; نقاط فوق الحروف- العلامة الفقيه.. الشيخ أحمد أحمد شريت | مجلة المجتمع

العنوان نقاط فوق الحروف- العلامة الفقيه.. الشيخ أحمد أحمد شريت

الكاتب رشاد محمد البيومي

تاريخ النشر السبت 27-فبراير-2010

مشاهدات 84

نشر في العدد 1891

نشر في الصفحة 38

السبت 27-فبراير-2010

  • نشأ بصعيد مصر.. وكان والده من كبار علماء الأزهر وقد أسس معهد القراءات
  • كان أحد الأربعة من مكتي الإرشاد الذين واجهوا محنة التأييد لعبد الناصر بكل حسم واقتدار وضربوا المثل في التجرد والإخلاص والثبات.

هذا العالم الفقيه الفذ الذي نذر نفسه وعائلته لله فكانوا جميعًا مثلًا لهذا الجيل من الدعاة الذين استجابوا لله ولرسوله ووهبوا أنفسهم وأموالهم وجهدهم لدعوتهم ولجماعتهم.. ولقوا الله في أشرف ميدان وأظهر معركة.. معركة الحق والباطل.. حتى ولو تأول البعض غير ذلك (مما سوف أوضحه في حينه). 

نشأته: نشأ الشيخ أحمد أحمد شريت في بلدة «ريفا» بصعيد مصر (محافظة أسيوط).. وكان والده الشيخ أحمد شريت يرحمه الله أحد كبار علماء الأزهر، والذي أسس معهد القراءات بالأزهر الشريف.. وكان له من الإخوة: الشيخ محمد، والأستاذ حامد شريت (وقد كان مسؤولا عن الإخوان في محافظة أسيوط)، والأستاذ محمود شريت والأستاذ عبد العزيز شريت وهم جميعا من رجال التربية والتعليم.. والأستاذ
مصطفى شريت.
كان الشيخ أحمد شريت كبير مفتشي الوعظ في الأزهر الشريف.. وكان مهابًا أفاء الله عليه بسطة في العلم والجسم فوهبهما لله، واستطاع أن يقوم برئاسة لجنة المصالحات في محافظة أسيوط، والتي عالجت (بفضل الله الكثير من قضايا الثأر والمشاحنات الأسرية)، لما كان له من مكانة في نفوس الجميع مسلمين ومسيحيين. 

مهابة وتقدير 
حتى أنه روى لي كيف استقبلته إحدى كبريات الأسر المسيحية (أسرة الراحل المحامي «ألبرت ويصا واصف») التي نزحت إلى القاهرة، مع احتفاظها ببعض الأراضي والممتلكات في أسيوط، وذلك في مشكلة، أسرة مسلمة، ما أروع الذي استقبلته به كبيرة العائلة والدة المحامي.. وهي تقول له: «كفانا شرفًا أن شرفتنا يا فضيلة الشيخ.. مضيفة: مع   إن ما تراه هو أمر لنا واجب التنفيذ.. وكفانا أنك شرفت بيتنا».
وكان الشيخ أحمد شريت عضوًا بمكتب الإرشاد عندما حدثت محنة (١٩٥٤م)، وحكم عليه بالسجن لمدة ١٥ عامًا، أما الأستاذ حامد شريت فقد حكم عليه بـ ١٠ سنوات مع إيقاف التنفيذ.. وتم اعتقال الأستاذ عبد العزيز. 
رحل فضيلة الشيخ أحمد شريت إلى ليمان طره، ومنه إلى سجن جناح بالواحات ثم إلى المحاريق.. كان رغم علمه الواسع وإلمامه بكل الجوانب الشرعية بسيطًا سمحًا حلو الحديث طيب المجلس.. ويملأ مجلسه بالعلم الذي لا تنقصه الدعابة الطيبة والقفشات الجميلة، تحس معه الأبوة الحانية والأخوة بكل ما تحمله من دواعي المودة...
لقيته أول مرة في سجن أسيوط، وكان قد رحل إليه للعلاج.. وكان دوره مؤثرًا للغاية واستطاع في المدة التي قضاها بيننا أن يحل الكثير من المسائل التي تصادف مجتمع السجن.. كان الجميع من السجناء يعرفونه حق المعرفة ويعرفون مكانته في بلادهم.. كما كانت إدارة السجن تحس هذا أو تتعامل معه هكذا.. ولذا كانت زيارته لها أثر كبير علينا جميعًا.
خرجت معه مرة للعرض على مستشفى أسيوط العام، وفي كل مكان مرت به عربة الترحيلات وعرفوا فيها الشيخ أحمد شريت كان الجميع يعانقونه بترحاب وافر حتى وصلنا المستشفى، فكان استقبال الأطباء والعاملين بالمستشفى مؤثرًا للغاية.. وعاد الشيخ إلى الواحات.

تجرد وإخلاص
كان أحد الأربعة من مكتب الإرشاد (الأستاذ عبد العزيز عطية، والأستاذ محمد حامد أبو النصر والأستاذ عمر التلمساني الذين ثبتوا على العهد).. وواجهوا محنة التأييد بكل حسم واقتدار، وضربوا المثل في التجرد والإخلاص والثبات. 
كنت أسكن مع الأستاذ أحمد شريت والأستاذ محمد حامد أبو النصر في زنزانة واحدة.. وبعدها في زنزانة مع الأستاذ وكان الأستاذ عبد العزيز عطية في زنزانته ملحقًا بالمستشفى وكان عندما يستدعيهم الأمر ما.. سابق الثلاثة الإجابة يقفون من الأستاذ عبد العزيز موقف المريد من شيخه كان أحد الأربعة من مكتب الإرشاد الذين واجهوا محنة التأييد لعبد الناصر بكل حسم واقتدار وضربوا المثل في التجرد والإخلاص والثبات والتلميذ من أستاذه.
فإذا همـوا بالانصراف لا يولونه ظهورهم.. يا له من مظهر كريم لم تفرضه أية قوانين أو نظم.. بل فرضته آداب الإسلام من تجرد وإخلاص وتواضع وأخوة صادقة.

استشهاد أخيه
بلغه نبأ استشهاد أخيه الأستاذ حامد عندما تناول وجبة سمك فاسدة في السجن الحربي بعد فترة حافلة بالتعذيب والتنكيل.. وخرجت روحه إلى السماء تشتكي إلى الله ظلم الظالمين.. وبغي البغاة بنفس راضية محتسبًا إياه عند الله العلي الكبير.. وتلي ذلك خبر وفاة أخيه عبد العزيز بعد أن أفرج عنه بفترة وجيزة.. فما لانت له قناة ولا كان لهذا أثر عليه.. رغم قسوة ظروفهم العائلية.
افترقنا عام ١٩٦٤م حيث تم ترحيل الإخوة المحكوم عليهم بـ ١٥ سنة والمؤبد إلى قنا حيث لقوا إخوان تنظيم ١٩٦٥م. سجن ورحل الذين كان حكمهم ١٠ سنوات إلى سجن أسيوط.
وتم الإفراج عني عام ١٩٦٥م، ثم تم اعتقالي بعد ٢٤ يوما، ورحلت إلى سجن أبي زعبل ثم القلعة والحربي واستقر بي المقام في سجن مزرعة طره. 
وفي عام ١٩٦٩م انتهت مدة المحكوم عليهم بـ ١٥ عامًا، وبدلًا من الإفراج عنهم تم ترحيلهم إلى سجن المزرعة.. وليلة استقبال الشيخ أحمد شريت في سجن المزرعة كانت فرحًا عامًا.. واستقر الشيخ وكنت معه والأخ الحاج مصطفى الكومي، والأخ طاهر أبو سعدة في زنزانة مع آخرين.. وكعادته ملأ الشيخ المكان بالعلم والبهجة.
وأتيحت فرصة وسمحت إدارة السجن بتحويل إحدى الزنزانات الكبيرة كملحق للمستشفى، وتم تجهيزها ببعض الأسرة.. فانتقل الشيخ للإقامة بها على أن يأتي لتناول وجبات الطعام معنا. 
وفي أحد الأيام تأخر في المجيء لتناول طعام الإفطار فذهبت إليه، وإذا به راقد في سريره، واستفسرت منه عن سبب تأخره فقال: إنه يشعر ببعض التعب، ولكني الححت عليه فإخوانه في انتظاره، وقام معي، وفي الطريق إلى الزنزانة تعثر ولم يستطع مواصلة السير.

إصابته بجلطة في المخ
استدعينا الأخ الطبيب عبد الفتاح الجندي، وكان معتقلًا معنا، فأشار بضرورة نقلة فورًا إلى المستشفى، وفي المستشفى تبين أنه أصيب بجلطة في المخ.. وكان لابد من نقله فورا إلى قصر العيني.. وكانت إدارة السجن عند حسن الظن، فلم يمض إلا وقت قصير وحملته سيارة إسعاف إلى المستشفى... حاولت مرافقته ولكن الطبيب أشار على بأنه سيطلب من إدارة السجن السماح لي بالتردد إلى قصر العيني لعلاج الجيوب الأنفية التي كنت أعاني منها، وذلك لمقابلة الشيخ. 
ذهبت إليه في اليوم التالي.. وقابلته في المستشفى، وكان مرحبا كعادته يلاطف الأخ المرحوم رجب الخميس صاحب القلب الكبير والنفس المخلصة، وطلب مني أن أحضر له بعض المستلزمات.. وانصرفت عائدًا إلى السجن وأحضرت له ما طلب. وفاته: وفي اليوم التالي ذهبت لألقاه... ووجدت أخاه الأستاذ محمود في حجرة الحرس، فتصورت أنه جاء لزيارته، ودخلت على الأخ رجب فوجدت الدموع تنهال من عينيه وصدمني الخبر وظللت واجمًا إلى أن حكاها لي المرحوم رجب الخميس.. فقد حكى له الشيخ عن رؤيا رآها في الليلة السابقة أن المرحوم الأخ أحمد نار (1) أتاه، وقال له: بدلًا من مقامك هنا تعال لتعيش مع أخيك المرحوم عبد الحميد البرديني (2)، وكان الاثنان قد توفاهما الله وقال للأخ رجب: لقد وجدت الأخ عبد الحميد البرديني في الجنة يرفل في النعيم فتاقت نفسي لصحبته وقال الشيخ للمرحوم رجب إني سألقي الله قريبًا.. ولم تمر سويعات إلا وكان له ما أراد.
وصعدت روحه إلى بارئها تنضم إلى مواكب الشهداء الصالحين تنعى على الظالمين ظلمهم، وتشتكي إلى الله ما أصابها في سبيله.
ترك وصيته وكان محصلتها أنه مدين بمبلغ يسير أوصى بسداده وكان له ما أراد. 
وترك ابنه محمد الذي أصبح طبيبًا وسار على نهج والده مقتفيًا أثره. 
وهكذا نقدم للأمة الإسلامية نموذجًا آخر من نماذج التربية الإخوانية التي اختارت المسار الإسلامي سبيلًا، والجهاد في سبيله طريقًا، غايتها الله وقدوتها رسوله الكريم ﷺ، لم تنحن منهم الهامات ولم يشغلهم زخرف الدنيا عن نعيم الآخرة.

الهوامش
(1) أحمد نار كان أحد فتوات محافظة الشرقية، وكان الجميع يخشى بأسه حتى شيوخ المنسر.. ويأبى الله إلا أن يمن عليه بالهداية ويصبح جنديًا عاملًا في صفوف الجماعة هو وأخوه «مالك نار».
(۲) عبد الحميد البرديني، أحد المجاهدين الصابرين الذي لقي الله في السجن وقد ابتلي هو وإخوته وأبناؤه وأبناء إخوته.

الرابط المختصر :