العنوان نقوش على جدار الدعوة الظالم المسكين
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1997
مشاهدات 75
نشر في العدد 1234
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 14-يناير-1997
تدل لفظة «المسكين» في الاستعمال الديني على الشخص الذي لا يملك ما يكفيه بالمعروف، فهو ليس معدوم الملكية ولكن ملكية قليلة لا تفي بمتطلبات حياته، وجاء هذا الاستعمال للفظة بهذا المعنى في قول الله سبحانه: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (الكهف:79).
وتدل في الاستعمال الشعبي المتداول على الشخص الذي يستحق الرثاء والعزاء على مكروه ألم به من خسارة مالية، أو مرض معقد، أو عجز دائم، أو تصرف أحمق طائش.
ونحب أن نضيف إلى هذين المعنيين معنى آخر، وهو أن المسكين هو الشخص الذي ظلم غيره وتعدى حدود الله، وظن بغيره ظن السوء، فابتلاه الله بشخص مستجاب الدعوة، يرفع كفيه إلى السماء، يطلب من الله النصرة والتأييد والعون في التسديد، فتكون دعوته دعوة مظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، يتعرض بسببها هذا الظالم المسكين لنقمة الله وعدله، حين يجيب دعوة المظلوم ويكشف عنه سوء الظلم وعنت البغى ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ (النمل:62).
أليس أولى بالظالمين أن يراجعوا أنفسهم، وأن يتوبوا إلى الله مما فعلوه؟ ولعل الله سبحانه يتجاوز عن سيئاتهم، فلا ينزل بهم نقمته التي عرضوا أنفسهم لها حين ظلموا غيرهم من الناس بأقوالهم أو بأفعالهم، فصاروا بذلك- في عداد المساكين المحرومين.
والمسكين بالمعنى الشرعي- يستحق العطاء من الزكاة والصدقات وهو بالمعنى الذي بيناه يستحق النصح ويستحق أن يدفع عن نفسه ظلمها بالذنوب والآثام حين يظلم غيره ويعرض نفسه لدعواتهم وهم المظلومون.
لئن كان الظلم المادي صعب الاحتمال، فإن الظلم المعنوي أشد وأنكى؛ لأنه يصيب النفس التي لا تندمل جراحها بسرعة؛ ولأنه عادة لا يحدث إلا من الأقربين رحمًا أو مكانًا أو صلة، لعلمهم بما يمس النفوس ويوجع القلوب، ولذا قال الشاعر العربي:
وظالم ذوي القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهند
فهل نحمي أنفسنا وإخواننا من دعوات المظلومين، ومن سهام الليل التي تلقيها أيد ارتفعت إلى الله بالدعاء، وتضرعت إليه راجية أن يزيل الله الظلم عنها، وأن يرفع عنها كيد الظالمين.
إن الذين تستجاب دعواتهم هم الذين أطاعوا الله، وعرفوا حقه عليهم فأدوه وتأدبوا بأوامره وأحبوه، بل امتلأت قلوبهم بحبه وحب رسوله وحب المؤمنين هل من أحب الله ورسوله يظلم خلقه؟ إن القلب الممتلئ حبًّا ينأى بصاحبه عن الدنايا وعن الأمراض التي تنبعث في النفس فترديها وتشقيها. فهل يتفق في القلب حب للخالق وظلم للخلق؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل