العنوان نقوش على جدار الدعوة: ليس دفاعاً عن الحركات الإسلامية
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997
مشاهدات 110
نشر في العدد 1253
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 10-يونيو-1997
الحركات الإسلامية وغياب التخطيط:
لا ينكر أحد أهمية التخطيط للدولة وللفرد وللجماعة على السواء؛ لأن التخطيط في ترجمته يعني تحديد هدف معين، ووسيلة للوصول إلى هذا الهدف في مدة زمنية معلومة، مع توقع حدوث بعض المعوقات هنا أو هناك، ومعرفة كيف تفاديها أو التغلب عليها، والأهداف النبيلة والغايات الجسيمة تحتاج إلى جهود كبيرة وأعمال عظيمة، تحملها همم عالية، ونفوس ألفت الصبر وطلبت المثوبة والأجر، ولذا فإنها لا تنصرف عن أهدافها، ولا تمل عملها، ولا تضيق من طريق طال سلوكه، دون أن تغيب معالمه.
وأهداف الحركات الإسلامية ليست خافية على أحد؛ لأنها معلنة في كل مكان وفي كل آن، إنها تتركز وتتمحور حول سيادة شرع الله في بلاد المسلمين، بحيث لا يزاحم شرع الله المقطوع به مزاحم من قوانين البشر وتشريعاتهم، إلا أن يكون مستمداً من كتاب الله، وهدي رسوله الله.
والوسيلة لتحقيق هذا الهدف معروفة معلنة كذلك، إنها الدعوة إلى الله على بصيرة، واتباع منهج رسول الله ﷺ التمسك بقول الله -سبحانه-: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة يوسف: 108).
معوقات التخطيط:
ومادام الهدف معروفاً والوسيلة معروفة، فماذا يمنع وجود التخطيط؟ إنما المانع من ذلك هو المعوقات الكثيرة التي تفصل التواصل بين الوسيلة والغاية، فتتسع الوسيلة وتمتد دون أن تصل إلى هدفها، وإن اقتربت منه في بعض الأحيان وبعض البلدان، ولقد أصبح من المسلمات أن كثيراً من الأنظمة في الشرق أو في الغرب تعمل على وأد الحركات الإسلامية، مما جعل كثيراً من الضربات المتتالية الموجعة تنزل بالحركات الإسلامية وتعصف برجالها، دون أن تتمكن الحركة الإسلامية من تفادي هذه الضربات؟ فكيف يمكن للمسجونين أو المضطهدين أو المعذبين أن يخططوا وهم ليسوا أحراراً في أقوالهم؟ تحصى عليهم حركاتهم، وتصادر أملاكهم، ويعتقلون سنين عدداً، وتثار بينهم الفتن عن طريق بعض الذين يضعفون عن التبعات، أو يأملون في مغنم، أو يهربون من مغرم، وكل ذنب جناه هؤلاء أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد، وسعوا مطالبين بأن تكون كلمة الله هي العليا في بلاد المسلمين.
غياب المبررات:
ولسنا نتخذ ذلك مبرراً لغياب التخطيط أو الارتجال والسير على غير هدى وسط الأشواك التي تلقى من هنا أو من هناك، بل إننا نؤيد العاملين المخلصين الذين يطالبون بضرورة الدراسة والتخطيط، وتغليب الجانب العلمي على الجانب العاطفي في كل أمر من أمور الحركة الإسلامية، وقد ذكرنا في عدد قريب من مجلة المجتمع بعض آراء هؤلاء الدعاة الذين نؤيدهم فيما دعوا إليه، ولكنا نلتمس بعض العذر للحركة في بعض الفترات الماضية التي خلت فيها الساحة من جهودها الدعوية، وأطلق لمناهضي الحركة العنان كي يشوهوا صورتها، طمعاً في أن ينصرف الناس عنها، إن لم يقفوا منها موقف العداء الصريح، وهذا دفع الحركة الإسلامية أن تكرس جهودها في الدعوة إلى الله، وتزيل عن آفاق البلاد الإسلامية الغاشية التي تحول بين الناس وبين الرؤية الواضحة السمحة لتعاليم الإسلام، كما جاء بها محمد بن عبد الله ﷺ والتي تجد لها صدى كبيراً في نفوس المسلمين؛ لأنها تلبي أشواق الفطرة السليمة، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم.
ضرورة التخطيط:
وإذا كان هناك عذر مانع من التخطيط في مرحلة من المراحل، فأولى بنا -وقد تجاوزت الحركة والصحوة هذه المرحلة- أن نأخذ أنفسنا بالتخطيط المبني على أسس علمية صحيحة، يضعها أصحاب الخبرات المشهود لهم بالكفاءة والمعرفة، حتى تتضح معالم الطريق بين الوسيلة والغاية، فلا يتباطأ أحد، أو يبتعد عن الطريق التي ينبغي أن نقطع فيه كل يوم خطوات، ولن يتحقق ذلك كاملاً في غیاب تخطيط مرحلي، تراعى فيه طبيعة وظروف كل مكان في بلاد المسلمين، بحيث لا تغيب المواسمة بين هذا التخطيط النظري وبين البيئة التي يطبق فيها تطبيقاً واقعياً عملياً، ثم يمتد هذا التخطيط المرحلي ليعطي صورة متكاملة لدور الحركة الإسلامية في بلاد المسلمين في الحاضر والمستقبل، وبيان مدى ما يمكن أن تقدمه للناس في معاشهم الذي ينبغي أن يقوم على النصفة والعدل والحق والعلم والعمل، ومعادهم الذي يتوقف ثوابهم فيه على طاعة الله وطاعة رسوله، والتمسك بهذا الدين بإخلاص، والجهاد في سبيل أن تكون كلمة الله هي العليا.
وهذه المهمة منوطة بأصحاب البصائر النافذة والهمم العالية من أبناء الحركة الإسلامية، الغيورين على دين الله وعلى مصالح المسلمين، فهل يتقدمون لأداء هذه الأمانة؟.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل