العنوان نقوش على جدار الدعوة- الدعاة والتعاقب
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1999
مشاهدات 73
نشر في العدد 1334
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 12-يناير-1999
الأجناس والأنواع والأشياء يتعاقب عليها الخير والشر، وما يسوء وما يسر، وما ينفع وما يضر، وهذا التغير والتبدل يؤثر فيها نوعًا من التأثير قد يصل إلى درجة التوقف والاندثار والفناء، وقد لا يؤثر فيها إلا كما تؤثر الرياح في الصم الصلاب، وقد لاحظ الشاعر الجاهلي امرؤ القيس ذلك في بقايا الدمن والأطلال التي وقف عليها ليذكر أهلها، وبين أنها ثابتة باقية لأن رياح الجنوب التي تسفي عليها الرمال، تعقبها رياح الشمال التي تزيح هذه الرمال عنها، فتبقى الآثار شاهدة على أهلها أطول مدة ممكنة، قال في قصيدته قفا نبك.
فتوضح فالمقرأة لم يعف رسمها *** لما نسجتها من جنوب وشمال
والإنسان يعتريه التغيير ويتقلب على حياته العسر واليسر، ويمتحن ويبتلى بالشدة والرخاء والغنى والفقر، فمنهم من يسقط في الاختبار، ولا عرف أن التعاقب سنة الأحياء والأشياء، ومنهم من يتماسك، وإن اشتد اختباره وزاد بلاؤه واصطباره.
والدعاة إلي الله هم أشد الناس احتياجًا لفهم مثل هذه السنن والتعامل معها بالرضا والأمل، مدركين أن مع العسر يسرًا، فقد يُحاربون في أرزاقهم أو يصيبهم طول الطريق بشيء من الفتور، أو يصيبهم ضعف الهمة، أو غير ذلك من عوامل التثبيط، فلا ينبغي أن يستسلموا لها، لأن هذه الحالات لا تبقى ولا تطول عند إنسان إلا إذا أراد صحبتها وأراد بقاءها، فسنة التعاقب التي أوجدها الله في كونه قد تأتي بالغنى بعد الفقر، وبالفرج بعد الشدة، وقد تبعث فيمن أصابه الفتور الهمة من جديد، فيكون له على الدعوة إقبال ما عليه من مزيد والرسول -صلى الله عليه وسلم- أشار إلى شيء من ذلك حين قال: «يبتلى الرجل على قدر دينه»
وما على الدعاة خاصة والناس عامة إلا الصبر ومدافعة أسباب الضعف بالطرق المشروعة، وفي مقدمتها الالتجاء إلى الله والضراعة إليه، والامتثال لأوامره، والرضا بقدره، مع الإحساس بتماسك النفس حتى لا تطير شعاعًا أمام النازلات، بل لابد لها من التجلد الذي يعصم من الزلل، ويحمي من السقوط.
وكثيرًا ما كان معاوية -رضي الله عنه- يتجلد حين تنزل به النازلات، ويتصبر أمام الملمات، ويتمثل ببيت أبي ذؤيب الهذلي:
وتجلدي للشـامتين أريهم *** أني لريب الدهر لا أتضعضع
وكان لموقفه المتجلد هذا أثر في تحقيق ما يصبو إليه وما يريده.
ولا ننسى في ذلك أن نقرر أن الاستحياء من تناول النافع المفيد والأخذ به يضر بصاحبه في بعض المواقف، ويشين تصرفه في مواقف أخرى، لأن الحياء يمنع الإنسان من ارتكاب القبيح، فإذا منع من ارتكاب الجميل فقد أضر بصاحبه، ومنع عنه الخير الكثير، وسهل الشدائد أن تتغلب عليه، وأن تأخذ بخناقه.
وسيرة السلف الصالح فيها نماذج كثيرة دالة على أن الحياء يحول بينهم وبين تحقيق الخير حتى ولو بصورة لم يألفها الناس.
وهذا أحمد بن أم مكتوم، أحد الفضلاء العلماء، يجلس وهو متقدم في السن، مقدم لدى الناس يجلس لسماع الحديث من الشيوخ المحدثين، ويُعيبه قوم لذلك فيدفع تهمتهم بشعر جيد جميل يقول فيه:
وعاب سماعي للحديث بعيــد مــا *** كبرت أناس هم إلى الجهل أقرب
وقالوا: إمام في علوم كثيرة *** يروح ويغدو جـاهدًا يتطلب
فقلت مجيبًا عن مقالتهم، وقد *** غدوت لجهل منهم أتعجب:
إذا استدرك الإنسان ما فات من علا *** إلى العلم يعزى، لا إلى الجهل يُنسب
وهذا الإمام البيروني أحد العلماء الأعلام يدخل عليه بعض الفقهاء يعودونه في مرض وفاته، فإذا به يعتدل ويسأل مسألة في علم الفرائض أشكلت عليه، ويريدون أن يؤجلوا الإجابة عنها والنقاش حولها لأن صحته لا تتحمل، فيقول لهم لأن القى الله وانا عالم بها أحب من أن القاه جاهلًا بها.
بهذا التجلد، وبهذه الهمم، وبهذا الحرص على العلم والحق ولو لم يألفه الناس يتم التعاقب، فتزول الشدائد والعسر، ويعود الرخاء واليسر، وتستمر الحياة على الخير والهدى والفلاح.