العنوان نقوش على جدار الدعوة.. نظرة على الدعوة الإسلامية في مهدها
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1998
مشاهدات 61
نشر في العدد 1292
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 17-مارس-1998
نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآيات الخالدات: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾ (العلق: ١-٥)، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته يرجف فؤاده، ودخل على خديجة قائلًا: «زملوني.. زملوني» (أخرجه البخاري (4957)، ومسلم (160)) ثم قال لخديجة رضي الله عنها بعد أن ذهب عنه الروع: «لقد خشيت على نفسي». (رواه البخاري ومسلم)
قالت: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق» إنها الشمائل المحمدية، التي تجعل الزوجة الوفية تنطق بهذه الأمارات التي لا يخزي الله صاحبها، ولا يخذل من اتصف بها، بل يوفقه ويرعاه ويعينه ويحيطه بحفظه، لأنه أعان الناس: «والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه» (من أفراد مسلم على البخاري) إن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان معينًا للناس، يعطي المحروم، ويكسب المعدوم، ويمنع الظلم، وينقذ المظلوم، ويصل الأرحام، فكيف يخزيه الله؟ وكيف لا يجزيه أحسن الجزاء على هذا العمل وذاك الفضل؟
تلك الفضائل لا قعبان من لبن شيبًا بماء فعادًا بعد أبوالً
وتنطلق خديجة به إلى ورقة بن نوفل، والذي يبشر بالخير ويحث على الصبر بعد أن يعلم الخبر ويقول للرسول صلى الله عليه وسلم: هذا -والله– الناموس الذي نزل على موسى، يا ليتني أكون -جذعًا شابًا قويًا– إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجي هم»؟ (أخرجه البخاري (3)، ومسلم (160)) قال: «نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك انصرك نصرًا مؤزرًا».
إنها سنن الدعوات لا تحيد، وبلاء الدعاة الذي يتجدد مع كل دعوة.. ودعوة الحق يناصروها الأقلون ويعاديها الأكثرون الأخسرون أعمالًا {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} (الكهف: ١٠٤)، العداوة للدعاة والدعوات قائمة لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وتزيد العداوة أو تضعف بحسب صلابة الدعاة وقوتهم في الحق وتمسكهم بالمنهج، وقد تصل إلى التجويع والتخويف ومصادرة الأموال والتضييق على الأهل والأولاد، ثم التصفية الجسدية في نهاية المطاف إن لزم الأمر، وحار أهل الباطل: ماذا يفعلون حتى يوقفوا الدعوة عن سيرها، ويضعوا العوائق في طريقها؟
والناس أمام الدعوة صنفان: صنف يعلن استعداده للتمسك بالحق قبل ظهوره وبروزه، فإن ظهر هذا الحق حاد عنه، واجتنب طريقه، ومن هؤلاء أمية بن أبي الصلت الذي عد من الحنفاء في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كفر به وابتعد عن هداه، فكان ممن أضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، وصنف آخر ما يكاد يسمع بهذا الحق حتى ينضم إلى كتيبته، ويعمل على إظهاره ونشره بكل سبيل، ومن هؤلاء أبو بكر الصديق الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له نظرة غير أبي بكر، فإنه لم يتلعثم» فكان أبوبكر بذلك السبق وعدم التردد في الإيمان مفضلًا على غيره من المسلمين الأولين الذين ظلوا يعملون بجد وإخلاص لنشر هذا الدين حتى أتاهم اليقين، فهل يعي الدعاة – اليوم- هذه الدروس؟ وهل يدركون أنهم يسيرون على خطى السابقين يصيبهم ما أصابهم لينالوا بعض ما أثبته الله لأولئك في كتابه ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ۱۰۰). فهل دعاة اليوم يتبعون –بإحسان– خطوات السابقين؟ وهل يعرفون سنة الله في العاملين الذين يعلمون أن الناس قد جمعوا لهم العداوة من أطرافها والأذية من شعابها فلا يأسون على ما أصابهم بل يقولون: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ (آل عمران: ١٧٣).
وهل يغيب عنا ونحن نتأمل في مهد الدعوة موقف المرأة منها؟ الم تكن أم المؤمنين خديجة أول من أمنت بالدعوة على الإطلاق؟ ثم ألم تسخر أموالها وتجارتها وكل ما تملك الخدمة الدعوة والداعية محمد صلى الله عليه وسلم ؟ ألم تكن سمية أول شهيدة في الإسلام بعد أن طعنها عدو الله أبو جهل بحرية أمانتها، فلقيت ربها طاهرة مطهرة؟ إن لكل من أسلم في مكة - حرًا كان أم عبدًا ذكرًا كان أم أنثى- دورًا في رفعة شأن الإسلام والمسلمين.
فهل مسلمو اليوم جميعهم يستشعرون مسؤوليتهم - بحسب قدرتهم- عن هذا الدين؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل