; نقوش على جدار الدعوة..التنافس لا التحاسد | مجلة المجتمع

العنوان نقوش على جدار الدعوة..التنافس لا التحاسد

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998

مشاهدات 69

نشر في العدد 1289

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 24-فبراير-1998

   التنافس في الخير محمود، والحسد بين الناس مذموم مرذول؛ لأنه دخان أسود يلف الكون حول الحاسدين، فـلا يرون للمحسود خيرًا، ولا يعرفون له فضلًا، وكل همهم أن تزول نعمته، وتحجب عن الذكر فضيلته، ولكن هيهات، فالحاسدون ينشرون بألسنتهم فضل المحسود، وإن لم يشعروا بذلك ولم يقصدوا إليه، وصدق أبو تمام في قوله:

وإذا أراد الله نشر فضيلة                     طويت أتاح لها لسـان حــســود

لولا اشتعال النار فيما جاورت             ما كان يعرف طيب عرف العود

     فنار الحاسدين تجعل فضل المحسود وسط هالة من الضوء تبرزه، وتعلي من قدره فلا يزداد الحاسدون إلا ألمًا وشنآنًا وبغضًا، ولربما كان المحسود غير عالم بما يدبر له من كيد وما يحيط به من مكر، فينام قرير العين، رضي الفؤاد، على حين أن حاسديه لا يهنئون بمنام، ولا يطيب لهم معه وئام أو سلام.

     وروح التنافس مطلوب بثها بين العاملين في كل مجال، لينمو العمل، ويخرج للناس متقنًا كاملًا فيه نبض الإحسان، ودفق الوجدان، وإبداع العقل والفكر، ومجال الدعوة عمل من الأعمال لا ينبغي أن تغيب عنه في أي لحظة مبتكرات العصر، وتجديدات العقل، ودفق العاطفة المتجددة، فالعاطفة روح هذا العمل الدعوي، وناره التي لا تخبو، ومن بردت عاطفته الدعوية أو همدت وحمدت، فلا أمل يرجى من وراء دعوته، ولا نتيجة تجنى من وراء حركته، ومبتكرات العصر المباحة وتجديدات العقل المتاحة قوة دافعة للدعوة، تحقق لها الاستمرار والانتشار في كثير من البقاع.

      والدعاة أمام هذه الوسائل متفاوتون في مدى أخذهم بها كلها أو بعضها، ومدى انتفاعهم بآثارها وتفاعلاتها وفي هذا -إلى جانب ما آتاهم الله من فضل العلم- يتنافسون، ولا يتحاسدون لأن قول الله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (النساء: 54) أمامهم، فكيف يقعون فيما نهى الله عنه وحذر من شره، وأمر الناس أن يستعيذوا به -سبحانه- من شره، وأمر الناس أن يستعيذوا به سبحانه من شر كل حاسد؟ ومع هذا الوضوح في هذا التنفير والتحذير فإن بعض ذوي الرئاسة من أهل المناصب، وبعض ذوي الهيئات من العلماء يقع في هذه الموبقة من حيث لا يدري بدافع من الدوافع:

 حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه                            فالقوم أعداء له وخصومُ

     «وهذا مما تقتضيه الطباع البشرية والجبلة الآدمية، فقد أجرى الله -سبحانه- العادة بذلك إلا من عصم الله، ومن أنصف عذر، ومن عرف صبر» (مختصر كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، ص ۱۳۸، د. محمد بن حسن بن عقيل موسی).

     ولو عقل الذين يحسدون لعلموا أن من سنن الله في خلقه أن يتفاوت الناس في أقدارهم وقدراتهم وأرزاقهم ومواهبهم، وأن الله يرزق من يشاء بغير حساب، وأن التوفيق لهذا أو لذاك هو -بعد الأخذ بالأسباب والتسديد والمقاربة- من قسم الأرزاق التي يعطيها الله من يشاء من عباده، وهو إذن لا يستدعي حسدًا ولا كيدًا، وإن حقق في بعض النفوس غبطة فلا ضرر من ذلك؛ لأننا بهذه الغبطة نعود للتنافس المحمود في الخير المأجور عليه صاحبه -إن شاء الله- طالما أخلص قلبه لله، واتبع هدي رسول الله ﷺ.

     التنافس في بيان أوامر الشرع وتثبيتها في العقول والقلوب والتصدي لكل زيغ أو انحراف بالحجة والبيان، والوصول بالدعوة إلى قلوب قد تجهلها أو تجهل بعضها، أو تخلط بها غيرها، أو تتخلى عن حظ منها، التنافس في إيصال الخير للآخرين ومعاونة المحتاجين ونصرة المظلومين ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، التنافس في إحقاق الحق والأخذ بالعدل، وتجنب المآثم والمغارم، وهذا هو المطلوب، التنافس لا التحاسد، فما جاء التنافس في الخير إلا بمزيد من الخير، وما جاء التحاسد في أي أمر إلا بمزيد من الأضغان والأحقاد، فأين الأضغان من الإحسان؟ وأين التحاسد من التنافس؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 337

80

الثلاثاء 15-فبراير-1977

من شذرات القلم

نشر في العدد 2149

151

الأحد 01-نوفمبر-2020

كيف تزيد مرتبك؟

نشر في العدد 1256

91

الثلاثاء 01-يوليو-1997

الغيرة عند الأطفال