; نعم: لا متاجرة بالدين.. ولكن لا إلحاد فیہ | مجلة المجتمع

العنوان نعم: لا متاجرة بالدين.. ولكن لا إلحاد فیہ

الكاتب صالح حميد

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1976

مشاهدات 99

نشر في العدد 313

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 17-أغسطس-1976

 

نشرت مجلة النهضة الكويتية في عددها «٤٥٦» السنة التاسعة الصادرة في يوم السبت ۱۰ تموز «يوليو» ١٩٧٦ م: في صفحة «عزيزي المحرر» كلمة بعنوان «لا تتاجروا بالدين» وقد رمز صاحب الكلمة لنفسه بالرمز «ف. ش».

ولا أدري لماذا لم يصرح الكاتب باسمه حيث لا أرى داعيًا للتستر وراء الرموز لأن موضوع البحث لا يستدعي التستر، ولعل الذي حدا بالكاتب إلى ذلك تخوفه مما يقدم عليه؛ لأنه يعلم أنه بهذه المقالة يعتدي على الأمة في أغلى ما لديها وهو عقيدتها ومصدر عزها وفخرها، فلو صرح باسمه لما أمن من نتيجة انتصار أهل الحق لحقهم وكرامتهم، ذلك أن القوم الذين لا يتمسكون بعقيدتهم ولا يدافعون عنها إلى الحضيض مصيرهم وإلى الانحطاط طريقهم، والدفاع عن العقيدة هو الدليل الصحيح العملي على الاقتناع وبقدر ما يكون الاقتناع يكون الدفاع..

والكاتب في كلمته هذه يرد على مقال للأخت «جواهر الراشد العبد اللطيف»، وقد وصف الكاتب مقال الأخت بأنه «دفاع لا يرتكز على أية حقيقة أو منطق»، وأنا لم أطلع على مقال الأخت جواهر ولم أبحث عنه؛ فلا رأي لي في مطابقة هذا الوصف من عدمه.. وأنا حين أكتب هذه الملاحظات لا أنتصر لأشخاص ولا لكتاب وإنما أسجل ما أعتقده هنا وأؤمن به، من منطلق الحقيقة والمنطق اللذين برأ بهما الكاتب مقال الأخت جواهر..

قرأت مقال الكاتب «ف.ش» ويعلم الله وحده تجردي وقصدي للإنصاف بقدر الجهد والطاقة، فلم أجد في مقاله ما يستند إلى حقيقة أو منطق، وإنما هي كلمات مرصوصة ودغدغة العواطف واستفزاز لمشاعر الشباب والشابات، وهجوم على الدين والمتدينين من غير ما روية أو تفكير. 

وهذه بعض ملاحظات أحببت التنبيه عليها لمن يريد الإنصاف وينشد- صادقًا- الحقيقة والمنطق كما هي، موجهة لأولئك الذين ينصبون أنفسهم دعاة للتحرر والتطور: 

أولًا:- يقول الكاتب منكرًا على من يدعو الفتاة الكويتية للفضيلة: إنها دعوة للتحلي بأخلاق ومبادئ القرون الفانية، مهلًا يا مدعي الحقيقة والمنطق بزعمه: من قال إن كل ما في القديم مرفوض وكل ما في الحديث مطلوب مرغوب؟ أين الحقيقة وأين المنطق؟ 

إن الحقيقة يا طلاب الحقيقة لا تتغير بتغير الزمان، فالحق حق والباطل باطل. والأخلاق أخلاق والفضيلة فضيلة، سواء في القرون الأولى أو الوسطى أو القرن العشرين ولا أظن الجدال في ذلك إلا مكابرة.

وإن مما يخدع به القوم ويضللون سواء في الصحف والمجلات أو في بعض مناهج الدراسة الدعوة إلى التخلي عن كل قديم ونبذه ونفض اليد عنه، والتمسك بكل جديد والتشبث به من غير روية أو تعقل، وكذلك الزعم أن كل ما عند الغرب فهو تطور وحضارة، وكل ما ينسب إلى الدين فهو مبادئ مهترئة وتخلف.. إن هذا وأيم الحق لا يستند إلى حقيقة أو منطق.

ثانيًا- يقول الكاتب: «إن ما يحز في نفسه» أنه لا يزال يعيش بيننا أناس بعقول مهترئة صدئة قديمة.

أما صاحب العقل القديم فليس دائمًا يحز في النفس وجوده بيننا؛ لأنه قد يكون مجربًا خبيرًا يأخذ الصالح من القديم ويترك ما عداه، فهذا النوع نفخر بأنه يعيش بيننا ونرجع إليه للاستفادة منه.

أما صاحب العقل المهترئ الصدئ فهو ذلك العاجز عن التفكير في شخصيته، ضحية التقليد الأعمى، يعيش على فتات موائد من أعجب بهم من السادات والكبراء في الشرق والغرب، من غير ما تميز بين الحق والباطل والصالح والطالح والسم والدسم كهذا الكاتب وأمثاله. إن هذا حقًّا هو صاحب العقل المهترئ الصدئ المعجب بكل حديث المتنكر لكل قديم، وهذا الصنف هو الذي يحز في نفوسنا أنه لا يزال يعيش بيننا، وما أكثرهم في أمتنا لا كثرهم الله، وإن منهم من يتولى مناصب ومسئوليات ليس أهلًا لها، وحينما سلمت أمتنا زمامها لأمثال هؤلاء واستسلمت لهم ضاعت مقدساتها وفرقها الشقاق.. وطحنتها الحروب وصارت ألعوبة في يد من أعجبت بهم ورأت فيهم رمز التقدم والتطور، وما لبنان ومجازره والسودان ومشاكله والفلبين وإرتيريا والمغرب والجزائر وموريتانيا وغيرها من ديار الإسلام إلا من واقعنا المرير والواقع على ما أقول شهيد. 

ثالثًا- يصف الكاتب الدعاة إلى الإسلام والفضيلة بأنهم أناس وجدوا أنفسهم في هذه الحياة عالة على المجتمع، لا يستطيعون السير ويتضايقون- إلى حد الغيرة في أبشع صورها- من الناس الذين قطعوا أشواطًا في مجالات التطور.. إلخ. 

هذا إطلاق للكلام على عواهنه خاليًا من الدقة والحجة، وكم سمعنا أمثال ذلك من إطلاق عبارات و دعاوي وتشنيعات يلجأ إليها أصحابها حينما يعجزون عن البرهان، ولو أردنا تمحيص عبارات هذا الكاتب وعرضها أمام الحقيقة والمنطق- حيث يتذرع بهما ويحاول عاجزًا التشبث بهما -لاتضح زيفها وما تخفيه من حقد وحملات مسعورة ضد الإسلام والفضيلة من غير ما برهان. إن الكاتب يقول إن هؤلاء الدعاة لا يستطيعون السير ويتضايقون. «نقول نعم» وذلك لما وضع أمامهم من العراقيل والمضايقات من أعداء الإسلام، وأعداء الخير والفضيلة والصدق والإخلاص والنصيحة من بني جنسهم أو غير بني جنسهم.. وأما أنهم يغارون فنعم يغارون على حرمات الله تنتهك.. يغارون على مقدسات الإسلام يستولي عليها شرذمة من شذاذ الآفاق تمدهم أمريكا ومن وراء أمريكا والصليبية الحاقدة الذين هم قدوة لأصحاب العقول المهترئة الصدئة.. «نعم» يغارون على ثروات بلادهم أن تضيع نهبًا وسرقة وإفسادًا بكافة وجوه الفساد من قبل الغزاة مهما كان نوع الغزو.. يغارون على ضياع المسئولية.. والشعور بها واستسلام الأمة لأمثال هؤلاء المسئولين، واستبداد اللامبالاة في بني قومهم. هذه هي الحقيقة وهذا هو الواقع المر وهذا هو مجال الغيرة يا من يزعم الحقيقة والمنطق. وإذا كان كذلك فلتعلم أن الشباب الكويتي وكافة شباب المسلمين إلا من رحم ربك غير محسودين على الوضع الذي يعيشون كما زعمت في مقالك فهون على نفسك.

بقي سؤال أوجهه لهذا الكاتب محاسبًا له على إطلاقه لتلك الكلمات من غير ما تفكير: ما هو التطور في مفهومك؟

وما هي تلك الأشواط التي قطعت في مجالاته؟

أظن التطور في نظر هذا الكاتب- وشركاؤه في ذلك كثير- هو إحياء الليالي بالرقص واللهو في دور الملاهي والسينما وصالات الفنادق، وضياع الأوقات وثروات البلاد ومقدراتها وانتشار اللامبالاة بين أبناء المسلمين كما هو الواقع الملموس، فأقطارهم تقسم وتنهب وتسلب بالقوة أو بالدبلوماسية المعاصرة الممقوتة والمقدسات والعقائد تهان وتنتهك ولا أحد ينبس ببنت شفة. هذا هو التطور وهذا هو الوضع المرضي الذي يصفق له الكاتب «ف. ش».. أظن وقت الخداع قد انتهى وآن لنا أن نصحو، وأرجو من الله العلي القدير ألّا نصحو وقد قسم لبنان.. أو فقد هويته، ودُوّلت القدس أو هُوّدت وقضي على مسلمي الفلبين وإرتيريا.

رابعًا:- يقول الكاتب: «إنه يشاهد يوميًّا الجرائم والمهازل التي ترتكب باسم الدين».

إذا كان هناك جرائم ومهازل شاهدها الكاتب وارتكبت باسم الدين على حد تعبيره، فليعلم مدعي الحقيقة والمنطق: أن الدين منها براء، وما ذنب الدين إذا قصر فيه منتسبوه؟ فالعيب عيب المنتسبين لا عيب الدين. وإذا كان الكاتب يريد بالجرائم والمهازل تلك الانتفاضات المؤمنة والحروب المقدسة التي يخوضها المسلمون دفاعًا عن عقيدتهم وإيمانهم وحقهم في الوجود ليعبدوا الله وحده على هذه الأرض، فلا يضير المسلمين أن يسميها هذا الكاتب وأشباهه جرائم ومهازل، ولا أدري ما رأي الكاتب في المعارك التي يخوضها الصليبيون والشيوعيون وأرباب المبادئ المنحرفة والباطلة في سبيل إقرار باطلهم والانتصار له، وشن الحملات الشعواء على الإسلام وأنصاره ومعتنقيه، وذلك التخطيط الرهيب ورصد الميزانيات وبذل المهج من قبل الشيوعية والنصرانية، في سبيل إقرار دياناتهم وأباطيلهم المحرفة والضالة وفرضها على العالم فرضًا، بل هم أهل التمجيد والثناء وأصحاب الأوسمة، أما أن ينتصر المسلم لدينه وعقيدته الصحيحة فسرعان ما يوصم بارتكاب الجرائم والمهازل. 

وليعلم هذا الكاتب وأشباهه من البسطاء والسذج أن الصراع بين الحق والباطل مستمر، ولا يؤثر في ذلك تغير الزمان والمكان بل إنه على أشده في هذا القرن العشرين.. قرن التطور والحرية والنقد كما يحلو لأمثال الكاتب أن ينعته. 

خامسًا:- ينصب الكاتب نفسه المرجع الأول في الطب والطب النفسي: ويقول «إننا لا نملك علاجًا لكم لأن مرضكم من الأنواع المستعصية.. إنكم تعانون من أمراض نفسية تجعلكم تشعرون بمركبات نقص..».

أيها الطبيب الحاذق.. إن هذه الكلمات وأشباهها يلوكها من لا حجة عنده، وكم سمع الدعاة أمثال ذلك كقولهم «رجعيون- نفعيون- مرضى- معقدون»، ولكن ليعلم هذا الطبيب النطاسي أن اجترار مثل هذه العبارات لا يغير من الواقع شيئًا، ولا يقلب الحق باطلًا أو الباطل حقًّا. وأن المرضى على الحقيقة هم أولئك الذين لا يستطيعون القيام على أقدامهم والاعتماد على أنفسهم؛ لما أصيبوا به من هزال وضعف، وإنما يتكئون على الآخرين ويعتمدون عليهم ويسيرون في فلكهم وحيث تميل الريح يميل، فمع الشرق تارة ومع الغرب أخرى أينما توجه لا يأتِ بخير.. ﴿هَلْ يَسْتَوِيْ هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ (النحل: 76). أما صاحب الحق فيدرك وجهته ويعرف طريقه ومساره ولا يجاري كل ناعق، ومن هنا فهو مستعصي على أولئك الذين يقفون على جنبات طريقه من الشياطين وإخوان الشياطين، يقصدون استمالته والسير في فلكهم وتبعيتهم، ولكنه يرفض لأنه يعلم علم اليقين أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون. 

سادسًا: يقول الكاتب «ف .ش» «إنني أفتخر بتراثي وبماضي آبائي وأجدادي.. إلخ».

قد قال الكاتب في أول مقاله: إنه ينتقد دعاة الفضيلة بالتحلي بأخلاق ومبادئ القرون الفانية.. وهذا تناقض واضح أوقعه فيه جهله وسوء قصده في الكتابة، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن طالب الحقيقة والمنطق لا يفتخر بتراثه وبماضي آبائه وأجداده على هذا الإطلاق الذي أطلقه الكاتب، ولكنه يفتخر بهذا الماضي بقدر ما يطابق الحقيقة والمنطق، وإذا كان يطابق الحقيقة والمنطق فلا يكفي الفخر والاعتزاز، وإنما عليه أن يستمسك ويطبق، هذه هي الحقيقة إن كان ينشدها صادقًا.

وأخيرًا فإنني وقد دونت هذه السطور لست متشائمًا لمستقبل الإسلام؛ فالإسلام هو دين الله الحق ورحمة الله واسعة وقد سبقت غضبه، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى»، والحق واضح أبلج لا يخفيه إلا من أعمى الله بصيرته ﴿ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً (الجاثية: 23).

وقل للعيون الرمد للشمس أعين 

                                   سواك تراها في مغيب ومطلع 

وسامح نفوسًا أطفأ الله نورها 

                                       بأهوائها لا تستفيق ولا تـــــعــي 

والإسلام على طول التاريخ يتعرض للهجمات والحملات المغرضة ولكن ذلك لم يغير منه شيئًا؛ لأنه محفوظ بحفظ الله يهيئ له بعنايته ورحمته من ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين..

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

والحمد لله رب العالمين..

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 231

113

الثلاثاء 07-يناير-1975

بريد القراء (العدد 231)

نشر في العدد 347

99

الثلاثاء 26-أبريل-1977

رأي المجتمع