العنوان نعم: الحرية السياسية أولًا
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يناير-1985
مشاهدات 55
نشر في العدد 699
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 08-يناير-1985
الحقيقة التي لا يماري فيها أحد أننا في العالم العربي والإسلامي نعيش حالة من الجمود والتخلف، والتطفل على منتجات الحضارات الأخرى. ونحن قد نختلف في تحديد نقطة البداية، أو تفاصيل رحلة النهضة، لكننا قد نتفق على أن أهم أسباب تخلفنا هو عدم الاستقرار السياسي وهي حقيقة على أية حال تشهد بها قصة نهوض الشعوب المتقدمة.
وظاهرة عدم الاستقرار السياسي التي تكاد تشمل العالم العربي والإسلامي تعود أولًا وأخيرًا إلى انعدام الحريات التي هي من أهم خصائص الكائن البشري وبخاصة الحرية السياسية.
فالحرية السياسية موؤودة في معظم أرجاء العالم العربي والإسلامي، تشهد بهذا المعتقلات والسجون والقوانين المصادرة للحريات، فضلًا عن الأثرة التي يتصف بها الحكام والمتنفذون!
الحرية السياسية مصادرة في الأنظمة الرئاسية والبرلمانية وفي الأنظمة «الثورية التقدمية» ربما بشكل أكبر من الأنظمة الديكتاتورية الأخرى.
وإذا كانت معظم الأنظمة تصادر الحريات السياسية لمختلف التيارات والاتجاهات الشعبية ما لم تعلن هذه الاتجاهات الولاء التام والطاعة العمياء، على تفاوت بالطبع في المقدار والنوعية، إلا أن الأنظمة على اختلاف مشاربها ومبادئها أجمعت على سياسة واحدة ثابتة هي مصادرة الحرية السياسية للاتجاه الديني الإسلامي، بل وضربه بمختلف الأشكال والأساليب!
ففي دول الأنظمة «الثورية العسكرية» أو «ديمقراطية الأنياب» ظلت سياسة زج الإسلاميين في المعتقلات والسجون وتغيبهم هم وأهاليهم! سياسة ثابتة منذ عهد الاستقلال وحتى الآن.
بل إن الانتماء لاتجاه إسلامي أصبح تهمة تستحق الإعدام في إحدى دول المواجهة التي تدعي الوطنية ومجابهة «الإمبريالية» وإن تعذيب الإسلاميين على الصورة التي نقلتها عدسة المجتمع في العدد الماضي في السجون والمعتقلات المصرية وهي صورة «متواضعة» على أية حال ظلت سياسة ثابتة في بلاد كمصر وسوريا مثلًا، بالرغم من تغير أشخاص الحاكمين! وكمثال على ذلك من الواقع الحالي نشير إلى المغرب حيث عمد النظام إلى حظر النشاط الإسلامي والزج بالشباب في السجون والمعتقلات بالرغم من أن غيرهم هم الذين أدينوا في أحداث يناير 1984.
وفي تونس حيث بدت بوادر لتفهم النظام لضرورة مصالحة الاتجاه الإسلامي الذي حرمه من حق العمل السياسي، تحمل إلينا الأنباء في الأسبوع الماضي أن النظام عاد من جديد لاعتقال شباب حركة الاتجاه الإسلامي، بالرغم من أن القضاء لم يسجل حتى الآن ضد أي فرد فيهم أية جنحة أو جناية!
وفي دول أخرى يقود الإعلام حملة ناشطة لتشويه سمعة الاتجاه الديني متهمة إياه بالتطرف والغباء والسذاجة وأحيانًا بالعمالة للإمبريالية!!
ونريد هنا أن نخص مصر لأكثر من سبب:
* لأن نظام حسني مبارك ظل يعلن أنه مغاير ومباين لنظام السادات!
* ولأن نظام مبارك سمح بنشاط الأحزاب، ولكنه استثنى الإسلاميين الأمر الذي اضطر حركة الإخوان المسلمين العريقة أن تخوض معركة انتخابات مجلس الشعب باسم حزب الوفد!
* وها هو نظام حسني مبارك يخرج من عزلة السادات محاولًا العودة للصف ويعلن الغيرة على القضية العربية والفلسطينية، ولكنه يخالف ذلك بوأد الحريات ومصادرة الحقوق الشعبية!
* ونحب أن نلفت انتباه النظام المصري إلى حقيقة أن الشعب المصري يتساءل باستغراب: لماذا يصدر الرئيس قراره بالعفو عن الأنبا شنودة المتهم رسميًّا بإثارة الفتن الطائفية فيما تواصل أجهزة النظام حملات الاعتقال والتعذيب ضد الشباب المسلم؟!
ولماذا تواصل أجهزة الإعلام المصرية حملة التشويه والسخرية بحماس الشباب المسلم بحجة الرد على بعض الأفكار الخاطئة التي كانت مصادرة الحريات أحد أهم أسبابها؟!
ونريد أن نقول للجميع إن بناء الإنسان هو طريق الرقي والحضارة، وإن إطلاق الحريات السياسية أولًا هو الخطوة الأولى في الطريق الصحيح، ففي ظل الحرية السياسية تتلاقح الأفكار وتنضج الآراء وتظهر الإبداعات. وتقوى اللحمة الوطنية وتعود العقول المهاجرة.
وفي ظل الحرية السياسية يسود الوئام والانسجام بين مختلف فئات الشعب، وتضييق المداخل على الطامعين بتفتيت العالم العربي والإسلامي عن طريق إثارة المقولات الطائفية أو العنصرية.
نقول لجميع الأنظمة بلا استثناء أطلقوا الحريات للشعوب، وبالطبع الحرية السياسية أولًا.
وتذكروا جيدًا قولة رسول هرقل عندما وجد الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه نائمًا: «يا عمر حكمت فعدلت فأمنت فنمت». واعلموا أنكم إن فعلتم ذلك فزتم في الدنيا والآخرة.