; نقوش على جدار الدعوة.. نحو تأصيل العمل السياسي الإسلامي (4) | مجلة المجتمع

العنوان نقوش على جدار الدعوة.. نحو تأصيل العمل السياسي الإسلامي (4)

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1997

مشاهدات 67

نشر في العدد 1257

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 08-يوليو-1997

الغاية الغاية.. أيها السياسيون

إنما تقاس الأعمال بثمارها وأهدافها، فإن حسنت الغايات كانت الأعمال ذات أهمية وأولوية، واستعذب في سبيلها ومن أجلها كل جهد، واسترخص كل غالٍ، وغاية المسلم هي مرضاة الله رب العالمين التي لا تتحقق إلا إذا أطاع الإنسان ربه وأعلن اعتزازه برسالة الإسلام متمثلة في عقيدته التي هي مصدر الطاقة والقدرة والجهاد والحركة، وفي شريعته التي هي مظهر السلوك والعمل والقانون والتعامل الشخصي والجماعي، وفي أخلاقه التي تصون من أي انحراف، وتقضي على أي اعوجاج نفسي أو سلوكي، وفي حضارته، التي تعلي من شأن العلم والمعرفة، وتحيي حقوق الإنسان كما جاء بها القرآن وبينتها السنة النبوية الشريفة «وكونوا عباد الله إخوانًا»، «لا فضل لأسود على أحمر إلا بالتقوى»، «لا إكراه في الدين»، «ولقد كرمنا بني آدم».

حين تكون رسالة الإسلام هذه هي مهمة المسلم فردًا كان أو مجتمعًا تكون هي أسمى الغايات وأعظم ما يستحق البذل والعناء، لأن في الاشتغال بها الاستقامة في الدنيا والآخرة وتحقيق الدرجات العلا، ونيل رضوان الله، وفي سبيل هذه الغاية وحدها تنزوي المآرب الشخصية والأهواء الذاتية، والمكاسب الحزبية، فلا يكون الحب إلا في الله، ولا يكون البغض إلا لله، ولا يكون الاستجواب أو سن القانون والتشريع إلا في الله كذلك، فيتحقق بذلك صالح المجموع، لا صالح فئة محدودة أو جماعة معينة.

وإذا اتضحت هذه الغاية أمام السياسيين وشعروا عن سواعدهم مجدين في تحقيقها، عاملين على تطبيقها، فإنما ينبغي لهم كذلك أن يكون طريقهم أو وسيلتهم للوصول إليها خالية من الإيذاء والدهاء والخداع، «فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» والذكاء السياسي لا يعني الكذب والنفاق والزلفي، والتلون بألوان الطيف، والقفز فوق كل الحبال، ولبس قناع لكل حالة يناسبها، وملاقاة هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه بحسب المصالح والمنافع، ومقدار ما يتحقق من وراء ذلك من كسب مادي أو منصب فيه وجاهة، أو مغنم دنيوي.

إن هذا الذكاء السياسي ليس من الإسلام في شيء، إنه أشبه بمن يريد المال فسرقه، إذ لا يختلف أحد على إنكار جريمته والنفور من فعلته، وكذلك الوسيلة غير النظيفة التي تفضي إلى غاية شريفة، وإنما الذكاء السياسي المشروع يتمثل في قول عمر : «لست بالخب، والخب لا يخدعني»، ويتمثل في قول الرسول  الذي رواه أبو هريرة: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» (متفق عليه)، وكثيرة هي المواقف السياسية التي تحتاج إلى ذكاء وفراسة دون تلون أو كذب أو تحول عن مبدأ من المبادئ، أو غاية من الغايات، وفي ضوء هذا يتضح خطأ المقولة الشائعة: «إن السياسة لا تعرف صداقة دائمة ولا عداوة دائمة وإنما هي المصلحة» لأن المصلحة تتغير في عرف الناس وفي أذهانهم وتطلعاتهم وتميل معها النفوس كل الميل، فهذا مصلحته تخالف مصلحة الآخر، وهذه المجموعة مصلحتها مغايرة لمصلحة الأخرى، مما يوجد في البناء الاجتماعي نوعًا من النفور والتأكل، لا يكون في النهاية في صالح المجتمع، ولا ينبغي في العمل السياسي الإسلامي أن ترتبط صداقة أو عداوة أو مصلحة إلا إذا ارتبطت بمنهج الله وشرعه، فمن اقترب من هذا المنهج أحببناه ووليناه وصدقناه، ومن حاد عنه اجتنبناه ولم نصادقه، وبهذا وحده يسلم المجتمع من التأكل الاجتماعي ومن التقلب السياسي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أو العكس مثلما نرى في بعض المجتمعات، ويسلم المجتمع كذلك من المغامرين السياسيين الذين يزجون بمجتمعاتهم في كل معمعة، ويخوضون بهم كل لجة، رجاء معونة تأتي من هنا أو من هناك أو رجاء موقف مساند من هذا أو من ذاك، وقد كانت آفة كثير من مجتمعاتنا الإسلامية في العصر الحديث وجود هؤلاء المغامرين السياسيين، الذين أثبت الكثيرون منهم أنهم - في سبيل مصالحهم الخاصة - لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، ولا يتورعون عن إثارة الفتن والقلاقل في المجتمع الواحد، حتى تظل لهم الصدارة، ويحققوا غرضهم السياسي بشيء من الشطارة، إذ لا ينبغي أن يتقدم لحمل أمانة العمل العام، وفي مقدمته العمل السياسي إلا القوي الأمين الحفيظ العليم، الذي يخشى الله، ويتحمل كل ما يواجهه في سبيل رضاه، وإلا ففي غير ذلك من الأعمال لكل أحد سعي ومجال، وقد ضرب لنا العلماء العاملون من سلف هذه الأمة الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة حين كانوا لا يتصدون للفتوى وهي جزء من العمل العام إلا بعد تمحيص شديد واختبار مكين، ثم هم بعد ذلك يتدافعون الفتوى، كل يرد أن يتخلص منها ويتركها لغيره، ولولا الهرب من الإثم، وتعين البعض للفتوى لما تصدى لها أحد، لأن الجميع يود أن يخلص نفسه قبل أن يخلص هذا المستفتي، وهكذا العمل السياسي في الإسلام لا يلجأ إليه أحد إلا تخليصًا للأمة من إثمها حين لا تقوم بواجب كفائي، أو في بعض الأحيان بواجب عيني، وهذا ما فعله عمر بن الخطاب - - حين أشاروا عليه أن يجعل عبد الله بن عمر أحد الذين يختارهم المسلمون من بعده فأبي وقال: «يكفي آل الخطاب أن يحاسب منهم واحد عن أمة محمد»، فليس التدافع والتسابق نحو العمل السياسي من دأب الفاهمين من المسلمين، وإنما التدافع والتسابق من العمل فيه هو دأبهم وشأنهم، ولولا أن هذا العمل لا بد أن يقوم به أناس من المسلمين ما تقدم إليه أحد، والموازنة هنا لا مفر منها بين الابتعاد عن العمل السياسي مع ما في ذلك من أضرار للعامة، وبين الدخول فيه مع ما في ذلك من أضرار بشخص هذا السياسي أو ذاك ممن رضوا أن يحملوا عبء العمل العام في هذا المجال، ولكنهم يدركون أن جهودهم لن تضيع سدى، وأن عملهم له ثمرته الباقية عند الله: ﴿ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾ (سورة الكهف: 30)، وفي سبيل مرضاة الله تهون المشقات، وهذه هي الغاية أيها السياسيون.. فأين أنتم منها؟.

الرابط المختصر :