; نقل التقنية إلى العالم الإسلامي: الحاجة إلي استراتيجية قومية | مجلة المجتمع

العنوان نقل التقنية إلى العالم الإسلامي: الحاجة إلي استراتيجية قومية

الكاتب نادر عبدالغفور أحمد

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1994

مشاهدات 69

نشر في العدد 1092

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 15-مارس-1994

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى اليوم اندفعت دول العالم الثالث ومن ضمنها الدول الإسلامية في سباق محموم مع الزمن لاقتناء مختلف أنواع التقنية الغربية بقصد تطوير اقتصادها المعلول. هذه حقيقة يمكن متابعتها في دول العالم الثالث ومنها الدول العربية، وملاحظتها ضمن الخطط الخمسية الإعمارية التي تنشرها هذه الدول في نشراتها الإحصائية بين الحين والآخر، أما نوع مثل هذه التقنية فتختلف باختلاف الدولة وحسب اقتصادها ومواردها الطبيعية، إلا أنها تركزت بوجه عام على تقنية علوم النفط، والمعادن، وإنتاج الأسمدة الكيماوية، والمواد الكيمياوية المختلفة، ومصانع تجميع السيارات، وبعض الأجهزة الإلكترونية، واستعمال المفاعلات الذرية للأبحاث العلمية أو لتوليد الطاقة الكهربائية. ومع أن بعضًا من أنواع هذه التقنية نجحت إلى حد كبير في تحسين الموارد الاقتصادية لبعض الدول، ونذكر هنا تقنية النفط والمعادن، لكنها فشلت في جوانب أخرى لأسباب عديدة؛ لعل من أهم عوامل الفشل اعتماد دول العالم الثالث على استيراد تقنية معينة لتحسين الاقتصاد المحلي على المدى القريب دون الأخذ بنظر الاعتبار للعوامل الاجتماعية والثقافية، والحاجة إلى تشكيل البنية التحتية الصناعية التي يمكنها توفير الكوادر والمصانع الضرورية لدعم تلك التقنية على المدى البعيد.

أهمية البنية التحتية

إن البنية التحتية الصناعية هي العمود الفقري لكل الصناعات التجارية، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها على الإطلاق، وصناعة تجميع السيارات والأجهزة الكهربائية خير دليل على ذلك إذ اعتمدت لحد بعيد على الأسواق الخارجية لتجهيز القطع الضرورية لتجميع الجهاز أو الميكنة المطلوبة، لكنها ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالأسواق والموارد الخارجية، وأي اضطراب يحدث في انتظام توفر تلك القطع إلى المصنع يعني القضاء المحتم على تلك الصناعة. هذا -بالفعل- حصل لكثير من دول العالم الثالث إبان الأزمات العالمية أو بسبب قرارات المقاطعة الدولية إذ أجبرت تلك الأزمات على خلق بعض المصانع نتيجة لشح قطع التصنيع.

 إن مثل هذه الاستراتيجية القصيرة النظر إن أمكن القول لم تصل إلى درجة من الاكتفاء الذاتي في الاعتماد على الموارد والطاقات المحلية لدعم التقنية المستوردة؛ على العكس فإن تلك السياسات جعلت من دول العالم الثالث أسيرة بيد تقلب الأسواق العالمية والقيود الاقتصادية والضغوط السياسية الدولية. وقد نجحت بعض الدول في الوصول إلى درجة معينة في إنتاج صناعات محلية غطت على التقنية المستوردة واستعملتها بنجاح لدعم اقتصادها، ومن هذه الدول سنغافورة وماليزيا وتايوان وكوريا وأخيرًا إندونيسيا التي شجعت رؤوس الأموال الغربية على استثمار تقنية صناعات الإلكترونيات في بلدانها لتصبح الآن من أكبر مسوقي الأجهزة الإلكترونية ومكوناتها الصغيرة إلى الأسواق العالمية ومنها أوروبا وأمريكا الشمالية. أما الأسباب التي شجعت رؤوس الأموال الغربية على الاستثمار في دول العالم الثالث والعالم الإسلامي فعدة، منها: العامل الاقتصادي وإضرابات العمال وارتفاع الأجور وتقلب مستوى الاقتصاد وبعض العوامل السياسية في الدول الصناعية، لكن مع هذا التقدم الذي يشهده اقتصاد الدول المذكورة أعلاه؛ فإن تلك الصناعات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمصادرها الأجنبية، ولا يمكن لها الانحراف عن الجانب المرسوم لها عند توقيع العقود الأساسية قبل البدء بتلك المشاريع. ويعني هذا أن تلك الدول لا يمكنها تطوير بعض أنواع شرائح السليكون الإلكترونية الخاصة -على سبيل المثال- التي يمكن أن تستعمل لأغراض غير الأغراض المحددة لتلك التقنية. كذلك فإن تلك الصناعة يمكن أن تتهدم في أي لحظة بقرار من رؤوس الأموال الأجنبية، وأخيرًا فإن تلك الصناعة لم تقم بتشكيل البنية الصناعية التحتية التي يمكنها الدعم والإسناد لتوفير الأجزاء المختلفة الضرورية لتجميع ذلك الجهاز أو السيارة في داخل البلد.

الحاجة إلى استراتيجية لنقل التقنية

من هذا كله يتبين أن هناك حاجة ملحة لوضع استراتيجية خاصة بكل بلد حول طريقة نقل التقنية المطلوبة وتطبيقها ضمن الظروف الخاصة بذلك البلد، مثل هذه الاستراتيجية يجب أن تأخذ بنظر الاعتبار بناء الاقتصاد والصناعة على أساس توفر الموارد الطبيعية المحلية والنظام التعليمي والطاقات المحلية، وأخيرًا وجود الأسواق المحلية والدولية لتسويق الإنتاج واستعمال التقنية المطلوبة لسد حاجة أسواق خاصة مع وجود استراتيجية ملائمة تعني ببناء البنية التحتية الصناعية لتلك التقنية، وهذه البنية هي التي تكون أساس التقدم الاقتصادي للبلد. ويركز هذا البحث حول المشاكل المختلفة التي تعاني منها سياسة نقل التقنية في العديد من دول العالم الإسلامي ويشير إلى بعض الوسائل التي يمكنها تشكيل البنية التحتية الصناعية حسب طبيعة التقنية والموارد المحلية، وتذكر هنا مثالًا حول نوع من أنواع التقنية الحديثة التي يمكن نقلها بصورة ملائمة إلى هذه الدول لتطوير الاقتصاد مع التذكير بضرورة وضع استراتيجية خاصة تعتمد على عوامل متعددة منها العلاقات المتبادلة بين التقنية المطلوبة والإنتاج والأسواق، ويمكن القول إن توفر بعض أنواع التقنية والكوادر العلمية في جامعات ومعاهد دول العالم الثالث يمكن اعتباره نقطة البداية لمثل هذه الاستراتيجية لنقل العديد من أنواع التقنية الحديثة الملائمة ومنها الإلكترونيات التي ستكون العصب الرئيس للتقدم العلمي والاقتصادي في القرن القادم حسب نتائج العديد من الإحصائيات العالمية في هذا المجال. وتعتقد هذه الإحصائيات أن القرن القادم سيشهد ثورة في مجال الاتصالات الإلكترونية وتقنية المعلومات والحاسبات الإلكترونية والأجهزة الإلكترونية المنزلية والصناعية مما سيزيد الطلب على المكونات الإلكترونية الصغيرة لتلك الأجهزة وهي التي يطلق عليها اسم مكونات شرائح السليكون، لهذا فإن الأسواق العالمية ستعتمد اعتمادًا أساسيًا على ما توفره الأسواق والمنافسة التجارية من هذه المكونات الإلكترونية لسد حاجتها من الإنتاج، ولهذا؛ فإن دول العالم الإسلامي قد يمكنها استغلال الفرصة من الآن لوضع الخطط والبرامج المحددة لهذا الغرض والاعتماد على الموارد المحلية والصناعات الداخلية لسد حاجتها من تلك المكونات الإلكترونية أولًا ولتصدير الفائض على المستوى العالمي ثانيًا.

مثال على نقل التقنية الحديثة: صناعة الإلكترونيات

لا يوجد أدنى شك في أن علوم الإلكترونيات هي التي غيرت وجه العالم على الأخص بعد النصف الثاني من القرن العشرين، وأدت إلى ثورة على مستوى أكبر من الثورة الصناعية التي حدثت في القرنين الثامن والتاسع عشر، وكان لاختراع الترانزستور في عام 1947 الأثر الكبير على تقدم علوم الإلكترونيات وما وصل إليه العلم في الوقت الحالي. في تلك المدة لم تتضح أهمية الترانزستور لدى العديد من دول أوروبا والولايات المتحدة وما يمكن إنجازه باستعمال تقنية الترانزستور، إلا أن اليابان التي خرجت من الحرب الثانية منهكة ممزقة القوى بدأت تعيد بناء كيانها واقتصادها على ضوء حقيقة واحدة لم تتبدل منذ ذلك الوقت إلى الآن وهي مستقبل صناعة الإلكترونيات القائمة على ذلك الجهاز البسيط وهو الترانزستور، وتم آنذاك وضع الخطط والبرامج على أساس استغلال العلوم الحديثة لأغراض تجارية لكن مع تهيئة وتشكيل البنية الصناعية التحتية اليابانية التي تتيح توفر الدعم المحلي الصناعي الكامل لتقنية الإلكترونيات مع السماح بتطوير التقنية مع الزمن. وتستثمر الحكومة اليابانية اليوم في العديد من البرامج المختلفة التي تحتضن الأبحاث العملية الأساسية التي تطورها الجامعات ومعاهد الأبحاث القومية والمصانع للاتجاه نحو إنتاج أجهزة جديدة للأسواق. وبعض من هذه الاستثمارات انتقل إلى جزء من دول العالم الثالث كسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا لدفع عجلة الإنتاج نحو الأمام في سباق مع الزمن للتنافس في الأسواق العالمية.

 ونظرة سريعة إلى المخطط رقم (1) تشير إلى أن اليابان لا تزال تحتل مركز الصدارة في إنتاج المكونات الإلكترونية الأساسية التي تستعمل في جميع الصناعات الإلكترونية بينما تحتل الولايات المتحدة المركز الثاني وأوروبا المركز الثالث ولا تحتل دول العالم الثالث إلا مركزًا ضئيلاً ضمن هذه المنافسة المحمومة. على الرغم من ذلك كله فإن ما تنتجه المصانع العالمية من هذه المكونات الإلكترونية لا يكاد يسد حاجة أوروبا لإنتاج الأجهزة الإلكترونية المختلفة إذ قفزت حاجة الأسواق الأوروبية لهذه المكونات بنسبة 6.6% إلى 11.4 بليون دولار في عام 1991م.

 وهذا نمو واضح في حاجة الأسواق الأوروبية لهذه المكونات الإلكترونية فما بالك بالحاجة العالمية المتنامية إليها؟ وبسبب الهبوط والكساد الاقتصادي الذي تعاني منه أوروبا والولايات المتحدة في الوقت الحالي فإن بعض الشركات الكبيرة كفيليبس، وآي بي إم وغيرها بدأت بخفض تكاليف نفقاتها وتسريح عدد كبير من العاملين وغلق بعض المصانع أيضًا مما أدى إلى خلق فجوة كبيرة في توفير تلك المكونات الإلكترونية لمختلف الصناعات.

 من هذا يبدو أن الفرصة قد تكون مناسبة لتطوير خطط وبرامج تهدف إلى بناء صناعات إلكترونية ملائمة على أسس سليمة في العديد من دول العالم الإسلامي ومنها الدول العربية التي تتميز الآن عن الدول الصناعية المنهكة بقلة أجور الأيدي العاملة وتوفرها بكثرة مع إمكانية تشكيل البنية التحتية الصناعية على أسس سليمة وواقعية على ضوء المتطلبات والأسس الحديثة. مثل هذه البرامج يمكنها الاعتماد على رؤوس الأموال الأجنبية إذا ما اقتنعت بضرورة تشكيل البنية التحتية الصناعية في الدول النامية أو بواسطة المشاريع التجارية المشتركة بين دول العالم الثالث وتبادل الخبرات بينها على أسس واقعية موزونة. وتشمل صناعة مثل هذه المكونات الإلكترونية جميع أنواع شرائح السليكون وزرنيخات الغاليوم والمكونات الإلكترونية البصرية والدوائر الإلكترونية الصغيرة والكبيرة التي تستعمل في الأجهزة الإلكترونية الحديثة ومنها أجهزة الليزر الصغيرة.

الخطط الحالية لنقل التقنية

تركز خطط التقنية الحالية في العديد من دول العالم الثالث على هدفين أساسيين: الأول الهدف القصير المدى لاستثمار رؤوس الأموال، والآخر البعيد المدى. وتركز الخطط على الهدف القصير المدى بغية الحصول على مردودات اقتصادية مادية للاستثمارات للتعجيل بتحسين اقتصاد البلد دون بذل الكثير من الجهد على تشكيل البنية التحتية الصناعية الضرورية لدعم الخطط. ويبدو أن الهدف القصير المدى هو الأسهل في استراتيجية هذه الدول إذ إنها تستورد التقنية الجاهزة بمكائنها وتصاميمها وقطع الغيار من المجهزين العالميين وتنصبها بسرعة ثم تشغلها لسد حاجة السوق المحلي للإنتاج المطلوب. وصناعة السيارات خير دليل على ذلك إذ إن هذه الصناعة تعتمد اعتمادًا أساسيًا على المصادر الخارجية لتأمين الحاجة إلى القطع المختلفة، وشركات بيجو وفورد وفيات وغيرها تقوم بإرسال القطع -بصورة مستمرة- إلى العديد من دول العالم الإسلامي التي تقوم بدورها بتجميعها وبيعها في الأسواق المحلية. هذه الشركات العالمية تربح الجزء الأكبر إذ إن قطع التصنيع تصنع من قبل البنية التحتية الصناعية في الدول المصدرة وبذلك فإنها توظف الأيدي العاملة المحلية لإنتاج مثل تلك القطع مما يحد من البطالة ويدفع بعجلة اقتصاد الدول المصدرة نحو الأمام ناهيك عن الأرباح التي تجنيها الشركات المصدرة من التقنية التي تبيعها لدول العالم الإسلامي. أما دول العالم الإسلامي فإنها لا تجني سوى توظيف عدد محدود من عمال التجميع وتسويق البضاعة داخل بلدانها مع تسويق جزء قليل إلى الخارج. أما بالنسبة للسياسة البعيدة الأمد فإنها تختلف تمامًا إذ إن المشروع يمر بعدة مراحل زمنية ابتداءً من دراسة السوق المحلية وحاجتها لبضاعة معينة كالأجهزة الإلكترونية مثلاً ثم وضع استراتيجية خاصة بتلك التقنية. وتبدأ تلك الاستراتيجية بتشكيل البنية التحتية الصناعية لإسناد التقنية المطلوبة ومن ثم العمل على إنتاج البضاعة وتطويرها حسب حاجة السوق... ومن الممكن تقسيم الحاجة إلى المكونات الإلكترونية في السوق المحلية حسب الاستعمال. إن الحاجة الأساسية للمكونات الإلكترونية في السوق تستهدف الأجهزة الاستهلاكية التي بضمنها التلفاز، والفيديو، والسيارات وأخيرًا الاستعمالات العسكرية التي تخصص لها ميزانية واسعة في الكثير من دول العالم.

وعلى سبيل المثال تستهلك صناعة التلفاز جزءًا كبيرًا من المكونات الإلكترونية وتعتبر من أكبر المبيعات في أسواق دول العالم الثالث، إلا أن صناعة التجميع الحالية تستورد القطع المطلوبة من الخارج لتجمعها وتبيعها في الأسواق المحلية. وتعتمد صناعة هذا الجهاز على الأجزاء التي يبينها المخطط رقم (2)، وهي المكونات الإلكترونية بدرجة أولى تليها الدوائر الكهربائية ثم هيكل الجهاز والشاشة الإلكترونية، ومعظم هذه الأجزاء تستورد من الخارج بسبب عدم وجود الصناعات المحلية التي يمكنها تصنيع مثل هذه الأجزاء.

 وهذه الصناعات المحلية هي التي يجب أن تشكل البنية التحتية الصناعية لتقنية صناعة التلفزيون مثلاً أو للصناعات الأخرى، وبذلك تخفض كلفة شراء الأجزاء من الخارج بالعملة الصعبة. وبتشخيص الأجزاء أو المكونات الإلكترونية المهمة لحاجة السوق التي تستعمل في معظم الصناعات الإلكترونية المحلية، أو التي يحبذ نقلها إلى داخل البلد؛ فإنه يمكن تشكيل البنية التحتية الصناعية لتصنيع مثل تلك المكونات الأساسية، ولوضع استراتيجية خاصة بالتقنية يجب دراسة حاجة السوق لتلك التقنية والأموال المستهلكة في الداخل حاليًا ومستقبلاً لاستيراد تلك الأجهزة الإلكترونية، ومن ثم دراسة الهيكل الصناعي والخبرات والإمكانيات التي يمكن أن توفرها الجامعات، ومعاهد البحث العلمي، والمصانع لدعم تلك التقنية المطلوبة. على ضوء ذلك يمكن وضع استراتيجية خاصة يشكل تحت إشرافها مركز قومي للصناعة الإلكترونية ومركز لتطبيع تقنية الإلكترونيات، ويرتبط هذان المركزان بلجنة يشترك فيها رجال المصانع لمناقشة وحل جميع المصاعب التي يواجهها المشروع لتطوير الإنتاج نحو الأفضل «انظر المخطط 3 و 4» وتشترك المراكز مباشرة أو غير مباشرة في إنتاج المكونات المطلوبة وتوفيرها للمصانع التي تحتاجها لتصنيع الأجهزة الكاملة. ولعل من أهم جوانب الاستراتيجية التقنية العلاقة الديناميكية المتبادلة بين مراكز التطوير والقطاع الصناعي والأسواق والمصالح القومية للبلد. لهذا يمكن تلخيص فوائد مثل هذه الاستراتيجية كالتالي:

1- تطوير الأفكار والابتكارات المبدعة وتحويلها إلى منتجات جديدة. 2- تشجيع الصناعة المحلية بواسطة فرض القيود على استيراد المكونات الإلكترونية الأجنبية والحث على إنتاجها محليًا بواسطة المنح المالية الصناعية التي تقدمها وزارتا الصناعة والتجارة. 3- تخطيط برنامج لتدريب وإعداد الكوادر المتخصصة في ميدان تقنية الإلكترونيات وأشباه الموصلات بواسطة الجامعات الصناعية لإدارة تلك المراكز والمصانع مستقبلاً. 4- تطوير سياسة تقنية عالية المستوى لتحسين القطاع الصناعي بصورة عامة. وينعكس ذلك على باقي القطاعات المهمة ومنها الزراعية. 5- المردودات المالية لبذل الجهود والاستشارات على المدى البعيد من خلال التسويق المحلي أو التصدير. 6- القضاء على البطالة وإنشاء قطاع تقني متقدم يمكن الاستفادة منه مستقبلاً لتطوير الأجهزة الإلكترونية الحديثة. 7- الحد من تأثير المتقلبات العالمية والظروف السياسية.

وتلعب الجامعات ومعاهد الأبحاث دورًا مهمًا في وضع وتنفيذ تلك الاستراتيجية من خلال تغيير بعض برامجها التعليمية والتركيز على الجانب العملي في تدريب الطلبة على جانب إنتاج المكونات الإلكترونية وأشباه الموصلات، ويتم ذلك من خلال استعمال مختبرات حديثة بسيطة يمكنها عكس بعض جوانب الإنتاج الصناعي الحقيقي من خلال تصنيع المكونات الإلكترونية كجزء من المنهج الدراسي الموضوع.

 وبذلك يكتسب الطالب خبرة علمية بالإضافة إلى المعلومات النظرية التي تمكنه من فهم طريقة إنتاج الإلكترونيات وتدريبه في الوقت نفسه على الحياة الصناعية لإنتاج تلك المكونات على نطاق واسع. وتنبعث من هذا الجانب ضرورة تعاون القطاع الأكاديمي مع الصناعة وتبادل الآراء والمقترحات حول تدريب الطلبة في مجال التقنية الخاضعة لسيطرة الاستراتيجية القومية الموضوعة، وتلعب الأبحاث والتطوير التي تقوم بها الجامعات ومراكز الأبحاث دورًا مهمًا يمكن تلخيصه بالتالي:

  • الاستعمال المكثف للطاقات والإمكانات البشرية والعلمية المتوفرة.
  • الإسراع بتوفير متطلبات السوق للأجهزة الإلكترونية الضرورية.
  • الاستجابة السريعة لمتطلبات الأسواق.
  • بذل جزء من الأرباح على تطوير برامج البحث والتطوير.
  • المردودات المادية للاستثمارات على المدى البعيد والمساعدة على تشكيل البنية التحتية الصناعية للبلد.

إن نظرة سريعة إلى مناهج جامعات الدول الصناعية تشير إلى اهتمام الكوادر الأكاديمية بعلم الإلكترونيات على العموم وتقنية المكونات الصغيرة وأشباه الموصلات بصورة خاصة؛ لذلك فإن معظم كليات الهندسة الكهربائية والإلكترونية والفيزيائية تخصص جزءًا لا بأس به لتدريب الطلاب على هذه التقنية وتصنيعها بالطرق المطلوبة، وضمن هذه المختبرات يقوم الطلبة بتصنيع بعض الترانزستورات الحديثة على شرائح السليكون والاطلاع على الصعوبات العملية في التصنيع وتعلم طرق حل تلك الصعوبات لضمان الإنتاج الأفضل. وفي نهاية مدة التدريب يكتب الطالب تقريرًا مفصلاً عما تعلمه في تلك المدة. وخلال مدة التدريب يتعلم الطالب أيضًا طريقة الحياة الصناعية وكيفية مواجهة الصعوبات والمتطلبات السريعة اليومية داخل المصانع لضمان عدم تبدد الوقت وخسارة الأموال.

لهذا فإن استراتيجية نقل التقنية الحديثة من الدول المتقدمة إلى دول العالم الثالث يجب أن تأخذ بنظر الاعتبار العوامل المختلفة المؤثرة، ومنها ضرورة تدريب الكوادر العلمية والفنية لضمان نجاح نقل تلك التقنية. ولعل في التاريخ عبرة لفشل الكثير من مشاريع نقل التقنية ابتداءً من مشروع الثورة الخضراء التي استوردت بموجبها دول العالم الثالث الأسمدة والمبيدات الكيماوية دون دراسة علمية واقعية لتجد نفسها في موقع لا يحسد عليه، وحادث مدينة بوبال الهندية الذي أدى إلى مقتل الآلاف من الناس دليل آخر من الدلائل التي لا تحصى على فشل الكثير من المشاريع وخسارة كميات هائلة من الأموال بسبب الخطط غير المتكاملة.

إن هناك ضرورة لوضع خطط استراتيجية علمية واضحة المعالم لنقل التقنية الحديثة الملائمة إلى دول العالم الثالث، وتقنية الإلكترونيات هي من بين أنواع التقنية التي لها مستقبل تجاري علمي واسع ذو مردودات كبيرة على الاقتصاد. لكن نقل هذه التقنية يجب أن يتم تحت إشراف علمي صناعي وتجاري مدروس يعتمد على بنية تحتية صناعية قوية، وإلا فإن دول العالم الإسلامي ستبقى أسيرة بيد الدول الصناعية المصدرة للتقنية التي تسيطر وتدير تلك التقنية من بعيد.
 (*) عالم عربي وأستاذ سابق في جامعة سالفورد. يعمل حاليًا كمدير إدارة الشركة بلازميون البريطانية لتصنيع الأجهزة العلمية. حاز مؤخرًا على جائزتين من وزارة الصناعة البريطانية لصنع أجهزة متخصصة يمكن استخدامها لطلاء أجزاء الطائرات الحربية. مؤلف كتاب الطلاء الأيوني طبع وتوزيع شركة وايلي الأمريكية في عام ١٩٨٧م.
*يرجع في الرسوم البيانية إلى الأصل المصور.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل