; من الحياة.. نفسية اليتيم.. وكيف نتعامل معها؟ | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة.. نفسية اليتيم.. وكيف نتعامل معها؟

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر الجمعة 20-أبريل-2012

مشاهدات 226

نشر في العدد 1998

نشر في الصفحة 60

الجمعة 20-أبريل-2012

أعرف صديقا توفي أخوه وترك ثلاثة أبناء وخمس بنات جميعهم في مراحل التعليم.. يقول الرجل عندما توفي أخي كنت أملك مائة ألف جنيه مصري، فقلت لزوجتي: ما رأيك أن نعطي أولاد أخي وزوجته الأرملة نصف ما نملك بنية رعاية اليتامى وأمهم الأرملة، فوافقت زوجتي الكريمة الصالحة.. 

كنت واثقًا حين أعطيت أولاد أخي خمسين ألف جنيه بأن الله عز وجل سيخلف علي، وسيضاعف لي ما أنفقت أضعافا كثيرة لكني كنت أبتغي رضا وجه الله والجنة، كما أن قلبي رق لأبناء أخي حين رأيتهم يبكون والدموع تنهمر من أعينهم، وقرأت في أعينهم الخوف من المستقبل فوجدت دافعا قويا لما فعلت، وأخبرتهم بأن هذه الأموال كانت لأبيهم عندي، وللآن لم أفصح لهم عن أنها أموالي لأني ابتغيت بها وجه الله تعالى... 

وقد كان تصرفي في هذا نقطة تحول في حياتي كلها، فقد كان أولادي متعثرين في دراستهم، فصاروا فائقين، ولقد فتح الله علي من أبواب رزقه ما لم أكن أحتسب!!

ويشهد العالم بوجه عام، وعالمنا العربي الإسلامي بوجه خاص تزايدًا كبيرًا في عدد اليتامى، وذلك لأسباب متعددة، أهمها انتشار الحروب والفتن، وليس منا ببعيد ما يحدث فيفلسطين من جرائم اليهود، وكذلك ما حدث نفسية اليتيم.. وكـيف نتعامل معاها؟

في بلاد عربية أخرى - ولا يزال يحدث - في العراق واليمن وليبيا وسورية.. وغيرها من بلاد المسلمين. 

وفي ظل تزايد أعداد اليتامى ما أحوجنا إلى القلوب الرحيمة التي ترق إلى دمعة اليتيم كما رق قلب صديقي صاحب المبادرة الكريمة إنه استجابة لدعوة الله ورسوله إلى أن نعيش الحياة الحقيقية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال:24)

القرآن الكريم يوصي باليتامى 

فقد حث الله تعالى على رعاية اليتيم وجعلها من أعظم أبواب الخير، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:215). كما أوصى القرآن الكريم بالإحسان إلىاليتامى، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (البقرة: ۸۳) ويقول سبحانه أيضًا: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (النساء:36) 

كما حث القرآن الكريم على الإنفاق عليهم من أموالنا التي نحبها، قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (البقرة:۱۷7) 

وأمرنا بإطعامهم قال سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)﴾(الإنسان) 

وأمر سبحانه بإصلاحهم والتلطف معهم ونهانا عن قهرهم. ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٢٠) وقال تعالى أيضًا: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9)﴾ (الضحى) 

وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾ (الماعون)

الرسول واليتامى 

اقتضت حكمة الله تعالى أن يعيش نبينا الرحيمﷺ طفولته يتيمًا، ومن ثم فمن ذاق عرف، لقد ذاق اليتم ﷺ فكان رحيمًا رقيقًا باليتامى، فهو الذي أوصانا بهم خيرًا، فمن هديه ﷺ أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ... وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى. 

(صحيح الأدب المفرد) 

ومن هديه ﷺ أيضًا في الرفق باليتيم قوله أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة والساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد فيسبيل الله (صحيح الجامع). 

وبرغم كثرة النصوص الشرعية - من القرآن والسنة النبوية - التي توصينا برعاية اليتيم والإحسان إليه فإن كثيرًا من الناس قست قلوبهم، قعدوا لا يفكرون إلا في أنفسهم بل وجدنا بلادا غير إسلامية تهتم بالرعاية الشاملة لليتامى، ومن فضل الله تعالى ومنته أننا نجد اهتماما كبيرا باليتامى في بلاد الإسلام، وخاصة دولة الكويت حفظها الله وأهلها، وزادهم خيرًا. 

الاستبطان.. والإحساس باليتيم 

يرى علماء النفس أن الاستبطان Introspection هو إدراك المرء أحاسيس غيره ومشاعرهم، فيستطيع الواحد منا بالاستبطان أن يشعر بآلام اليتيم وحرمانه إذا ما نظرإلى دموعه وتصور معاناته واحتياجاته وحرمانه، أو تدبر آية قرآنية أو هديا نبويا أو قصة مؤثرة. 

والحقيقة أن استبصار حالة اليتيم ومشاعره الداخلية أمر ليس بالسهل، فهو يتطلب قدرات تربوية وإنسانية عالية، لا يشعر بها إلا اليتيم نفسه، فاليتيم يشعر بالألم والانكسار والحرمان، فاليتامى من الفئات التي تعاني معاناة نفسية واجتماعيةوتكون معاناتهم أشد وأعظم عندما يتخلى عنهم الآخرون، وتقسو عليهم قلوبهم من حولهم من البشر. 

يقول الشيخ ابن جبرين تعليقا على قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9)﴾ (الضحى)

المراد لا تذله، ولا تضره، ولا تضيق عليه، ولا تنهره، ولا تزجره زجرًا يتأثر به نفسيًا؛ لذلك قال المولى سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾ (الماعون) 

ويرى علماء النفس أن الاستبطان نوع من الملاحظة الذاتية التي يقوم بها الفرد عن طريق العمليات العقلية والنفسية وما يدور فيها، وبمعنى آخر هو نوع من الرؤية الداخلية لكوامن الذات، سواء أكانت مباشرة وقت حدوث النشاط الإنساني، أم العملية العقلية، فيحدث نتيجة ذلك إحساس بالآخر. ولقد جسد أبو الطيب المتنبي هذا المعنى - وإن كان جسده في مقام الحب لا مقام اليتم - حين قال: 

عدل العواذل حول قلبي لقائه                     ومني الأحبة منه في سودائه

 يا عاذلي كف الملام عن الذي                     أعياه طول سقامه وشقائه 

إن كنت ناصحه فداو سقامه                       وأعنه ملتمسًا لأمر شفائه

 حتى يقال بأنك الخل الذي                              يرجى لشدة دهره ورخائه 

لا تعذل المشتاق في أشواقه                    حتى يكون حشاك في أحشائه 

فومن أحبك لأعصينك في الـ                       ورى قسمًا به وبحسنه وبهائه 

إن القتيل مضرجًا بدموعه                         مثل القتيل مضرجًا بدمائه 

ليست الماديات هي الأساس في إصلاح حال اليتيم، فهناك حاجات نفسية أخرى ينبغي إشباعها لدى الطفل، سعيا إلى بناء شخصية الطفل اليتيم وتعزيز صحته النفسية على أساس أن الصحة النفسية للطفل لا تتوقف على تلبية حاجاته الوظيفية الفسيولوجية. 

فالصحة النفسية لليتيم أساس في تحقيق وتتمثل هذه.. Self-actualization الذات الصحة النفسية في الإحساس بالطمأنينة النفسية كما يرى عالم النفس Preston وهذا يتطلب توافر الحب والتقبل والاستقرار. 

إن اليتيم يفتقد كثيرًا إلى التوجيه والإرشاد والتربية لتنشئته تنشئة اجتماعية Socialization بصنفيها الأسري والبيئي التي يسعى من خلالها الآباء والمربون إلى اكتساب النشء عادات وسلوكيات إيجابية تتوافق مع المعايير المجتمعية، وهذا أول ما يفتقده اليتامى، ويتلو ذلك مفقودات أخرى يفقدهااليتيم، وأهمها: عدم تلبية حاجاته الأساسية وما يتبعها من إحباطات من الجانبين النفسي والمادي، مما يؤثر - سلبا - على صحته النفسية وتوازنه النفسي وتكيفه الاجتماعي. إن الطفل اليتيم يصاب بإحباط يؤثر سلبًا على صحته النفسية Mental Health عندما يتلقفه الشارع القاسي وأصحاب الضمائر الميتة، وعندما لا تلبي حاجات الطفل اليتيم.. وتتفاوت هذه الأزمات شدة وخطورة تبعا لقوة الدوافع Motires المتصارعة، وكثرة الزواجر وهذا ما يجعل اليتيم صيدا سهلا للوقوع في الاضطرابات النفسية والجسمية، وهذا بالتالي يؤدي إلى نفوره من المجتمع، وتمرده عليه واغترابه عنه، وذلك يخلق مناخا يدفعه إلى ارتكاب المحظور من السلوكيات على الصعيدين النفسي والاجتماعي.

إن إشباع الحاجات النفسية للطفل اليتيم الذي فقد والديه، ومن ثم يكون في حاجة ملحة إلى النمو العاطفي، ويتمثل الغذاء المؤدي إلى النمو العاطفي في إحاطة اليتيم بالحب والحنان والقرب منه، وهذا ما أكدته دراسة، هارلو Harlow التي أجريت على صغار القردة، فما بالك بالإنسان؟ لقد أكدت دراسته هذه احتياج القرد الصغير إلى وجود أمه بالقرب منه أكثر من احتياجه إلى الطعام وهذا يدل على أن رعاية اليتيم لا يعني أن نغدق عليه الأموال فقط، بل الأهم من ذلك أن نرعاه نفسيًا واجتماعيًا وتربويًا وعاطفيًا.

إن اليتيم لديه القدرة على تمييز الحب الحقيقي المدعم بالحنان والرأفة والمودة والعطف من مظاهر الحب الخداعة، ومن ثم فليست الهدايا أو الحلوى والكلام المعسول غير الصادق والدعايات البراقة الكاذبة التي يتغنى بها كثير من الناس، بل يحتاج الطفل اليتيم إلى سلوك الحب الصادق، يصدقه العمل والتطبيق والتضحيات، فذلك يسهم إسهاما فعالا في بناء شخصية سوية، أو لإصلاح ما تهدم من البناء النفسي والجسدي لشخصية الطفل. 

إن الطفل اليتيم يحتاج إلى الغذاء، ولكنه في حاجة أكبر إلى أن نقدم له مع الغذاء روحا ترفل بالرحمة والشفقة والعطاء، روحا يستشعرها ويجسدها في علاقته مع من حوله، وهذا يكون كمثل الأم ترضع ابنها وتعطيه مع الرضاعة لمسات دافئة من الحنان والمودة والرحمة، كي تنعم نفسه بالطمأنينة والسعادة، بعكس الأم التي ينتابها الملل والضيق عند رضاعة ابنها وإبعاده عنها بقوة وهذا ينعكس على الطفل في شعوره بعدم الأمن والثقة، وكما يشعر بالحرمان، وعدم الثقة وهؤلاء غالبا ما يصابون بالعدوانية عندما يخرجون إلى الحياة بالمجتمع. 

حاجة اليتيم إلى التقبل 

ينبغي لمن يتعامل مع اليتامى أن يتقبلهم ولا يشعرهم بأنهم منبوذون على أن يظهر ذلك في سلوكيات من يتعامل مع اليتامى وتصرفاتهم، فإن ذلك يدعم ثقة اليتيم بنفسه، ويكون لديه اتجاهات إيجابية لدى المجتمع، ولدى الآخرين، وتستطيع أن نشعر اليتيم بذلك عندما نرحب به ترحيبا صادقا ونبرز اهتمامنا به.

نصائح لإحسان التعامل مع اليتيم 

أولًا: التعامل مع اليتيم على أساس أنه عضو فعال ومؤثر لديه قدرات وخبرات شخصية، وأن نحترم استقلاليته وذاتيته.

 ثانيا: الحذر من إطلاق الأحكام السلبية المتعجلة على اليتيم، وأن نتجنب إيذاءه، حتىلا نضر بالصحة النفسية للطفل اليتيم. 

ثالثا: عدم التسرع في إطلاق الأحكام على نفسية الطفل اليتيم وخصائصه ومستقبله لأن شخصيته في نمو مستمر. 

رابعا: مراعاة القدوة، لأن الأطفال اليتامى كسائر الأطفال - شغوفون بالتقليد والتقمص فقد أكدت الدراسات العلمية التي أجريت على الأطفال اليتامى أن المربي يقوم بدور كبير في بناء شخصية الطفل اليتيم، وأن الطفل يأخذ كثيرا من سلوكياته من مشرفه التربوي كما يرى علماء النفس أن كثيرا من الانحرافات السلوكية للطفل اليتيم يعود إلى فشل الكوادرالمشرفة على تربيته، وإلى أنهم ليسوا قدوة. خامسا: تجنب التربية السلطوية أو التسلطية، لما لذلك من تأثير بالغ على شخصية الطفل بشكل عام واليتيم بشكل خاص، حيث إنها تولد إحساسا بالضغط لدى الطفل، ويؤدي ذلك إلى عملية الكبت Repession التي غالبا ما يلجأ إليها هذا الطفل نتيجة الأوامر والنواهي الصارمة التي يفرضها المربون على الطفل اليتيم، وهذا قد يؤدي إلى الصراع Conflict، إذ إن الرغبة التي تكبت لا تموت بل تظل تتفاعل داخليا وتتحين الفرص أو الظرف المناسب لتظهر بشكل عارض مرضي يهدد السلامة النفسية للطفل اليتيم.. وعلى الجانب الآخر أكدت دراسة بالدوين Baldouin أهمية العلاقات الحميمية في بناء الشخصية وتنميتها، فدور الأيتام الذي تسود فيها علاقات الحب والرفق تقدم للمجتمع شخصيات صالحة سوية قادرة على الإبداع والإنتاج لديها ولاء لمجتمعها محبة لوطنها.

الرابط المختصر :