العنوان نموذجان نسائيان يعبران عن طبيعة الصراع الفكري في عالمنا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1977
مشاهدات 57
نشر في العدد 340
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 08-مارس-1977
تونسية تمثل الهزيمة الكاملة أمام الغزو الأجنبي...
ومغربية تمثل أصالة الإسلام وعزته.. وفهمه
«الحمد لله، يشهد الواضع اسمه عقبه على نفسه ويشهد الله تعالى وملائكته وجميع خلقه أني ما امتنعت عن الموافقة على تمليك من ملك من العبيد إلا لأنني لم أجد له وجهًا ولا مسلكًا ولا رخصة في الشرع، وأني إن وافقت عليه طوعًا أو كرهًا فقد خنت الله ورسوله والشرع وخفت من الخلود في النار بسببه، وأيضًا فإني نظرت في أخبار الأئمة المتقدمين حين أكرهوا على ما لم يظهر لهم وجهه في الشرع فرأيتهم ما آثروا أموالهم ولا أبدانهم على دينهم خوفًا منهم مع تغيير الشرع واغترار الخلف بهم.. إلخ».
1-أدركنا حينًا من الدهر صالت فيه نساء للرؤساء يبشرن بالتحلل من تعاليم الإسلام وأخلاقه، وتأتي علينا أيام رادفات تثني فيها نساء للوزراء، ووزيرات ينحين نفس المنحى، وينهجن نفس النهج.
فهل هذه حلقات أخرى من مسلسل التآمر على عقيدة هذه الأمة ومقوماتها؟ أم أنه مجرد التوافق الغريب للأحداث والتتابع العفوي للظواهر؟
تواردت هذه الأسئلة وغيرها لما نشرته صحيفة (القبس الكويتية عدد 1705 بتاريخ 16/2/77) من محاضرة لزوجة وزير التربية التونسي في مقر الجمعية الثقافية النسائية بالكويت، أكدت الظاهرة وكادت أن تزيح عنها صفة العفوية والتلقائية..
زوجة الوزير التونسي لم يقنعها أن تونس البورقيبية قد سبقت مثيلاتها العربيات إلى إلغاء آخر نظم الإسلام من الحياة الاجتماعية من تونس، بإخضاع الأحوال الشخصية إلى القوانين الوضعية. ولم يكفها أنها اتخذت قدوة في نفس الميدان من قبل دول وأحزاب شيوعية عربية عديدة، في الصومال والمغرب واليمن الجنوبية وغيرها.. بل قفزت إلى ميدان أكبر، وتقلدت مهمة أخطر بمحاولة تنصيب نفسها زعيمة نسائية في العالم العربي المسلم، تدعو إلى الإفتاء بما يوافق رغبة الأجيال (الشابة) وحكامهم، وهوى زوجات رؤسائهم ووزرائهم، بل تتجاوز هذا الحد أيضًا وتحاول تعليم (رجال الدين حسب تعبيرها الغربي) ما يجب عليهم، وتبصيرهم بمهمتهم.. وبالرغم من أن محاضرة (عالمة) المجتمع المخملي التونسي مردودة عليها جملة وتفصيلًا، فقد ارتأينا أن نركز على نقطتين رئيسيتين:
أولاهما: افتخارها بأن (رجال الدين) في تونس منعوا تعدد الزوجات ونسفوا التشريع الإسلامي في ميدان الأسرة.
ونحن لن نلج معها جدلًا في موضوع وجوب التحاكم إلى شريعة الله.. كما أنه قد يكون من غير المفيد لها شرح تعاليم الإسلام في ميدان الأسرة.. والتأكيد على أن قضية تعدد الزوجات وغيرها من القضايا التي تَحاكَم فيها المشرع التونسي- ولا أقول علماء الإسلام في تونس- إلى القوانين الغربية قد وردت فيها نصوص من القرآن والسنة المطهرة لا تقبل الجدل أو التعديل أو النسخ.
وإنما نريد أن نتساءل بهذه المناسبة ونستوضح: كلنا يعلم أن نظام الأسرة والأحوال الشخصية في الكويت نظام إسلامي، وأن الشعب الكويتي يتوق إلى تحكيم شريعة الإسلام في كل ميادين الحياة.. وفي وقت تأكد العزم فيه على مراجعة تشريعات البلد وفقًا لتعاليم الإسلام.
وعندما تعارض محاضرة المرأة التونسية هذا الاتجاه- وفي هذا الوقت- الذي أمر به الله وأجمعت عليه الأمة كلها.. فإننا نتساءل: في أي إطار نضع فيه هذه المعارضة الموقوتة؟ هل هي مجرد مصادفة وتوافق غريب (لبعض الآراء الشاذة)؟ أم أنه التخطيط العالمي لمحاربة هذا الدين واستبعاده عن حياة المسلمين؟ لقد تعودنا من كل الحركات المشبوهة في وطننا المسلم ألّا تكون عفوية.. ونحن نربأ ببنت تونس المسلمة وزوجة وزير التربية فيها أن تكون ضالعة بقصد أو بغير قصد في أي مخطط تخريبي عقائدي.
وليت بنت تونس قلبت صفحات تاريخها وراجعت دينها.. إذن لعرفت أنها قد تكون حفيدة للعالمة المسلمة «فاطمة الفهرية القيروانية» التي أسست أول جامعة إسلامية من مالها الخاص (جامعة القرويين بفاس). وليتها التفتت حواليها فقط فرأت معاصرة لها.. أختها المغربية الأستاذة حبيبة البورقادي من «الرباط» وهي تبشر بالإسلام وتعاليمه في المناظرة الدولية التي نظمها الاتحاد الدولي للنساء. ليت المرأة التونسية المحاضرة اقتدت بمن سبقنها من النساء المسلمات العالمات أو بمن يعاصرنها من الداعيات المخلصات.
والنقطة الثانية:
أن المحاضرة التونسية تجاوزت حدودها فقفزت إلى موضوع العلماء، تحاول تعريفهم بمهمتهم ورسم إطار لعملهم ومجال فتاواهم، فقالت إن (رجال الدين) في تونس اجتهدوا ومنعوا تعدد الزوجات!!
وليتها تريثت قليلًا.. إذن لعلمت أن المهمة التي تطوعت لها أو جُنِّدت فيها مهمة حاول القيام بها دهاقنة للاستعمار ففشلوا، وقادة لجيوش الاحتلال فانهزموا أمام علماء صامدين في الزيتونة والقرويين والأزهر، وفتية مجاهدين في جيش التحرير المغربي، وجبهة التحرير الجزائرية وحركة (الفلاغة) التونسية من أمثال عبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي وساسي الأسود التونسي.. ثم إنهم علماء للإسلام (وليسوا رجالًا للدين كما تعلمتِ من أساتذتك الغربيين الحاقدين على الإسلام من أمثال روسو، وفرويد، وجورج صاند، وبودلير).
وهم (العلماء) كما يعلم الجميع، لا يتعرفون إلى مهمتهم وواجبهم من قِبَل الرؤساء والوزراء والحكام، ولئن كان القهر والإرهاب قد قعد ببعضهم في بلدكِ وحملهم على التواري والنكوص، فإنما هي جولة للباطل تتبعها للحق جولات وصولات.. إن علماء الإسلام لهم مصدر آخر يستقون منه علمهم وأساليب عملهم ومقتضيات مهمتهم.. لهم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122) وليس مهمتهم أن يطوروا الدين ليوافق هوى المفسدين، وإنما واجبهم أن يطوروا الناس ليصلوا إلى الإسلام ورفعته وسموه.
إنهم العلماء.. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28) وإنما هم قدوة الأمة في العلم والعمل والصمود.. ولعلكِ إن رجعتِ إلى أخبارهم تجدي قممًا وجهابذة ومجاهدين.. في كل أرض استظلت بظل الإسلام، لا أسوق للاستشهاد أسماء أعلام من فجر الإسلام، ولا من بلاد مسلمة بعيدة عن الشمال الإفريقي، قد تعتذرين بجهل تاريخها، إنما أسوق من بلدكِ مثلًا واحدًا لهؤلاء المجاهدين، الذين تحدوا بعلمهم وتقواهم أئمة الظلم وزبانية الاضطهاد، ولم يخطر على بالهم أبدًا أن يغيروا تعاليم الإسلام إرضاءً لحاكم أو مجاراة لهوى.. كما فعل من أسميتهم (برجال الدين) من المخاذيل في تونس والمهازيل.
هذا المثل هو المجاهد أبو عبد السلام محمد جسوس.. عالم فاس ورائدها، ذلك أنه في بداية القرن الثاني عشر الهجري كون السلطان العلوي إسماعيل بن الشريف جيشًا من السود جمعهم من أطراف البلاد واعتبرهم عبيدًا له، ثم أمر العلماء بإصدار فتوى شرعية تُمَلِّكه إياهم (الجنود السود)، فمن أطاع من العلماء نجا ومن رفض وعارض سجن وامتحن، وكانت محنة شديدة لم يضارعها إلا اعتقال السلطان نفسه لجميع قضاة المملكة وامتحانهم وسجنهم ثم عزلهم جميعًا (لجهلهم علم ما يطلب منهم عمله). وكان أشد العلماء محنة الشيخ أبو عبد السلام محمد جسوس الذي حقد عليه السلطان (كما يروي صاحب كتاب الاستقصاء الشيخ أحمد الناصري) فسجنه وصادر أمواله ودوره وكتبه وجميع ما يملك هو وأولاده ونساؤه.
ثم صار يطاف به في الأسواق وينادى عليه (من يفدي هذا الأسير؟) والناس ترمي عليه بالدراهم والحلي وغير ذلك من النفائس أيامًا كثيرة، فيذهب الموكلون به بما يُرمى عليه حيث ذهبوا بأمواله، وبقي على ذلك قريبًا من سنة، فكان في ذلك محنة عظيمة له ولعامة المسلمين وخاصتهم، ولما دنا وقت شهادته رحمه الله وقد أيس من نفسه، كتب بخطه رُقعة وأذاعها في الناس، يقول:
«الحمد لله، يشهد الواضع اسمه عقبه على نفسه، ويشهد الله تعالى وملائكته وجميع خلقه أني ما امتنعت من الموافقة على تمليك من ملك من العبيد إلا لأنني لم أجد له وجهًا ولا مسلكًا ولا رخصة في الشرع، وأني إن وافقت عليه طوعًا أو كرهًا فقد خنت الله ورسوله والشرع وخفت من الخلود في النار بسببه. وأيضًا فإني نظرت في أخبار الأئمة المتقدمين حين أكرهوا على ما لم يظهر لهم وجهه في الشرع، فرأيتهم ما آثروا أموالهم وأبدانهم على دينهم خوفًا منهم على تغيير الشرع واغترار الخلف بهم.. إلخ».
ثم بعد ذلك بيومين قتل رحمه الله شنقًا بعد أن توضأ وصلى ما شاء الله، ودعا قرب السحر في ليلة الخميس الخامس والعشرين من ربيع الثاني من سنة إحدى وعشرين ومائة وألف هجرية.. (1701م).
هذا نموذج من العلماء الذين حفظوا للدين حرمته؛ فحفظ لهم الدين هيبتهم واحترامهم على مر العصور.. فمات الحكام والأباطرة والقياصرة وعفا أثرهم وبقي ذكر العلماء المخلصين عطرًا نديًّا يتنسمه طلاب الحق والفضيلة على مر الزمان.
وكلمة أخيرة نقولها:
لمصلحة من يفسح المجال في دولة الكويت المسلمة لهذه الدعوات المشبوهة تخاطب بها نساؤنا وبناتنا وأمهاتنا في وقت تأكد العزم فيه على مراجعة تشريعات البلد وفقًا لتعاليم الإسلام؟
لمصلحة من ترتفع الدعوة إلى نسف تشريعات الأحوال الشخصية المنبثقة من القرآن والسنة؟
من يستفيد من معارضة الاتجاه الطيب الذي تسير فيه الكويت هذه الأيام بعزمها على مراجعة الدستور وإعادة بناء التنظيم الاجتماعي للأمة على أسس الإسلام وأحكامه؟
عسى أن توصد دون الفتنة الأبواب، وتنتبه من غفلتها القلوب والألباب، وتستقيم على نهج الإسلام قلوب لنا وألسنة وخطوات.
2-ألقت الأستاذة حبيبة البورقادي العرض التالي في المناظرة الدولية التي نظمها الاتحاد الدولي للنساء ذوات الوظائف والمهن الحرة، والتي أقيمت تحت شعار: «المرأة المسلمة وإمكانياتها في التطور».
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
حضرة السيدة رئيسة الاتحاد الدولي للنساء ذوات الوظائف والمهن الحرة..
حضرات السيدات عضوات المكتب الدولي المحترمات..
أيتها الأخوات العزيزات:
إنه ليسعدني ويشرفني أن أتاح لي النادي المهني النسوي المغربي المشاركة في هذه المناظرة القيمة التي يرتكز العمل فيها على المرأة المسلمة وإمكانياتها في التطور لأتحدث عن المرأة المسلمة والعمل، بوصف العمل من مميزات الشريعة الإسلامية المعروفة بالتعادلية؛ فالشريعة لا تهتم بالجانب الروحي فقط أو المادي فقط بل تراعي الجانبين وتهتم بالأمرين، وتعتبر أن الحياة حق للناس يجب أن يعيشوها بضرورياتها وحاجياتها، كما تعتبر أن الأعمال المتعلقة بأمور دنيا الناس كالأعمال المتعلقة بأخراهم؛ فهي لا تطلب من المسلمين أن يعتزلوا الدنيا أو ينسوا حظهم منها، كما لا تريد منهم أن يجعلوا الدنيا أكبر همهم ومبلغ علمهم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص: 77)؛ فالشريعة الإسلامية بهذا المعنى تعادل بين مادة وروح فأحكامها وسط بين الشرائع، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143).
والمجتمع الإسلامي يقوم العمل فيه على أساس استغلال الطاقات والاستفادة من جميع الإمكانات في تضامن وتآخٍ، لما يصلح حال المسلمين ويسير بهم إلى الأمن والسلام، السلام الذي هو القاعدة الدائمة للإسلام، السلام الذي يحقق كلمة الله في الأرض من العدل والأمن لجميع الناس، أولًا في ضمير الفرد ثم في الأسرة ثم وسط الجماعة ثم بين الأمم والشعوب، وذلك لا يتأتى إلا بمشاركة المرأة في الصالح العام بالخدمة والفكر والإرشاد ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (النساء: 124) ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران: 195) فالعمل في نظر النبي صلى الله عليه وسلم أول واجبات الحياة، وما أروع ما قال في الحث على تعمير الدنيا «إن قامت على أحدكم القيامة وفي يده فسيلة فليغرسها»، ولم يترفع هو نفسه صلى الله عليه وسلم عن العمل ولا أحد من صحابته ولا أحد من التابعين والفقهاء، فلقد كان أبو بكر بزازًا وقبله كان عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، وكان الإمام الأعظم أبو حنيفة خرازًا، كما كان الإمام ابن حنبل يعمل بيده ويسوي تراب أرضه، وربما أخذ القَدوم وخرج إلى دار السكان ليعمل، وكان يأمر أولاده بأن يختلفوا إلى السوق وأن يتعرضوا للتجارة، ويأمر أصحابه من المالكين بأن يلزموا ضياعهم ليعملوا فيها، وقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن أطيب الكسب فقال: «عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور».
لقد مجد الإسلام بأسلوبه الروحي السليم العمل أكثر مما مجدته المذاهب المستحدثة، وسئلت مولاتنا عائشة رضي الله عنها: أي العمل كان أحب إلى النبي؟ فقالت: الدائم. وسئل النبي: أي الأعمال أحب إليه، فقال: «أدومها وإن قل». ويجب ألّا يغيب عن الأذهان أن الفكرة السائدة في الإسلام لتبرير تمليك أي مال- عقارًا كان أو منقولًا- إنما تقوم على تقديس العمل، فليس للإنسان إلا ما سعى لأن سعيه هو الذي يجعل كسبه حلالًا.
وقد لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا أبا هريرة وكان قاعدًا عن العمل فقال له: ألا تعمل؟ قال: لا أريد العمل، قال: قد طلب العمل من هو خير منك.. يوسف عليه السلام ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ (يوسف: 55).
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّم أم عطية كيف تغسل الميتة، وعلم فاطمة رضي الله عنها كيف تعالج الجروح حتى تندمل، وفي إحدى الغزوات استأذنت امرأة أن تخرج لجذاذ النحل فأذن لها، وقصة أم حرام عندما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن صحا من نومه وهو يضحك: «عرض عليَّ أناس من أمتي يركبون ظهر البحر الأخضر كالملوك على الأسرّة»، فقالت أم حرام: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «أنت من الأولين»، فركبت أول أسطول عربي مقاتل في البحر المتوسط. وقد ورد ذكر أسماء بعض النساء العربيات اللاتي احترفن التدريس وتتلمذ لهن الرجال كالنساء ومنحن إجازات التدريس لكبار الرجال، كأم المؤيد أستاذ ابن خلكان التي أجاز لها الحافظ ابن الحسن أن تروي علمه في الحديث والأخبار. وقد ذكر المستشرق «براون» أن النساء لم يقتصرن على الدراسة بل قمن إلى جانبها بالأشغال المنوعة، فكن يزاحمن الرجال في مهن مختلفة كالتدريس والطب وشغل الوظائف الهامة في الخدمة المدنية. وفي العصر العباسي بلغ عدد المحاضرات ثمانين.
وإذا كان خطاب الله تعالى للمسلمين بالمذكر ينسحب بداهة على الرجل والمرأة على حد سواء، والخطاب المجموع يكون بالحديث عن المذكر كما جرت بذلك تقاليد الإنشاء البياني؛ فإن القرآن حينما يعمد إلى التخصيص بذكر الذكر والأنثى معًا فإنما يرمي إلى قصد معين بذاته وهو تكريم المرأة. وفي ذكر الكتاب العزيز الذكر والأنثى في مقام الخير وتبشير كل من الجنسين بأحسن الجزاء التفاتة كريمة للمرأة، وتذكير لها بأنها في رحاب الثواب الإلهي ما دامت أهلًا للثواب ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (النساء: 124).
فالعمل إذن شريعة إسلامية للجنسين وإن للرجال أعمالًا تناسبهم وللنساء أعمالًا تناسبهن، إلا أن الإسلام لم يدخل في تفصيل ذلك تاركًا إياه لإملاء الفطرة وطبيعة الواقع، فلم يقل أعمال الرجال هي كذا وكذا وأعمال النساء هي كذا وكذا، وإنما ترك ذلك للناس وللميول الطبيعية في كلا الجنسين.
وبما أن الإسلام وضع المرأة في مكان المسؤولية عامّها وخاصّها، وأمرها بتعلم ما تحتاج إليه في دينها ودنياها، وفسح لها المجال في الجهاد والغزو، وجعل لها حقًّا في الميراث، فلم يكن من المعقول أن يسلبها أهلية مباشرة الحقوق المدنية من بيع وشراء، فأباح لها أن تملك وأن تتصرف فيما تملك، وأباح لها توكيل غيرها فيما لا تريد مباشرته بنفسها، وأباح لها أن تضمن غيرها ويضمنها غيرها، وأباح لها كل ذلك على نحو ما أباحه للرجال سواء بسواء.
ولا أعلم أحدًا من فقهاء الإسلام رأى أن النصوص الواردة في مباشرة التصرفات المالية خاصة بالرجل دون المرأة ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (النساء: 32) أما المال المكتسب فلا يفرق الإسلام فيه بين الرجل والمرأة، لا في الأجر على العمل ولا في ربح التجارة ولا في إنتاج الأرض في الفلاحة.
وهذا أبو بكر الصديق عندما أخبر باكتشاف منجم للذهب سوَّى في توزيعه بين الذكر والأنثى، فوضع بذلك قاعدة مفادها أن أجر المرأة كأجر الرجل على حد سواء، ما دامت تقوم بنفس العمل وتتحمل نفس التبعات والمسؤوليات.
وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي المرأة من الغنيمة كما يعطي الرجل، ولا تضع قضية التفرقة في الميراث المرأة في نصف قيمة الرجل كما يفهم العوام وكما يدعي أعداء الإسلام؛ فالإسلام دين يحرص على حفظ المجتمعات من التدهور والانحطاط بالكد والإخلاص، ودين مبني على العمل يجله ويقدسه لا يمكن أن يقال عنه إنه ينبذ المرأة.
ونساء عصر النبوة ضربن المثل الرائع في العمل والصبر والمثابرة ولم يمنع الإسلام المرأة إلا من التبذل والانزلاق في حمأة الرذيلة وقد منع من ذلك الرجل أيضًا.
وهناك بعض التشريعات المطبقة في بعض البلدان الإسلامية ومنها المغرب فيما يخص أهلية العقود، حيث تعطي الأهلية للمرأة قبل الزواج وتجعلها ناقصة الأهلية بعد الزواج، بحيث لا تستطيع القيام بالأعمال التجارية إلا بموافقة زوجها، وتبقى بذلك إجازة الزوج عرضة للسحب في كل حين في حالة سماحه لها بالإتجار طبقًا للتشريع الفرنسي وفي ذلك حيف على المغربية، إذ الشريعة الإسلامية قائمة على أساس الفصل بين أموال الزوجين من جهة ومنح المرأة شخصيتها القانونية الكاملة من جهة أخرى.
فعلى المسلمين في العالم الإسلامي أن يعملوا على إسعاد المسلمة وتحسين أحوالها، فذلك شرط أساسي لممارستها مهمتها المنوطة بها، ولا يصلح أمر المجتمعات الإسلامية إلا بتطبيق الشريعة الإسلامية نصًّا وروحًا، ونبذ الخرافات والأباطيل التي علقت بكثير من الأذهان؛ مما يستوجب السعي لإعداد حملات توعية منظمة ومستمرة توعي الرجل والمرأة على السواء بالتشريع الإسلامي وأهدافه المثلى.
وإن ما يحدث من حيف وظلم لحقوق المرأة في المجتمعات الإسلامية ليرجع إلى إساءة فهم التشريع أحيانًا وإساءة تطبيقه أحيانًا أخرى.
إننا لا نرقى إلا بمجتمع صالح، وبقاء المجتمع الصالح لا يتحقق إلا إذا سعينا نحن المسلمين لتعميم التربية الإسلامية الصحيحة في مدارسنا ومؤسساتنا التعليمية العليا، وعملنا على توجيه أبنائنا وبناتنا توجيهًا صحيحًا يعد الأم الصالحة والأب الصالح، وإن التشبث بذلك لهو الحل الوحيد لاستقلال شخصيتنا وفرض وجودنا، وإذا قلدنا غيرنا فيجب أن نقلده فيما يصلح شأننا ويرفع قدرنا.
وليس من الإسلام في شيء أن تلقي المرأة حظها في بناء المجتمع الإسلامي على الرجل وحده؛ بحجة أنه أقدر منها أو أنها ذات طابع لا يسمح لها بأن تقوم بهذا الواجب، فللرجل دائرته وللمرأة دائرتها، والحياة لا تستقيم إلا بتكاتف الجنسين فيما ينهض بالأمة الإسلامية، فإن تخاذلا أو تقاعس أحدهما انحرفت الحياة عن سبيلها المستقيم واضطربت أمورها وابتعدت عن التطور.
وتجدر الإشارة في النهاية إلى أن تخطيطًا تعده الأقطار الإسلامية لتطوير مجتمعاتها لمساهمة المرأة في ميادين العمل المختلفة يجب أن يحاط بكثير من الحصانات، التي تقيه من أخطار مستحدثة، وأن يراعى فيه قيامها بمسؤوليتها كربة بيت ومربية أبناء، وأن تحظى بكثير من الرعاية التي تعتمد التوجيه والإرشاد والتربية والتوعية في المدن والقرى والمصانع والمشاغل، كما تعتمد العناية بشؤونها الصحية وإيجاد الحلول لمشاكلها التي ترزح تحت عبئها، وعلى رأس تلك المشاكل الأمية المنتشرة بين النساء في البلاد الإسلامية بصفة رهيبة.
أخواتي العزيزات..
يسعدني أن أقترح في ختام هذا الحديث أن تصدر عن ندوتكم هذه التوصيات الآتية:
1- أن يقوم الاتحاد الدولي للنساء ذوات الوظائف والمهن الحرة بالسعي لدى الحكومات الإسلامية، بتضمين برامج التعليم بما يصحح نظرة المجتمع الإسلامي للمرأة وتوعيته بأهمية دورها الأساسي في النهوض والتطور.
2- إدخال برامج العلاقات الشخصية والحياة الزوجية والشؤون الصحية في البرامج الدراسية في جميع المدارس والمؤسسات التعليمية، وبث الوعي بالمنهج الإسلامي في الحياة.
3- وضع برامج للتنمية الريفية التي تتضمن التدريب على أساليب الزراعة الحديثة، وإنشاء تعاونيات للتجارة والتسويق وتربية الحيوانات؛ لتخفيض الهجرة إلى المدن والحد مما ينتج عنها من مشاكل خطيرة.
4- وضع نصوص تمنع من تشغيل المرأة في الأعمال الشاقة والضارة بالصحة والأخلاق وإخضاعها للتطبيق.
5- محو أمية النساء مع التركيز على المرأة العاملة في قطاع الإنتاج.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل