العنوان نقوش على جدار الدعوة.. بين الفردية والمؤسسية (3من٣)
الكاتب جاسم بن محمد مهلهل
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
مشاهدات 78
نشر في العدد 1227
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
هذه الظواهر التي ذكرنا، وسواها تعيق وتفشل العمل المؤسساتي، وتدفع في نفس الوقت إلى بروز الفردية، حيث ينكفئ كل فرد على ذاته لعدم قناعته باستمرارية المؤسسة، في تلك الأجواء والمعوقات، وهذا ما يساعد على بروز ظاهرة الشخصانية بديلًا عن العمل المؤسسي، ويكون من نتائجها قلة وعدم توارث الخبرات والاستبداد بالرأي وتضييع الشورى.
إن الابتعاد عن تلك النزعات الهدامة التي ذكرنا لا يعطي النتيجة المرجوة إذا لم تلتق معه جهود طيبة تعتبر بالنسبة إلينا -نحن المسلمين- مبادئ جاء فيها قرآن كريم وسنة نبوية مطهرة، كما أنه وعلى مستوى علم الإدارة وتنظيم المؤسسات أصبح الحديث مشرعًا عن ضرورة النزعة الإنسانية والعلائق المتينة والتحابب بين أبناء المؤسسة الواحدة؛ لأن التنظيم وقواعده الجافة إذا لم تختلط بروح الأخوة لن تصل بالمؤسسة وأفرادها إلى الغاية المرجوة.
ففي مقابل ما يبعد هناك ما يقرب، وأكثر ما يعنينا هنا مواصفات ثلاث: الأخوة التي ألزمنا بها الله -تعالى- بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (سورة الحجرات: 10) وما يترتب عليها من نظرة أخوية في التعامل.
الإصلاح الذي يجب أن يسيطر على أي نزاع ممكن الحدوث فيواجه بالإصلاح، وهو العمل الأقدر على الحد من المنازعات ورأبها، وهذا شيء بين الأخوة كما بين ذلك القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (سورة الحجرات: ۱۰).
التعاون والتوادد، وهي الصفة التي تبنى عليها الأوطان والمؤسسات والدعوات، وبخاصة في المؤسسات الإسلامية، اجتماعية كانت أم تربوية أم سياسية؛ لأن ذلك من جوهر الإسلام الذي ارتضته هذه الجمعيات وأفرادها على حد سواء، وهذا ما أمر به الله -سبحانه وتعالى- بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (سورة المائدة: ۲).
وعملًا بتلك المواصفات يمكننا الطموح بالوصول إلى عمل مؤسسي بكل معنى الكلمة يبتعد عن المبعدات، ويقترب من المقربات، مع الأخذ بركني المؤسسة، وهما ما ذكرنا سابقًا: «الشورى والتخصص»، وعندما تتغلب الروح الفردية على الروح المؤسساتية، فإن ذلك ينذر بذبول الجماعة ككل واضمحلالها، فالتفرد وباء ينذر بالضياع والتشتت، وإنه ليس من شيم الإسلام أو مبادئه، بل على العكس، وما أجمل الإبداعات الفردية التي تصب في إطار العمل المؤسسي لتزيده جمالًا وتقدمًا، وما أبشع العمل الفردي البعيد عن المؤسسة والمقابل لها.
والعصر عصر المؤسسات والعالم بأسره يتجه للتكتل والوحدة، وفي ظل هذا الاتجاه لا بد لنا أن نبحث عن موقع مشرف، وأن نحسن بناء مؤسساتنا في الجوهر والمظهر لنكون على مستوى العصر والمرحلة.