العنوان نهاية «القذافي»... سوء العاقبة وسقف الطغيان!
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 29-أكتوبر-2011
مشاهدات 142
نشر في العدد 1975
نشر في الصفحة 24
السبت 29-أكتوبر-2011
ثورة ليبيا
- رحل «القذافي» بجرائمه السياسية وبشعاراته الفارغة... وترك ليبيا مثقلة بالآلام
- على الليبيين صياغة دستور يضمن علو الشريعة.. وألا يسمحوا بتواجد أجنبي طويل الأمد
تتزاحم المشاهد الأخيرة لـ القذافي وهو طريد المجاهدين الليبيين، مع صور المشانق التي أقامها لأسلافهم وأشقائهم على مدى يزيد على ٤٠ سنة، كانت المشاهد مروعة.. شباب في عز أعمارهم تتدلى جثثهم في أيام رمضان عند الفطر، ثم يؤتى بأمهاتهم وأخواتهم لإعلان التبرؤ منهم، ويجبرن على الزغاريد، ومن نفس الكأس يشرب جلادهم بعد أكثر من ٤٢ سنة من القبضة الحديدية وسرقة المال العام وتبديده دون أن يكون لسلطته محاسب أو مراقب يمكنه ردعه عند الطغيان، فكان طغيانًا بدون حدود.
كانت حالة «القذافي» في نهايته مختلفة عن محطات حياته السابقة، من ابن صحراء ينخره الفقر، إلى ضابط صغير مغمور، إلى قائد انقلاب عسكري (١٩٦٩م)، إلى معتد بنفسه إلى حد تضخمت فيه «الأناء» لديه، وأصبح مريضا بجنون العظمة.
لقد مر القذافي بمراحل كثيرة في حياته، لكن خروجه من قنوات للصرف الصحي، ستكون أكثر تعلقًا بالأذهان من عرينه السابق في باب العزيزية، أو خيمته ذات النجوم الخمسة، وحياته الباذخة المتعة بالشهوات على مختلف أصنافها، وستكون هيئته وهو مضرج بالدماء يسأل ما الخطب؟ أو ماذا حدث؟ أو ماذا تطلبون حسب اللهجة الليبية «خيركم» و «شنو فيه؟ أكثر رسوخًا من شعره المزروع غير طبيعي المصبغ بالسواد ووجهه الملطخ بالأصباغ لإخفاء هرمه (٦٩ سنة)، كان المشهد يدور حول عبارة يرددها الليبيون وسكان المغرب الكبير، وربما جميع العرب: «يا قاتل الروح فين تروح».
إنه درس للطغاة، وللذين يعتقدون أنهم مختلفون، ولكنهم بذلك يمهدون لمصير أكثر سوءًا، «مصر» ليست «تونس»، و«ليبيا» ليست مصر وتونس، ولكن التاريخ والواقع يعلمنا أنه كلما زادت جرعة البطش بشعب ينتفض، كانت نهاية الطاغية أكثر سوءًا.
هل اختار «القذافي» نهايته؟
هناك الكثير من السياسيين، وغيرهم ممن أكدوا أن «القذافي» يعيش عالمه الخاص، وهو عالم «الأنا المتضخمة»، و «هوس السلطة».. فهو يعتقد بأن شعبيته تفوق شعبية معارضيه والخارجين عليه، لكنه لفرط تمسكه بالسلطة لا يرغب في وضع هذا الاعتقاد موضع الاختبار، فطالما اعتبر نفسه خصمًا وحكما، فإنه يضع تلك المقولة المتهافتة التي تعلي من ألوهية الهوى لا تجرب الرب إلهك فوق كل اعتبار آخر.. لذلك ظل القذافي طيلة ما يزيد على ثمانية أشهر يدعو الشعب الليبي السحق الجرذان، وكان في الأيام الأولى للثورة يطلب من مساعديه القضاء على الثوار «امسكوهم»، كما لو كانوا مجموعة صغيرة معزولة يمكن الإمساك بها وتعليقها على المشانق، كما فعل ذلك كثيرا في أوقات سابقة.
لم يتوقف «القذافي»، حتى في آخر أيامه وهو محاصر في سرت عن الدعوة المسيرات مليونية تزحف لتطهير ليبيا في القذافي لم يكن يستمد مواقفه من الواقع، وإنما ككثير من السلاطين في البلاد العربية من عالمه الخاص الذي يغذيه ممن هم حوله ومستفيدون من ثروات الشعب كانت أنا ماري طوانيت في فرنسا، والشاه رضا بهلوي في إيران والقيصر الروسي، وسفاح رومانيا «تشاوسيسكو»، و «دراكولا» البلقان سلوبودان ميلوشيفيتش... هكذا يعيشون في عالمهم الخاص، وهو ما ينطبق أيضًا على «علي عبد الله صالح»، في اليمن، و«بشار الأسد» في سورية.
تضخم الشخصية والعيش في عالم خاص مرده الغرور الذي أخرج إبليس من الجنة.
الأمم أطول أعمارًا من طغاتها
رحل القذافي، غير مأسوف عليه، تاركًا ليبيا مثقلة بالآلام بالدماء والدموع، ونهبا الأطماع الداخل والخارج، ترك خلفه أكثر من ٦٠ ألف قتيل، لكن ذلك لن يضعف الشعب الليبي بل سيقويه، فالكلمات كما يقول سيد قطب تبقى عرائس من الشمع، فإذا بذلت الأرواح في سبيلها دبت فيها الحياة.. قتل ٦٠ ألفًا أو نحو ذلك أو أكثر من ذلك، ولكن الشعب الليبي لم يفقد حيويته، ولم يشرف على الانقراض، فالضربة التي لا تقسم الظهر تقويه كما قال شيخ المجاهدين عمر المختار يرحمه الله.
قتل ٦٠ ألفًا وقد سبقتهم جحافل الشهداء ممن رفعوا على أعواد المشانق إبان حكم الهالك «القذافي»، ولكن بطلب الموت توهب الحياة.. ذهب القذافي، إلى غير رجعة، وبقي الشعب الليبي، وبقيت الدعوة الإسلامية، وبقي الإخوان المسلمون، وكل أحرار ليبيا.
رحل «القذافي» بجرائمه السياسية وبشعاراته الفارغة من كل مضمون من تحزب فقد خان، لكن خوره أمام القوى العربية ولا سيما أمريكا، وتسليمه سكاكين مطبخه، كما قيل، وتراجعه عن مشروع امتلاك السلاح النووي في محاولة للنجاة من مصير «صدام حسين»، ساهم في وقوعه في نفس المصير. انتهى «القذافي»، وبرحيله تطوى صفحة سوداء من تاريخ ليبيا والأمة الإسلامية التي تعيش الملايين منها الفقر والجوع والمرض والحرمان والجهل، بينما طغاة من أمثال القذافي يشترون بأموال شعوبهم حظوة لدى الغرب أو القابا مزيفة كالتي كان القذافي يلهو بها ملك ملوك أفريقيا، والذي يزعم أنه لا يحكم!! والمسلم الثائر، وهو الذي سلم ملفات الثائرين الحقيقيين إلى وزارة الخارجية الأمريكية في عهد كونداليزا رايس، وهو الذي ساعد جنوب السودان على الانفصال، ودعم متمردي دارفور، إضافة لدعم الحرب في سيراليون وليبيريا وأوغندا .. بينما كانت مستشفيات ليبيا تشكو أوضاعًا مزرية، ومدارس ليبيا تفقد صفتها، كونها مقامة في دولة نفطية. واليوم يتحدث عن ثروة أشبه ما تكون بالخيال هربها القذافي للخارج ( ٢٠٠ مليار دولار حسب «لوس أنجلوس تايمز»، بتاريخ ۲۲ أكتوبر۲۰۱۱م)، في شكل استثمارات بأسماء مقربين منه لا تحوم حولهم الشبهات.
ليبيا بعد «القذافي»
هناك مثل يردده الليبيون عندما يصاب أحدهم بمصيبة وهو: اللهم اجعل هذا حد البأس أي ألا تكون هناك مصيبة أخرى، أو بالأحرى ألا تتوالد المصائب، وأول ما يجب أن يتفطن إليه الليبيون هو عدم السماح بأن يكون مقتل القذافي ذريعة لتصفية حسابات مع الثوار، فهم ليسوا الوحيدين الذين قتلوا خارج نطاق القانون لو اعتبرنا جدلًا مقتل القذافي تم بتلك الطريقة، إذ إن هناك دعوات من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وأطراف أخرى لإجراء تحقيقات هي محاولة لتشديد التدخل في مستقبل ليبيا، وعزل آناس بعينهم، ويبدو أن الليبيين يرددون هذا الدعاء بعد انتهاء محنتهم بمقتل الطاغية.
ومن ذلك تحاشي الخصومات والانشقاقات ولا سيما في صفوف الإسلاميين الذين يجب أن يبدو روحا عالية تكون مضرب الأمثال في الأخوة والفدائية وجهاد النفس، ويعملوا على كيفية حفظ الأمن بدون إخلالات في موازين القوى، وألا تسلم الأسلحة إلا لسلطة منتخبة انتخاباً مباشرا من الشعب، ويقطعوا الطريق على من يريد إطالة أمد «المجلس الانتقالي»، وبعد معرفة مصير المقاتلين الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم وهم يحلمون بتحرير وطنهم، في حين كان الآخرون يفكرون في قيمة الصفقات التي سيوقعونها بتدخلهم العسكري في ليبيا.
ومن نافلة القول التأكيد على ضرورة صياغة دستور يضمن علو الشريعة، إذ إن المجتمع المسلم هو الذي تسوسه أحكام الإسلام فقط، وألا يسمحوا بتقسيم ليبيا أو تحويلها إلى عراق أو حتى أفغانستان جديدة لا قدر الله، حيث إن هناك من يريد إثارة النعرات القبلية وتقسيم ليبيا على القبائل وبذلك يضيع دم ليبيا – لا قدر الله – بين القبائل، ولا تجد من ينتصر لها كبلد واحد لشعب واحد يعبد ربًا واحدًا ويتبع نبيًا واحدًا ويقرأ كتابًا واحدًا ويصلي لقبلة واحدة.
وعلى الليبيين ألا يسمحوا بتواجد أجنبي طويل الأمد في بلادهم، وألا يفرطوا في السلاح التقليدي للجيش الليبي، فمن يطالبون بإتلاف ذلك السلاح يسعون الصفقات مدخونة على هذا الصعيد، وأن يطالبوا بتحري الأصول المالية المجمدة فورًا واستعادة الأموال المهربة.
وعلى الليبيين ألا يسمحوا لأحد بفرض تصورات معينة، أو يسمحوا بأن يتدخل في وصف نوع المجتمع الذي يريدون إقامته.