العنوان سلسلة النجاح "6".. للعمل النافع نتائج عديدة
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1998
مشاهدات 50
نشر في العدد 1325
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 10-نوفمبر-1998
● تربية مجموعة من الشباب تؤدي في المقام الأول إلى إيجاد رجال نافعين تعتمد عليهم الأمة في نهضتها.
● التقوى والطاعة هما عماد كل خير في النفس وفي المجتمع.
قد يظن بعض الجادين المجيدين أن الغاية من أعمالهم الإصلاحية قاصرة على ما حددوه وبينوه من أهداف، يرونها أمام أعينهم، أو يتصورونها ببصائرهم، وهذا غير صحيح تمامًا حتى في الحالات الخاصة التي يؤثر فيها الإنسان نفسه، فإنه- من حيث لا يدري- يقدم للآخرين نفعًا، وقد لمس الشاعر من قديم هذا المغزى الاجتماعي في الأعمال فقال:
الناس للناس من بدو وحاضرة**** بعض لبعض- وإن لم يشعروا- خدم
والأعمال العامة يتسع نفعها، ويتشعب مردودها الحسن مع تحقيق الهدف الأصلي منها لفاعلها.
فتربية مجموعة من الشباب مثلًا تؤدي في المقام الأول إلى إيجاد رجال نافعين، تعتمد عليهم الأمة في نهضتها، وهذا الهدف الأصلي يحقق إلى جانبه أهدافًا أخرى تابعة له قد لا يلتفت لها المربي أثناء عمله، منها صلاح المجتمع، ومنها إنجاز الأعمال في أوقاتها، ومنها إشاعة الأمانة ومراقبة الله، ومنها إيجاد القدوة الحسنة بين الشباب، ومنها مقاومة الشر، وهو خاطرة في النفوس قبل أن يصير وحشًا مفترسًا يمشي بين الناس على الأرض ومنها إلخ تعدد جوانب الخير من حيث ندري ولاندري من سمات العمل النافع المفيد، قصد صاحبه ذلك أم لم يقصد.
وفي الكون من حولنا شواهد عديدة تؤيد ما نقول، فالنحلة حين تمتص رحيق الأزهار لا تقصد غير ذلك، ولا تنتبه له، لكنها وهي تفعل هذا العمل تجمع بأرجلها- من حيث لا تدري حبوب اللقاح، لتنقلها إلى زهرة أخرى، وتتابع هذه العملية فتظهر نتائجها في الحقول الخضراء المليئة بالزهور الرائعة.
وبالطريقة نفسها، فإن سعيك لتحقيق أهداف مفيدة ونافعة، قد يؤدي بدوره ثمارًا غير متوقعة للآخرين (٣٦٥) خطوة للنجاح ص (٣٥) فالخير يعم نفعه وإن لم يقصد صاحبه، والشر يعود ضرره على فاعليه غالبًا، وصدق الله ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾ (فاطر:43)، فهل يعي ذلك الواقعون في الشر المعرضون عن الخير؟ وهل يفرح بذلك أهل الخير فيزداد عملهم، ويكثر مجهودهم، من أجل أن يعم النفع، ويمتد إلى شعاب لم تكن في حسبانهم، وأماكن لم تكن في تقديرهم، ولعل في هذا الذي نقول ما يدخل في إطار الآية الكريمة: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا استَطَعتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِم لَا تَعلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعلَمُهُم وَمَا تُنفِقُواْ مِن شيءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لَا تُظلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60)
فالإنفاق في إعداد القوة بكل جوانبها يرهب به عدو الله وعدو المسلمين، وهذا ما نراه ونعمل من أجله، ولكن الله سبحانه يخبرنا أن هذه الرهبة تتعدى إلى آخرين لا نعرفهم، ونحن- بالطبع- لم نقصد إعداد العدة لإرهاب هؤلاء الآخرين، لأننا لا نعرفهم أصلًا، فالعمل النافع هنا تعدى نفعه الهدف المباشر المقصود منه إلى هدف أكبر وأوسع وأعظم نفعًا للمؤمنين، ولعل هذا يدفعنا لكل عمل مفيد ولو لم تظهر لنا ثمرته المباشرة، مع عدم الإخلال بالأولويات، ويتيح لنا هذا العمل الاستمتاع بالسعادة غير مرة، حين تظهر لنا آثار الأعمال النافعة في تتابع لم يكن في تقديرنا حين قمنا بها وحققناها ولن يقوم بالأعمال النافعة إلا أناس تتجدد آمالهم، وتتعالى طموحاتهم فلا يعبأون بالصغائر، بل هدفهم عظائم الأعمال، وكبار الغايات، فهذا عمر بن عبد العزيز كان يتطلع إلى أن يتزوج فاطمة بنت عبد الملك الخليفة الأموي، فلما تزوجها تطلعت نفسه إلى الإمارة، فلما حصلها تطلعت نفسه إلى الخلافة، فلما صار خليفة تطلعت نفسه إلى الجنة، وهو في كل هذه التطلعات أفاد كثيرًا من المسلمين بتحقيق الخير والصلاح الذي يعم الناس أجمعين.
وهو بالطبع- وغيره ممن يحاول أن يسير على دربه، ويعمل بعمله لم يحقق مقصودة إلا بالطاعة والتقوى فهما عماد كل خير في النفس وفي المجتمع، ونحن في حاجة دائمة إلى النمو الروحي، فهو الغذاء الذي تحيا به أرواحنا وتزدهر، وتتجه إلى الخير والسداد وتقديم العون المادي والمعنوي للآخرين، كي يحيوا الحياة الطيبة التي أرادها الله للمؤمنين.