العنوان نهاية الطاغية.. ولكن مأساة العراق مازالتْ باقية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 11-نوفمبر-2006
مشاهدات 65
نشر في العدد 1726
نشر في الصفحة 5
السبت 11-نوفمبر-2006
«فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» (الحج:45-46).
يوم الأحد الماضي 5/١١/2006م، تابع العالم الفصل الأخير في مسيرة النّظام العراقي البائد، بالحكم بإعدام صدَّام حسين واثنين من كبار معاونيه.
وقد استحضر الفصل الأخير من المحاكمة، سجل النظام البعثي المتخّم بالجرائم، والذي عاث في الأرض فسادًا، وضيّع البلاد، وأذلّ العباد، وعذب وقتل وشرّد الآلاف من أبناء الشعب العراقي، واقترف الجرائم الغادرة بحق جيرانه، وأبرزها غزوه الغاشم لدولة الكويت، ولذلك جاء هذا الحكم ليشفي صدور ضحايا صدَّام، وفي مقدمتهم ذوو الشهداء والأسرى الكويتيين.
وإن من يتأمل تلك النّهاية الذليلة لابد أن يخرج منها بالكثير من العبر:
أولًا: من حكمة الله - سبحانه وتعالى- أنْ جعل نهاية صدَّام على يد من استخدموه أداة رخيصة لتحقيق مطامعهم ومخططاتهم، فالشّواهد التاريخية والوثائق تؤكِّد أنّ صدَّام وغيره من الطغاة الذين رُزئت بهم الأمة، هم صنائع مخابراتية أتقن الاستعمار إعدادها، وفرضها على الساحة، وتحريكها بخبث ودهاء، لتحقيق مخطّطاته، ثم أتقن لعبة التخلص منهم بطريقة أكثر خبثا ودهاء.
وتكفينا الإشارة هنا إلى مذكِّرات مروان التكريتي أحد أركان حزب البعث العراقي، والإشارة إلى اعترافات علي صالح السعدي نائب رئيس الوزراء العراقي الأسبق وأحد أعوان صدَّام: «إنّ صدَّام ونظامه هما صنيعة أمريكية جاءتْ لتحدَّ من التيار الإسلامي المتنامي في الوطن العربي... إنّنا وصلنا إلى السُّلطة بقطار أنجلو أمريكي» «القَبَس الكويتية 15/١٢/2003م».
هكذا كان صدَّام ونظامه، وكل من على شاكلته من الطُّغاة الذين ابتُلِيَت بهم الأمة، عبر انقلابات عسكرية مشبوهة فَرضَتْ على الأمّة - بالحديد والنار - نظريات وأيديولوجيات فاسدة كالبعث والاشتراكية والقومية التي تم الترويج لها على أوسع نطاق، وتمّ خِداع قطاع واسع من الشعوب بها حينًا من الدهر، سعيًا لتنحية الإسلام عن دُنيا الناس، وفي نفس الوقت أذاقوا الشعوب المُسلمة الويلات، وشنُّوا حملات إبادة على كل من وقف في طريقهم، أو كشف مخططاتهم الخبيثة، وإن ما جرى- ومازال- للإسلاميين المعتدلين في أقطار كثيرة خير مثال: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج:8).
واللبيب من اتَّعظ بغيره، فهل يتعظ الطغاة بما جرى لصدَّام، ويؤوبوا إلى الله ويصلحوا ما أفسدوه قبل أن يحيق بهم المصير الأسود ثم يلاقوا مصيرًا أشد نكالًا في الآخرة.
ثانيًا: إنّ من يقف متأمِّلًا مشهد نهاية الطاغية ونظامه في القفص، ويمدّ بصره، ليتأمل المشهد العراقي اليوم في ظلّ النظام الجديد الذي روج للديمقراطية والرفاهية. يجد نفسه أمام كارثة تتفاقم، ومأساة إنسانية تتزايد.
فالشعب العراقي يُعاني ألوانًا جديدة من الإبادة والقتل والاضطهاد.. قتل طائفي مجرم على الهوية وسجون مكتظّة بالأبرياء من الرجال والنساء، سواء كانتْ تلك السجون تحت إدارة المحتل أم تحت إدارة الحكومة القائمة وحملات اجتياح وتدمير لمدن سنية بأكملها، لا تقلّ هولًا عن اجتياحات العدو الصهيوني.
وإن ما جرى في الفلوجة والرماديّ وتلعفر وسامراء والقائم وحديثة وغيرها خير شاهد، ومقابر جماعية ليس في البَرّ فقط، وإنما في مجمعات المجاري، ومقالب القمامة أيضًا. وكل ذلك يجري على مرأَى ومسمع من الحكومات القائمة في عهد الاحتلال، ودون مطالبة بمحاكمة المجرمين أُسوةً بمحاكمة الطاغية!
وإنّنا نتساءل مع أطراف عراقية عديدة تنشد العدل والخير للعراق، قائلين للسّيد نوري المالكي رئيس الوزراء الذي طالب العراقيين بأن يفرحوا بالحكم بإعدام صدَّام: «أيفرح العراقيون بسقوط أكثر من ستمائة وخمسين ألف شهيد منذ الاحتلال، كما ذكرت منظمات المجتمع المدني، منهم رموز وطنية وشخصيات ذات ثقل في المجتمع العراقي طُويَت أوراق التحقيق في قتلهم دون إعلان نتائجها التي جرت بمعايير مزدوجة؟
أم يفرحون بتهجير عشرات الألوف من العوائل من بيوتهم؟ أم بالفقر والفاقة والبطالة والقتل الطائفي وفقدان الأمن، وبالإرهاب ،وبالمليشيات التي تصول وتجول لتقتل وتخطف دون وازع أو رادع من الحكومة، بل تستخدم أجهزتها الأمنية وإمكانياتها للقيام بكل ذلك؟»
نعم.. سقط الطاّغية وذهب إلى غير رجعة إن شاء الله.. فماذا عن بقية الطُّغاة الجدد الذين يبيدون الشعب العراقي اليوم إبادة طائفية مجرمة؟
نعم.. سقط الطاغية وذهب إلى غير رجعة إن شاء الله.. لكن مأساة العراق باقية وهي تتفاقم، جارفة هذا البلد نحو التّفتيت والتّمزيق والضياع.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل