العنوان نفحة من.. شعر الحماسة
الكاتب عبد القادر طاش التركستاني
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1973
مشاهدات 64
نشر في العدد 150
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 15-مايو-1973
«إن الأمة الإسلامية تأمل في أن تسخى أرضها
المعطاء بأمثال هؤلاء الشعراء ليبثوا في المسلمين روح العزة والاستعلاء ويحببوا
إلى نفوسهم الجهاد والاستشهاد في سبيل الله».
كلمة صادقة صادرة تجد مكانها على صفحات هذه المجلة..
مجلة الأدب التي وجدت لتخدم -بقدر المستطاع -ذلك الهدف من النظرات العامة للأدب
الإسلامي في كل ميدان.. والدعوة إلى إيجاد أدب إسلامي موجه يرنو إلى حياة ينظر
المسلم فيها إلى وجود حقيقي لأدب إسلامي يقرأه.
ونحن ننشر كل ما من شأنه تقديم فائدة للأدب
الإسلامي.. ففي هذه الصفحة نخبة من الإخوة الذين وجدوا في أنفسهم الكفاءة والقدرة
على العطاء والبذل ونشر المنافع لأبناء الأمة.. فإننا نرحب دومًا بكل إنتاج يأخذ
الصورة المذكورة وما حددنا لها من أبعاد في أعداد سابقة.
وفي هذا العدد لقاء مع أخ كريم فكر ثم رأى أن من
الواجب عليه كمسلم يستطيع العطاء، أن يقدم ما يستطيع، فكانت هذه الكلمات المنشورة
إلى جانب هذه الكلمة تعبيرًا عن إفساح المجال لكل مسلم يحس هذا الإحساس النبيل
والشعور الفياض تجاه ثقافته وتجاه قيمه.
وأنه لمنطلق جميل أن يبدأ الأخ حديثه عن نظرة نحن
أحوج إليها في الحديث في زمننا هذا.. وأيامنا على وجه الخصوص: أن الكلمة هي الأخت
الكبرى للسلاح المندفع.. وأنها الحماس الشديد الذي كان يروي قلوبًا طالما تعطشت
لأحواض الجنة تبتغي الحياة الهانئة في جنان الخلد.. وتربأ بنفسها عن حياة لا يجد
فيها المرء طعمًا لراحة.. إلا أن يكون مسلمًا صادق الإيمان فإنه يجد لذة هذه
الحياة.. بمقدار ما يتجه إلى السماء.. يجيل ببصره متدبرًا آيات الخلاق.. ويسأله
العفو والعافية من زلات هذه الحياة.. ثم إنها جسر لتلك الدار المؤملة.. فوجوده وجود
الراحل وإنما مقامه مقام المسافر استظل تحت شجرة ثم مضى لشأنه.
كلمات طيبة يسجلها الأخ عبد القادر طاش محمد من
كلية اللغة العربية بالرياض حول موضوع الحماسة.
الحماسة: فن من
الفنون الأدبية التي لها أثر كبير في شحذ الهمم وإلهاب العاطفة، ولقد استطاع
الشعراء المساهمة في بعث العاطفة الإسلامية وتحريك المشاعر الصادقة وإثارة روح
الاعتزاز بالإيمان في مواقف عديدة وخاصة في ساحات القتال ومعامع النزال، وكان لتلك
النفحات الشعرية الحماسية التي جادت بها قرائح الشعراء في كل وقت فعل السحر في
نفوس المؤمنين فحملوا أرواحهم في أكفهم ولم يترددوا في بذل دمائهم رخيصة في سبيل
إعلاء كلمة الله ونصر الدعوة الخالدة، وكانت تلك النفحات تستمد أصالتها وصدقها
وتأثيرها من كتاب الله عز وجل ومن سيرة المصطفى ﷺ.
ولعل الذي يلفت نظرنا في شعر الحماسة الإسلامية تلك
الرغبة الصادقة والشوق العارم والحنين الشديد إلى الاستشهاد في سبيل الله وبذل
الروح فداء للعقيدة.
ومن تلك النفحات الخالدة أبيات جميلة قالها عبد
الله بن رواحة حينما قال له المسلمون -وقت خروجه إلى غزوة مؤتة- ردكم الله إلينا
صالحين، ولكنه لا يريد أن يرجع بل يسأل الله أن يكتب له الشهادة فيلحق بالإخوان في
رياض الجنان، واستمع إليه وهو يقول:
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ***
وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا
وَطَعْنَةً بِيَدَيْ حَرَّانَ مُجْهِزَةً ***
بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الأَحْشَاءَ وَالكَبِدَا
حَتَّى يُقَالَ إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي ***
أَرْشَدَهُ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا
وعندما لمح في نفسه شيئًا من تردد وإباء جعل يؤنب
نفسه أشد التأنيب ويخاطبها بقوله:
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ ***
لَتَنْزِلِنَّهْ أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ
إِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرَّنَّهْ ***
مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الجَنَّهْ
قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّهْ *** هَلْ
أَنْتِ إِلا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ
كلمات صادقة ومشاعر فياضة بالشوق إلى الجنة،
والشاعر يرى أن طريق الجنة لا تكون إلا بالاستشهاد في ساح المعركة.
وهذا كعب بن مالك يقول في وصف المؤمن الصادق في
جهاده بأنه يرى القتل في سبيل الله والاستشهاد من أجل رفعة دينه مدحًا وفخرًا
وفوزًا، وأنه يحمي عقيدته وفكرته بجميع ما يملك، وأن يجود بنفسه دون نفس نبيه لأنه
يحب نبيه أكثر من نفسه، وأنه يرجو بذلك كله جزاءً حسنًا وفوزًا عظيمًا وعزًا
مؤثلًا عند ربه في اليوم الآخر. يقول:
وَنَحْنُ وَرَدْنَا خَيْبَرًا وَفُرُوضَهُ ***
بِكُلِّ فَتَى عَارِي الأَشَاجِعِ مِذْوَدِ
جَوَادٍ لَدَى الغَايَاتِ لا وَاهِنِ القُوَى ***
جَرِيءٍ عَلَى الأَعْدَاءِ فِي كُلِّ مَشْهَدِ
عَظِيمِ رَمَادِ القِدْرِ فِي كُلِّ شَتْوَةٍ ***
ضَرُوبٍ بِنَصْلِ المَشْرَفِيِّ المُهَنَّدِ
يَرَى القَتْلَ مَدْحًا إِنْ أَصَابَ شَهَادَةً ***
مِنَ اللَّهِ يَرْجُوهَا وَفَوْزًا بِأَحْمَدِ
يَذُودُ وَيَحْمِي عَنْ ذِمَارِ مُحَمَّدٍ ***
وَيَدْفَعُ عَنْهُ بِاللِّسَانِ وَبِاليَدِ
وَيَنْصُرُهُ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ يَرِيبُهُ ***
يَجُودُ بِنَفْسٍ دُونَ نَفْسِ مُحَمَّدِ
يُصَدِّقُ بِالأَنْبَاءِ بِالغَيْبِ مُخْلِصًا ***
يُرِيدُ بِذَاكَ الفَوْزَ وَالعِزَّ فِي غَدِ
ويقول أيضًا في يوم الخندق:
مَنْ سَرَّهُ ضَرْبٌ يُمَعْمِعُ بَعْضُهُ ***
بَعْضًا كَمَعْمَعَةِ الأَبَاءِ المِحْرَقِ
فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً تُسَنُّ سُيُوفُهَا ***
بَيْنَ المَذَادِ وَبَيْنَ جِزْعِ الخَنْدَقِ
ثم يصف أولئك الأسود بأنهم قد أسلموا أرواحهم لربهم
فنصر الله بهم نبيه:
دُرِّبُوا بِضَرب المُعلمِينَ وَأَسْلَمُوا ***
مُهَجَاتِ أَنْفُسِهِمْ لِرَبِّ المَشْرِقِ
فِي عُصْبَةٍ نَصَرَ الإِلَهُ نَبِيَّهُ *** بِهِمُ
وَكَانَ بِعَبْدِهِ ذَا مِرْفَقِ
ثم يفتخر بشجاعة المسلمين وكيف أنهم لا يتركون
لعدوهم أثرًا حتى أن أكفهم وكأنها لم تخلق، وأن تلك الشجاعة إنما هي مستمدة من قوة
الله وعونه، ويصفهم بأنهم يستجيبون لأمر رسوله وأنهم إذا دعاهم للحرب والجهاد
فإنهم السابقون الذين لا يلحقون، فيقول:
نَصِلُ السُّيُوفَ إِذَا قَصُرْنَ بِخَطْوِنَا ***
قَدَمًا وَنُلْحِقُهَا إِذَا لَمْ تَلْحَقِ
فَتَرَى الجَمَاجِمَ ضَاحِيًا هَامَاتُهَا ***
بَلَّهَ الأَكُفَّ كَأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقِ
وَيُعِينُنَا اللَّهُ العَزِيزُ بِقُوَّةٍ ***
مِنْهُ وَصِدْقِ الصَّبْرِ سَاعَةَ نَلْتَقِي
وَنُطِيعُ أَمْرَ نَبِيِّنَا وَنُجِيبُهُ ***
وَإِذَا دَعَا الكَرِيهَةَ لَمْ نُسْبَقِ
وها هو ذا يعبر في الأبيات التالية عن رغبة
المسلمين في الجهاد وبسالتهم في الحرب فيقول:
إِذَا قَالَتْ لَنَا النُّذُرُ اسْتَعِدُّوا ***
تَوَكَّلْنَا عَلَى رَبِّ العِبَادِ
وَقُلْنَا لَنْ يُفَرِّجَ مَا لَقِينَا *** سِوَى
ضَرْبِ القَوَانِسِ وَالجِهَادِ
فَلَمْ تَرَ عُصْبَةٌ فِيمَنْ لَقِينَا *** مِنَ
الأَقْوَامِ مِنْ قَارٍ وَبَادِ
أَشَدَّ بَسَالَةً مِنَّا إِذَا مَا *** أَرَدْنَا
وَأَلْيَنَ فِي الوِدَادِ
ثم يذكر الغاية الكبرى والهدف الخالد لذلك الجهاد
وتلك المجالدة فيقول:
لِنُظْهِرَ دِينَكَ اللَّهُمَّ إِنَّا ***
بِكَفِّكَ وَاهْدِنَا سُبُلَ الرَّشَادِ
وحين غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان كعب بن
مالك يتوعد المشركين فيقول لهم: إما أن تسلموا فنقبل ذلك منكم وتصبحون أعوانًا لنا
وتحقنون دماءكم وأموالكم، وإلا فإننا سنجاهدكم صابرين ولن يكون أمرنا إلا قويًا
ثابتًا، وسنجالدكم حتى تنيبوا إلى الإسلام. ثم يذكرهم بمن عادى المسلمين من قبل
وكيف أن المسلمين انتصروا عليهم حتى أنهم جدعوا مسامعهم وأنوفهم («كناية عن الذلة
والهزيمة») وذلك حتى نعلي كلمة الله ونرفع راية الحق وتنسى الأصنام المعبودة من
دون الله. يقول:
فَإِنْ تُلْقُوا إِلَيْنَا السِّلْمَ نَقْبَلْ ***
وَنَجْعَلْكُمْ لَنَا عَضُدًا وَرِيفَا
وَإِنْ تَأْبَوْا نُجَاهِدْكُمْ وَنَصْبِرْ ***
وَلا يَكُ أَمْرُنَا رَعَشًا ضَعِيفَا
نُجَالِدُ مَا بَقِينَا أَوْ تُنِيبُوا *** إِلَى
الإِسْلامِ إِذْعَانًا مُضِيفَا
وَكَمْ مِنْ مَعْشَرٍ أَلَّبُوا عَلَيْنَا ***
صَمِيمَ الجِذْمِ مِنْهُمْ وَالحَلِيفَا
أَتَوْنَا لا يَرَوْنَ لَهُمْ كِفَاءً ***
فَجَدَّعْنَا المَسَامِعَ وَالأَنُوفَا
بِكُلِّ مُهَنَّدٍ لِينٍ صَقِيلٍ *** نَسُوقُهُمُ
بِهَا سَوْقًا عَنِيفَا
لأَمْرِ اللَّهِ وَالإِسْلامِ حَتَّى *** يَقُومَ
الدِّينُ مُعْتَدِلًا حَنِيفَا
وَتُنْسَى اللاتُ وَالعُزَّى وَوَدٌّ ***
وَنَسْلُبَهَا القَلائِدَ وَالشُّنُوفَا
وبعــد: فإن الامـة الإسلامية تأمل في أن تجدد ارضها
المعطاء بأمثـال هؤلاء الأبطال ليبثوا في المسلمين روح العزة والاسـتقلال ويحببوا إلى
نفوسهم الجهاد والاسـتشهاد في سبيل الله، ويوُقظوا فيهم النـخوة الدينية الصادقة
التي ترفض حياة الذل والهوان، وما أجدر شعراءنا وأدباءنا اليوم بالالتزام الصادق
بالكلمـة الـطيبة والتوجيه الخير، والارتفاع بالشعر والأدب من دركات الترف الفكري
واللهو الـرخيص.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل