العنوان نقوش على جدار الدعوة .. دعوة لعقلاء الأمة
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1997
مشاهدات 95
نشر في العدد 1250
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 20-مايو-1997
إن معادن الرجال لا تظهر إلا في الشدائد، لأنها المحك الحقيقي الذي يكشف دخيلة الإنسان، ويظهر جوهره ومدى قدرته على الصمود في وجه الأحداث والتغلب عليها، أو على الانهيار أمامها والاستسلام لمتطلباتها.
وأعاظم الرجال هم الذين يجابهون –في عزة ومقدرة وحنكة– أعتى المشكلات ويتخلصون، ويخلصون غيرهم من آثارها وغير هؤلاء من الرجال همهم معدة تملأ ومتعة تقضى فإذا جد الجد، ونودي واإسلاماه ذابوا بين الناس وتلاشى كل أثر لهم، فلا يبقى في الميدان غير الأكفاء، الذين تعلقت هممهم بالثريا، وارتبطت قلوبهم بالله وترطبت ألسنتهم بالذكر والدعاء والرجاء، وجرت دموعهم علىخدودهم فرقًا وخوفًا وخشية لله رب العالمين.
وأكثر هذا الصنف مهضوم – بين الناس – حقه مجهول قدره يؤخر في المواطن التي يجب فيها تقديمه ويدعى غيره لاقتسام المغنمدون تحمل أي عبء من المغرم، فصار الجميع يجري على سنة الشاعر القديم:
وإذا تكون كريهة أدعَى لها *** وإذا يُحاس الحيس يُدعى جندب
إن هؤلاء الرجال الأكفاء هم الذين لا يفقدون الأمل، ولا يملون العمل، ولا يصيبهم إحباط، لأنهم يفعلون ما يستطيعون ويبذلون ما يملكون ويردون أمرهم وأمر غيرهم إلى مالك الأرض والسماء الله رب العالمين، إنهم الذين لا يقنطون من رحمة الله، لأنهم بعيدون عنالضلالة، ولا ييأسون من رحمة الله لأنهم عرفوا ربهم، وأسلموا إليه قلوبهم وجوارحهم، وعلموا أن كل شيء بقدر الله، فما أخطاهم لم يكنليصيبهم، وما أصابهم لم يكن ليخطئهم فعلام الهلع؟ وقيم الجزع وهم لا يأسون على ما فاتهم ولا يفرحون بطرًا وتكبرًا بما أتاهم لذلك تجد نفوسهم مستبشرة يمسكها الصبر، ويحدوها الأمل ويدفعها العمل نحو معالي الأمور التي بها يتحقق الفرج القريب.
فكل الحادثات وإن تناهت *** فموصول بها فرج قريب
وهم في حركتهم في الحياة واثقون من عون الله لهم، وتأييده لمجهودهم وأعمالهم، لأن الله – سبحانه – لا يخذل جنده، ولا يغيب مدده عن المخلصين الذين اتبعوا شرعه، وأطاعوا أمره وامتثلوا في حياتهم كلها منهجه، وساروا خلف رسول اللهﷺ لا يحيدون ولا يتحولون، وهم في أعمالهم لا يبغون من الناس جزاء ولا شكورًا ولا يطلبون من أحد نقيرًا ولا قطميرا، ويكفيهم عون الله لتتواصل عمالهم وتثمر جهودهم.
إذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده
هؤلاء هم عقلاء الأمة الذين تناط بهم المهام وتوكل إليهم عمليات الإصلاح لأنهم أقدر على تأصيلها وإظهارها ومتابعتها في ضوء التعاليم الشرعية والآداب والفضائل الخلقية والمحاسن المعنوية والمادية، فيكون غرسهم ثابت الجذور، باسق الفروع يؤتي أكله لكل محتاج فتنتظم الحياة، ويشعر الناس بنعم الله وفضله عليهم، يشكرون نعمه فيزيدهم منها: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ﴾ (إبراهيم: 7)، وإذا خلت الساحة من هؤلاء العقلاء الذين بهم صلاح الأمة، فإن الشر يبدو حين يعلو الفجار والأشرار، فتضطرب الأمور وتعم الفوضى.
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت *** فإن تولوا فبالأشرار تنقاد
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم *** ولا سراة إذا جمالهم سادوا
من أجل ذلك وجب أن يوكل أمر الإصلاح للمصلحين، وأن يبعد عنه الأشرار المفسدون، وهل يصلح فرد غيره وهو محتاج إلى إصلاح إن فاقد الشيء لا يعطيه فكيف ينتظر إصلاح ممن فقدوا هذه السمة؟
الملح يُصلح كل ما *** يخشى عليه من الفساد
فإذا الفساد جـرى عليه *** تحكمه حكم الرماد
إنها دعوة لعقلاء الأمة في كل شأن من شئونها ليقوموا بدورهم الإصلاحي المنشود، حتى تنفض الأمة عن نفسها غبار التخلف عن السير في موكب الناهضين الذين لا تتعثر أقدامهم ولا تتثاقل خطواتهم.
وعقلاء الأمة علماؤها ومفكروها وأصحاب التجارب في المجالات المختلفة وولاة الأمر فيها، وهؤلاء عليهم أعظم الواجباتوأثقل التبعات في حمل أعباء التقدم، يقول الاستاذ أبو الأعلى المودودي: «إن واجب العلماء وأولي الأمر من كل أمة هو أكبر الواجبات والتبعات، وذلك أنهم ليسوا مسئولين عن أعمال أنفسهم فحسب، بل تقع عليهم أيضًا إلى حد كبير تبعة أعمال الأمة بكاملها» (نحن والحضارة الغربية ص ۲۳1).
ويقرر ذلك بقوله: «إن القوة الحقيقية لأمة ما لا تكون في عامتها بل في خاصتها، فهؤلاء هم الذين يتوقف عليهم صلاح الأمة وفسادها... فمتى كانت الأمة في إقبال نبغ من بينها خواص يسيرون على الصراط السوي، ويسيرون الأمة معهم عليه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (الأنبياء: 73)، ومتى كانت الأمة في إدبار ابتدأ الفساد فيها من خاصتها الذين يتأثر بضلالهم وفساد اخلاقهم عامة افرادها، فيقعون جميعًا في الضلال وسيئات الأعمال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16) (نحن والحضارة الغربية ص ۲۰۸–۲۰۷).
ومن ثم فإن الغيورين على مصالح الأمة من رجال الفكر وأصحاب السلطة العامة مدعوون جميعًا لأن ينبذوا خلافاتهم، وأن يرفعوا راية الإصلاح في الأمة، جاعلين من أنفسهم أمثلة حية للصلاح والإصلاح، ليسير الناس وراهم ومعهم، عاملين مجدين، كلفي الميدان الذي يصلح فيه، لعل الله أن يمن على هذه الأمة باليقظة والنهضة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل