيمة أخرى لأوسلو باعتبار أن يوسي بيلين الذي خسر في هذه الانتخابات هو أهم مهندسي عملية أوسلو، وتوقع غوشة أن يؤدي فوز باراك إلى انقسام المجتمع الإسرائيلي، لأن الصراع سيشند بين معسكري نتنياهو وباراك المتشددين، وهو ما سيحدث حالة استقطاب شديدة.

واعتبر غوشة أن اختفاء ببريز عن المسرح السياسي سيضعف فرص مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كان يروَّج له لاختراق العالم العربي والإسلامي، وتوقع أن يؤدي فوز باراك إلى زيادة حالة الإحباط لدى السلطة الفلسطينية ولدى مؤيدي اتفاقية أوسلو. 

الرئيس المصري والعامل الأردني سارعا بعد فوز باراك إلى دعوته لزيارة القاهرة وعمان في محاولة لجس النبض ومد جسور حسنة من العلاقة، وفي الوقت نفسه تشكيل ضغط على نتنياهو، ولكن كثيرًا من المراقبين يرون أنه من الصعب التأثير كثيرًا على: توجهات باراك ومواقفه وخاصة أن حزب العل قد حسم موقفه إزاء غالبية قضايا المفاوضات النهائية التي يتفق حولها بشكل كبير مع حزب الليكود الحاكم.

 شعار مَن الأفضل لإسرائيل، هو الذي يحظى باهتمام الناخب الإسرائيلي، وما سيحكم مواقف وتوجهات باراك هو فرصته بالفوز في الانتخابات القادمة، وإذا كان بيريز حمامة السلام الوديعة قد اقترف جريمة قانا الوحشية، فإن باراك العسكري العنيد لن يتورع عن ارتكاب ما هو أسوأ من ذلك إذا كان يعتقد أن ذلك يخدم مصالح إسرائيل.

 

الرابط المختصر :