; نعم. المستقبل لهذا الدين | مجلة المجتمع

العنوان نعم. المستقبل لهذا الدين

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 26-مايو-2012

مشاهدات 94

نشر في العدد 2004

نشر في الصفحة 39

السبت 26-مايو-2012

معالم على الطريق

كثيرًا ما يرد على أسماع المصلحين والدعاة وطلاب العلم أن المستقبل لهذا الدين، وأن المستقبل للإسلام، وأن النصر قادم إن شاء الله تعالى، فيقول القائل في مرارة وحسرة أي بشرى بمستقبل الإسلام والمذابح الوحشية تلاحق المسلمين في كل مكان؟ أي بشرى وأي أمل وقد رأينا كثيرا من المسلمين يعادي دينه، ويحاول أن يجرم أتباعه ويصادق أعداءه، أي بشرى وأي أمل وقد اتفق أعداء الإسلام-على اختلاف مشاربهم وتعدد دياناتهم- على القضاء على الإسلام واستئصال شافة المسلمين؟ ورغم هذا نقول: 

لئن عرف التاريخ أوسا وخزرجا 

فلله أوس قادمون وخزرج

وإن كنوز الغيب تخفي طلائع

 صابرة رغم المكائد تخرج

 لقد كان النبي ﷺ يبشر ولا ينفر كما كان صلوات ربي وسلامه عليه عند اشتداد الكرب والشدائد يبشر أصحابه بالنصر والتمكين كما فعل يوم  الأحزاب، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا.

نعم أيها المؤمنون، فإن أشد ساعات الليل سوادا هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم لا محالة كقدوم الليل والنهار وإن أمة الإسلام قد تمرض وتعتريها فترات من الركود الطويل، ولكنها بفضل الله جل وعلا لا تموت، وإن الذي يفصل في الأمر في النهاية ليس هو قوة الباطل، وإنما الذي يفصل في الأمر هو قوة الحق، ولا شك أنه معنا الحق الذي من أجله خلقت السماوات والأرض، والجنة والنار، ومن أجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل، معنا كما قال سيد قطب يرحمه الله تعالى رصيد الفطرة. 

فقال في فصل جميل له بعنوان رصيد الفطرة، قال: يوم جاء الإسلام أول مرة وقف في وجهه واقع ضخم، وقفت في وجهه عقائد وتصورات، ووقفت في وجهه قيم وموازين ووقفت في وجهه أنظمة وأوضاع، ووقفت في وجهه مصالح وعصبيات، كانت المسافة بين الإسلام يوم جاء وبين واقع الناس مسافة هائلة سحيقة، ولو أنه قيل هذا لكائن من كان في ذلك الزمان أن هذا الدين الجديد هو الذي سينتصر لما لقي هذا القول إلا السخرية والاستهزاء والاستنكار ولكن هذا الواقع سرعان ما تزحزح عن مكانه ليخليه للوافد الجديد، فكيف وقع هذا الذي يبدو مستحيلًا، كيف استطاع رجل واحد أن يقف وحده في وجه الدنيا كلها، إنه لم يتملق عقائدهم، ولم يداهن مشاعرهم، ولم يهادن آلهتهم، ولم يوزع الوعود بالمناصب والمغانم لمن يتبعونه، فكيف إذن وقع الذي وقع؟ لقد وقع الذي وقع من غلبة هذا المنهج لأنه تعامل من وراء الواقع الظاهري مع رصيد الفطرة.

 إذن معنا رصيد الفطرة، وقبل ذلك كله معنا الله تعالى، ويا لها من معية كريمة جليلة مباركة، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

إنه وعد الله تعالى وكلمته، ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾(سورة الصافات: أيه رقم173) إن هذا الوعد المبارك سنة من سنن الله الكونية الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير، وإن هذا النصر سنة ماضية كما تمضي الكواكب والنجوم في أفلاكها بدقة وانتظام

أيها المسلمون، قد يبطئ النصر لأسباب كثيرة جدا، المطاف مهما رصد الباطل وأهله من قوى الحديد والنار، ونحن لا نقول ذلك رجما بالغيب ولا من باب الأحلام الوردية لتسكين الآلام وتضميد الجراح كلا، ولكنه القرآن الكريم يتحدث والرسول الصادق الأمين يبشر، والتاريخ والواقع يشهد.

ولكنه أت بإذن الله تعالى في نهاية

نعم، فمع بشائر القرآن العظيم: قال الله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾(سورة التوبة: أيه رقم33)، وقال تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾(سورة الصف: أيه رقم8)، ووعد الله المؤمنين بالنصر فقال: ، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾(سورة محمد: أيه رقم7)، ففي هذه الآيات أخبر الله سبحانه وتعالى أن من سنته في خلقه أن ينصر عباده المؤمنين إذا قاموا بنصرة دينه وسعوا لذلك، ولئن تخلفت هذه السنة لحكمة يريدها الله تعالى في بعض الأحيان فهذا لا ينقض القاعدة، وهي أن النصر لمن ينصر دين الله، ومن البشائر وعد الله سبحانه للمؤمنين بالتمكين في الأرض ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾(سورة النور: أيه رقم55)، وقد وعد الله تعالى في هذه الآية، وهو الذي لا يخلف الميعاد وعد المؤمنين باستخلافهم في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم، وأي أمل للمسلمين فوق وعد الله عز وجل، وأي رجاء بعد ذلك للمؤمن الصادق.

ومن البشائر في كتاب الله تعالى الإشارة إلى ضعف كيد الكافرين وضلال سعيهم، إن مما يجلب اليأس لكثير من المسلمين ما يراه من اجتماع الكفار على اختلاف طوائفهم ومشاربهم على الكيد للإسلام وأهله، وما يقومون به من جهود لحرب المسلمين في عقيدتهم وإفساد دينهم في حين أن المسلمين غافلون عما يكاد لهم ويراد بدينهم، وحين يرى المرء ثمرات هذا الكيد تتتابع حينئذ يظن أن أي محاولة لإعادة مجد المسلمين ستواجه بالحرب الشرسة وتقتل في مهدها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾(سورة الانفال: أيه رقم36)، فكم من المليارات أنفقت ومازالت تنفق بسخاء رهيب للصد عن سبيل الله تعالى لتنحية دين الله عز وجل، ولكن بموعود الله عز وجل فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون.

نعم، فكم من المليارات أنفقت وبذلت لتنصير المسلمين، وكم من المليارات أنفقت لتدمير كيان الأسرة المسلمة، وكم من المليارات أنفقت لتقويض صرح الأخلاق بإشاعة الرذيلة عن طريق القنوات الفضائية وعن طريق الأفلام الداعرة والمسلسلات الفاجرة والصور الخليعة الماجنة والقصص الهابطة، والآن عن طريق شبكات الإنترنت، يعرض كل هذا وأكثر، ويدخل لا أقول كل بيت، بل كل غرفة بيسر وسهولة ودون رقيب ولكن ما هي النتيجة النتيجة بإذن الله عز وجل وموعوده ﴿ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾(سورة الانفال: أيه رقم36)، وتأمل في قول الله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴾(سورة الطارق: أيه رقم15:16)، فمهما كاد هؤلاء لدين الله تعالى ومهما بذلوا لمحاربته، فالله عز وجل لهم بالمرصاد، وهم أعداء الله تعالى قبل أن يكونوا أعداء المسلمين. أيها المسلمون، إن الإسلام قادم والله الذي لا إله إلا هو، لأنه الدين الذي ارتضاه الله للبشرية دينًا، ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾(سورة آل عمران: أيه رقم19)

الرابط المختصر :