العنوان نقاطع «إسرائيل» ولا نقاطع الأقصى
الكاتب د. عبد الله الأشعل
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-2001
مشاهدات 56
نشر في العدد 1433
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 09-يناير-2001
لعل السؤال الذي يلح الآن على الخاطر هو كيف يمكن اتباع سياسات عملية لتأكيد الحقوق العربية في القدس؟ لا شك أن الالتزام بالموقف الثابت وهو المطالبة بكل القدس انطلاقًا من أن نقطة البداية في أي تحليل لوضع القدس هي أن القدس عربية قبل أن تنشأ «إسرائيل» وأن «إسرائيل» اغتصبت القدس غبنًا في البداية، ثم أكملت اغتصاب شرقها خلال عدوانها عام 1967م.
وإزاء هذا الموقف الثابت الصحيح المبني على الحق الصراح يجب أن يفهم المركز القانوني للقدس فهمًا صحيحًا، وأن نلح على هذا الموقف الشامل مهما اختلت موازين القوة اليوم ومهما تواضعت حسابات القوة لأن الحق شيء ومكنة استخلاصه شيء آخر، فـ«إسرائيل» حائزة للقدس وتريد بهذه الحيازة أن تجعلها نداءً للحق، بل هي تريد أن تقلب الحيازة إلى حق وأن تزيف دعاوى الحيازة وتجعلها مقبولة في السياق الدولي والسياق الإقليمي، وهي لذلك تلجأ إلى تغيير هوية المكان حتى تجعل موضوع الحق غير محدد مغايرًا للموضوع الذي درج الناس عليه، وقد نجحت في الكثير مما رسمته في هذا الاتجاه، ولكن العالم العربي لا بد أن يصر على أن كل ما قامت به في هذا السياق لا يمس أصل الحق ولا ينال من مرجعيته، وأن المسافة لا بد أن تظل بعيدة بين حيازة غير مشروعة قلقة مضطربة، وبين حق بيِّن غذته دماء الشهداء عبر الإصرار الفلسطيني المتصل، وهذا بالتحديد هو القيمة الحقيقية لثورة الأقصى.
وإن مواجهة الحيازة الزائفة لا بد أن تأخذ في اعتبارها أيضًا أن وضع اليد الصهيونية قد تمكنت من خلق أوضاع تجعل التقابل تمامًا بين شرعية الحق في فلسطين وبين المظاهر العملية لوضع اليد، وأهم هذه المظاهر تحكم «إسرائيل» ماديًا في المدينة المقدسة، وتعديل النسبة السكانية في المدينة بين الفلسطينيين والصهاينة، وخلق ظروف اقتصادية غير محتملة للعرب لتجبرهم على مغادرة المدينة، واتباع سياسات خانقة تهدف كلها إلى تفريغ المدينة من العرب.
في ضوء هذه الحقائق اليائسة يبدو لنا من المناسب أن ندرس فكرة التمييز بين مقاطعة «إسرائيل»، ومقاطعة الأماكن المقدسة، فلا شك أن التمسك بكل سياسة تؤكد عدم الاعتراف بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل» أمر لا مفر منه، لأنه يتفق مع خط الشرعية الدولية في المدينة ويحرم «إسرائيل» من إسباغ الشرعية على تصرفاتها المادية فيها، وهو ما تستميت لتحقيقه.
وقد تردد مؤخرًا اقتراح يهدف إلى تشجيع المسلمين في كل أنحاء العالم على زيارة القدس بوصفها فريضة دينية واجبة، وأضيف عليه تشجيع المسيحيين أيضًا في العالم العربي، صحيح أن موقف الكنيسة المصرية الذي يمنع على أتباعها زيارة الأماكن المقدسة في القدس ما دامت «إسرائيل» تحتل المدينة حتى لا تفسر الزيارة على أنها اعتراف بواقع غير مقبول هو موقف يتفق مع التضامن من أجل المدينة المقدسة ورفض الغصب الإسرائيلي، إلا أنني أعتقد أن الدعوة إلى الزيارة الآن تتم في إطار الإيضاحات الآتية:
أولًا: أن زيارة الأماكن المقدسة في القدس حق للمسلمين والمسيحيين في العالم كله بوصفه حقًا دينيًا وباعتبار حرية الوصول إلى هذه الأماكن من المبادئ المقررة في القانون الدولي الراهن، فضلًا عن أنها حق لا تملك سلطات الاحتلال تعویقه سواء بالنسبة لسكان فلسطين أو غيرهم، وهو حق مقرر بموجب اتفاقية جنيف الرابعة.
ثانيًا: أن هذه الزيارة تعد تكريسًا لتجاوز أهمية هذه الأماكن للفلسطينيين وحدهم، وإنما تمتد هذه الأهمية إلى العالم الإسلامي والعالم بأسره مما يكرس التزام العالم الإسلامي وغيره بالدفاع عن القدس.
ثالثًا: صحيح أنني لا أجيز الفصل بين المدينة والأماكن المقدسة ولا أوافق على تجزئة القضية إلى شقين سياسي وديني بحيث يكون لإسرائيل السيادة، وللكل حرية العبادة، فهذه في ظني مقولة فاسدة، ولكن زيارة الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية يحمي هذه الأماكن من الاعتداء عليها ويرد إسرائيل إلى حقيقة وضعها بوصفها سلطة احتلال تحكمها قواعد القانون الدولي، ومن بينها قرارات مجلس الأمن المؤكدة لوضع المدينة.
وطبيعي أن مثل هذه الزيارات لا يمكن أن تلبي الجانب الديني والروحي وحده وتخلق حالة من التعايش بين استمرار الاحتلال وحرية الوصول إلى أماكن العبادة.
رابعًا: لا يخفى ما يترتب على زيارة الأقصى وغيره من إضفاء أمن نفسي على العرب في المدينة، وإشاعة جو من الإنعاش الاقتصادي لهم وتوفير فرض العناية بالأماكن المقدسة ودعم الهوية الحضارية للمدينة وثقافتها العربية الإسلامية.
خامسًا: أن هذا الاقتراح يدعو إلى التمييز بين حق وحرية الوصول إلى أماكن العبادة وبين الحالة السياسية السائدة حول هذه الأماكن، فهذه الأماكن ستظل مقدسة مهما اشتد عبث العابثين بها ولن يؤثر اغتصاب الأرض على هذه القدسية وعلى أصل الحق.
وقد أشار الدكتور محمود حمدي زقزوق - وزير الأوقاف المصري – وهو يقدم اقتراحًا مماثلًا إلى أن سيطرة قريش على بيت الله الحرام لم تمنع المسلمين من الحج والعمرة، وحتى عندما تصدت قريش لهم وافق الرسول صلى الله عليه وسلم على وقف الزيارة بموجب صلح الحديبية الذي كاد يفرق صف المسلمين لولا وعد الله لرسوله بالفتح الأكبر، ولم يقل أحد إن زيارة المسلمين للبيت الحرام بوصفه من شعائر الإسلام كان تسليمًا منهم لسيطرة قريش، كما لم يقل أحد بأن التوجه في الصلاة إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة إلى مكة كان يقتضي الحج إلى بيت المقدس، وسبب ذلك أن زيارة البيت الحرام حتى وهو في أيدٍ غاصبة، وحتى قبل أن يصبح قبلة المسلمين في صلواتهم هو من أعمدة الإسلام الخمس وهو حج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا.
ومعنى ما تقدم أنه وإن كانت زيارة المسجد الأقصى عند المسلمين في يوم من الأيام واجبًا دينيًا، فإن اقتراحي من شأنه أن يجعل زيارة هذا المسجد فريضة سياسية وعملية أيضًا هدفها الأساسي هو التضامن العملي مع الحق العربي في المدينة المقدسة، كذلك لا يخفى ما في التقابل في هذا المثال بين كفار قريش و«إسرائيل» من اختلاف في مركز الطرفين، فكفار قريش هم سادة المكان تاريخيًا بخلاف إسرائيل التي لم يمض على إنشائها أكثر من خمسين عامًا لم تكن القدس على الدوام محل اهتمامها ولا مقصد سياساتها أو عزمها عندما كانت تختار عاصمتها.
يبقى بعد ذلك نقطتان:
النقطة الأولى أن الاقتراح يتوجه إلى المسلمين والمسيحيين العرب، لأن المسيحيين في العالم يحجون عادة إلى القدس دون انتظار، وليس لهذه الزيارة مغزى مباشر يتصل باقتراحنا، ولا أظن أن استجابة المسلمين دون الأقباط في مصر من شأنه المساس بالوحدة الوطنية أو شق الصف تجاه قضية حيوية تستحق منا جميعًا النظر إلى المصلحة العليا فيها بكل الصدق والتجرد.
والنقطة الثانية تتصل بمدى تجاوب إسرائيل، بوصفها سلطة احتلال مع طلبات الزيارة التي ستقدم بالطبع إليها، المفترض أنها سوف تعارض منح أي تصاريح للزيارة، ولكن هذا الرفض يمكن تحديه من كل ذي شأن في المحافل الدولية، ومن شأن ذلك هو الآخر أن يدعم قضية القدس في نهاية المطاف، وطبيعي أن تختص السلطات الفلسطينية بالإشراف على الزيارات وتحصيل الرسوم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل