الثلاثاء 20-أكتوبر-1987
إحدى المجلات العربية التي تصدر في نيقوسيا - قبرص مجلة تحمل اسم «طريق الانتصار» وما إن وقعت عيني على غلاف المجلة؛ حتى أثارني اسمها، وأثارني أكثر من الاسم رسم «المنجل والمطرقة» لصيقًا بهذا الاسم، فكان تعليقي العفوي «طريق الانتصار لا يكون بالمنجل والمطرقة» ثم دققت النظر في المجلة لأعرف مصدرها، فإذا هي «المجلة المركزية لحزب العمال الشيوعي الفلسطيني» فقلت في نفسي: وهل هناك حزب بهذا الاسم؟ هل لهذا الحزب وجود في الواقع؟
ثم فتحت المجلة لا تصفح ما بها، فإذا بها موضوع عن «هنري كورييل» مؤسس الحزب الشيوعي المصري، يحاول فيه كاتب المقال أن يعرف الأذهان عن حقيقة أن مؤسس الحزب الشيوعي المصري يهودي، وهو «هنري كورييل»، وإن هذا اليهودي أقيل في باريس في الرابع من أيار مايو عام ١٩٧٨ بتهمة التجسس لصالح المخابرات الإسرائيلية، علمًا بأنه طرد من مصر عام 1950.
وغني عن القول: إن معظم الأحزاب الشيوعية في البلاد العربية أسسها يهود، والمراجع حافلة بهذا الخصوص. وغني عن القول أيضًا أن اللجنة المركزية الأولى للحزب الشيوعي السوفياتي من اليهود، وأن ماركس ولينين وأنجلز من اليهود.. فلماذا تحاول مجلة «طريق الانتصار» «بالمنجل والمطرقة» أن تعرف الأنظار عن حقائق ثابتة، وهي أن مؤسس الحزب الشيوعي الفلسطيني من اليهود ومؤسس الحزب الشيوعي العراقي من اليهود، ومؤسس الحزب الشيوعي المصري من اليهود... وهناك أمثلة أخرى.
ولكن ما دمنا بصدد الحديث عن أرييل كوهين والحزب الشيوعي المصري؛ فإننا نستغرب هذا القول عل مجلة «فلسطينية» تزعم أنها مثل العمال الفلسطينيين أو شريحة من العمال الفلسطينيين، تطلق عليهم اسم «حزب العمال الشيوعي الفلسطيني»! وأين هم عناصر هذا الحزب المزعوم، هل هم في داخل الأرض المحتلة أم في خارجها؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات النفخ في جسم ميت هو الحزب الشيوعي المصري أو الحزب الشيوعي الفلسطيني؟ وبعد أن امتدت الصحوة الإسلامية لتشمل الأرض المحتلة كلها، ولتشمل المؤسسات التربوية والنقابية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية المصرية، بل الشارع المصري، بل لتمتد إلى كل أرض عربية أو إسلامية، بل لتضيء بنورها وسط دياجير الفساد في ديار الغرب نفسه؟
لماذا هذا الدفاع الهزيل عن النظرية الماركسية، التي أخذت تتلاشى في المعسكرات الشيوعية نفسها، في الاتحاد السوفياتي وفي الصين الشعبية وفي كثير من دول «المنظومة الاشتراكية»؟ ألم يعلم كاتب المقال عن التغيرات الجذرية التي تشق طريقها مبتعدة عن فكر ماركس ولينين وماوتسي تونج في السنوات القليلة الماضية؟
نعم، إن الحزب الشيوعي المصري أسسه في الأربعينات اليهودي المصري أرييل كوهين، حتى وإن كان يحمل اسم «الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني» «حدتو» وكان كورييل يرأس اللجنة المركزية لهذا الحزب. وهذا ما أكده كاتب المقال؛
حيث أثبت من حيث أراد أن يشفي سيطرة كورييل على الحزب الشيوعي المصري الذي كان أول مؤسسيه.
تقول «أيميه ستون» عضو أول لجنة مركزية «لحدتو» عن كورييل: «كان يجمع كل شيء، وكان الوحيد الذي لديه كل المعطيات في يده.. لقد كان كورييل دائمًا هو الذي يجذب كل الخيوط عبر اللجنة المركزية» «عن كتاب رجل من طراز فريد ترجمة كميل داغر ص ١٩٢ عن الكتاب الفرنسي رجل على حدة ص 1٩٥ للكاتب الفرنسي جيل بيرو».
ويغضب كاتب المقال حين يجد من يقول «عبد العظيم رمضان ورؤوف عباس»: إن الفكر الشيوعي قبل كورييل؛ أي في الثلاثينيات كان هزيلًا وفرديًّا، ويعتمد على جهود العناصر الأجنبية؛ لأن معنى ذلك أن الفكر الشيوعي يرفضه الشعب المصري المسلم، وأنه فكر دخيل وهزيل..
وحين يتحدث «جيل بيرو» عن نفس الموضوع، فيصف الفكر الشيوعي الذي سبق كورييل في مصر بأنه «حزب من الأجانب لفظ أنفاسه دون أن يترك أثرًا على الشعب المصري» يقول كاتب المقال: إن بيرو يكذب!!
فماذا يريد هذا الكاتب الشيوعي في مجلة تنسب نفسها إلى شريحة من عمال فلسطين؟ ماذا يريد أن يقول؟ هل الفكر الشيوعي متأصل في الشعب المصري؟ وأنه ليس فكرًا مستوردًا، وأن مؤسسي الحزب الشيوعي المصري ليسوا من الأجانب ولا من اليهود؟
السكرتير العام عميل للإنجليز:
فلتتناول واحدًا من المصريين كان يشغل منصب سكرتير عام الحزب في يوم من الأيام، وهو محمد عبد العزيز، ماذا يقول عنه الكاتب؟ يقول:
«كان عميلًا للاستعمار البريطاني وبوليسه المحلي، وليس هذا إلا مثلًا واحدًا»!
فإذا كان هذا المصري الذي يشغل منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي المصري عميلًا للاستعمار البريطاني وبوليسه المحلي، وإنه ليس إلا مثلًا واحدًا؛ أي أن هناك أمثلة أخرى، فمعنى ذلك أن هذا المصري ليس شيوعيًّا، ومثله الكثيرون مندسون في الحزب الشيوعي؛ لكشف تحركات الأجانب واليهود، وهذه شهادة له لا عليه، بالرغم من وصفه بالعمالة للإنجليز، وهي تهمة تحتاج إلى إثبات.
من المعروف أن الإنجليز أثناء الحرب العالمية الثانية كانوا يشكلون مع الروس الشيوعيين حلفًا ضد زحف الفوهرر الألماني هتلر بقيادة ثعلب الصحراء الغربية رومل، ولهذا غض الإنجليز النظر عن نشاط الحزب الشيوعي المصري الذي قاده كورييل في الأربعينيات.
«حدتو» و«إيسكرا»:
لقد كانت مجموعة هنري كورييل التي أطلق عليها اسم «حدتو» تضم في قيادتها بالإضافة إليه كلا من شقيقه راؤول وزوجته فيما بعد روزيت وريمون أجيون وزوجته غابي.
ثم انضمت إليه بمجموعة أخرى عرفت باسم «إيسكرا» كان يقودها شخص يسمى شوارتز. فهل في قيادة هاتين المجموعتين مصري واحد؟!
المصريون يسلمون الراية إلى كورييل:
يقول رفعت السعيد في كتابه «تاريخ المنظمات اليسارية المصرية 1940 – 1950»: كانت هناك مجموعتان شيوعيتان مصريتان؛ إحداهما في الإسكندرية وتضم كلًّا من الدكتور حسونة، وعبد الرحمن فضل، ومحمد عمر، وصفوان أبو الفتح.. ومجموعة القاهرة وكانت تضم كلًا من: شعبان حافظ، والدكتور عبد الفتاح القاضي... الخ
ويروي الدكتور عبد الفتاح القاضي في حديثه لرفعت السعيد عن تسليم قيادة الحزب الشيوعي المصري إلى كورييل ذات يوم، وعند عودتي إلى منزلي؛ إذ بأحمد إسماعيل جالسًا في مطعم رينون ومعه عسكري إنجليزي، ناداني وقدمه لي وكان اسمه «سام باردل» وكان متزوجًا من فتاة يهودية اسمها «هنريت آرييه» تعمل في مكتبة الميدان التي ملكها كورييل، وقدم أحد إسماعيل «سام باردل» على أنه عضو في الحزب الشيوعي الإنجليزي، وبعد حديث طويل سألني سام: لماذا تعملون متفرقين؟ وأبلغني أن هناك مجموعة أخرى.. وتعرفت على كورييل وابتدأنا العمل معه في تنظيم الحركة المصرية.
وهكذا أصبح اليهود والإنجليز يملكون قيادة الحزب الشيوعي المصري.. فكيف لا تكون هذه تهمة تصل إلى حد العمالة والخيانة، التي ألصقها الكاتب بمحمد عبد العزيز؟!
أما عن المكتبة التي أنشأها كورييل، فقد كانت تضم كتبًا للدعاية لقضية الحلفاء، وبعض الكتب والقواميس السوفيتية، وعددًا من الكتب اليسارية باللغات الأجنبية.
وكان هنري كورييل يريد من المكتبة أن تكون صالونًا أو ناديًا يساريًّا، وكان سعيدًا لأن الكثيرين من الضباط والجنود البريطانيين كانوا يترددون عل المكتبة، وكان يسره أنه أتاح فتح مكان جديد مناسب لقضية الحلفاء، وكانت فيلا الزمالك؛ حيث يقيم هنري تستقبل الضباط الإنجليز، أما حفلات الشاي الراقصة في الحديقة، فتضم من مائتين إلى ثلاثمائة جندي بريطاني... ينسون قسوة الحرب بين ذراعي فتيات جميلات «بورجوازيات»... ففي هذه الفئرة لم تكن الطائفة اليهودية تبخل بالمال على قضية الحلفاء؛ لأن «رومل» كان يدفع دباباته نحو النيل.. هذا ما جاء في كتاب بيرو المترجم إلى العربية باسم رجل من طراز فريد ص ٩٩ - ١٠٠ من الأصل الفرنسي وص102 – 103 من الترجمة العربية.
حلف يهودي إنجليزي شيوعي:
وهكذا يتضح كيف تحالف اليهود والإنجليز والشيوعيون مع الحلفاء، لا من أجل الوقوف في وجه هتلر النازي؛ بل من أجل تحطيم آخر خلافة إسلامية في تركيا، وإقامة الدولة اليهودية في فلسطين.
الأحزاب الشيوعية والقضية الفلسطينية:
وإن مواقف الأحزاب الشيوعية العربية من القضية الفلسطينية واضح لا يحتاج إلى تأويل.. لقد هتف الحزب الشيوعي العراقي عام ١٩٤٨ ضد «الحرب الاستعمارية العربية ضد كفاح إخواننا اليهود في فلسطين!!!»، ونادى الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي كان يعرف باسم «عصبة التحرر الوطني» «ع. ت. و» بالتعايش السلمي مع اليهود في فلسطين، ورفض مبدأ الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، وهذه بولندا وبلغاريا «المجر» ويوغسلافيا والصين تعيد علاقاتها مع الكيان الصهيوني في فلسطين بالتدريج، وهذا هو الاتحاد السوفياتي يعقد الصفقات مع الولايات المتحدة لطرح منظمة التحرير جانبًا، وإعادة العلاقات مع الكيان الصهيوني مقرونًا بمزيد من هجرة اليهود السوفيات إلى فلسطين، ويشترط مقابل ذلك إقامة علاقات دبلوماسية مع دول عربية ترفض حتى الآن إقامة علاقات مع السوفيت. وبعد اجتماع ريغان غورباتشوف في نوفمبر القادم ستتضح أمور كثيرة. ولا بد أن تصحو هذه الأمة على حقيقة لا مراء فيها، وهي أن طريق الانتصار هي منهج الله «لقد تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي» فهل نحن فاعلون؟