العنوان نظرية «كبش الفداء»
الكاتب عبدالعزيز بن عمر الغامدي
تاريخ النشر السبت 02-نوفمبر-2002
مشاهدات 60
نشر في العدد 1525
نشر في الصفحة 45
السبت 02-نوفمبر-2002
المتأمل في السياسة الأمريكية يرى أنّها بجانب قيامها على التناقض والتضارب الضبابية في الرؤية تقوم أيضًا على الهيمنة والسلطوية، وتريد أن تثبت للعالم أجمع الإسلامي بصفة أخص أنها القوة التي لا تقهر والدولة التي لا تُنهى ولا تُزجر وأنّها ستطيع فعل أي شيء تريده وأن ذراعها العسكري يمتد إلى أنحاء العالم أو هكذا يحلو لها أن تروج وأن يراها الآخرون، وللحقيقة فإن أمريكا تملك من القوة ما يرعب الضعيف ويُحيّر القوي، ولها من القواعد العسكرية ما يعادل القواعد من النساء في أكثر من بلد غير أن الذي فيه الشك والريب هو تلك الهالة الإعلامية المضخمة المصاحبة لهذه الترسانة الضخمة ومما يدل على المبالغة تلك الهزائم التي منيت بها أمريكا في اليابان لولا استخدامها سلاح الدمار الشامل النووي ضد هيروشيما وناجازاكي إبان الحرب العالمية ثانية، وفي فيتنام والصومال وأخيرًا في أفغانستان حيث منيت بخسائر فادحة حتى لو في الإعلام الغربي هذا الأمر. وعلى العموم أمريكا في أفغانستان الآن تبحث عن مخرج غير محرج لتبقى هالتها العسكرية مرعبة ولو لحين، فما وجدت أفضل من نظرية كبش الفداء، للخروج من هذه الورطة التي ورطت نفسها بها وورطها فيها اللوبي الصهيوني فما نظرية «كبش الفداء» هذه؟
الحديث عن هذه النظرية يستدعي الحديث عن صاحبها وهو المفكر الفرنسي رينيه جيرار ولود عام ١٩٢٣م في فرنسا، وقد أمضى معظم وقته في أمريكا كأستاذ زائر وله عدة ولفات منها: العنف والتقديس أشياء مخبوءة منذ البداية تأسيس العالم كبش الفداء، وهذه نظرية تتلخص في الرغبة المحاكاتية التي لا تحل إلا عن طريق كبش الفداء، ومعناها أن بشر يُقلّد بعضهم بعضًا في التنافس على الشيء نفسه، فإذا أردت أن تلفت اهتمام الناس لشيء ما، فما عليك إلا أن تمد يديك نحوه ثم ينتج عن ذلك تصعيد متواصل حتى إن الناس لا يشعرون في الشيء المرغوب ذاته بل في المنافسة ذلك الشيء وفي الغريم فقط حتى يتكاثر تنافسون على الشيء ذاته، وأخيرًا يتوحدون ضد واحد ويطيحون به لكي تنحل الأزمة وتهدأ نفوس وهذا الشخص المطاح به هو كبش فداء والمجتمع البشري يحتاج لكبش فداء أحيانًا لكي تُحل مشكلاته.. «كبش الفداء»، قد يكون أقلية عرقية أو دينية فإذا ما بطش بها شعر بالارتياح وتنحل أزمته أو يتجاوز عقدته. انتهت النظرية.
هذه النظرية تطبقها الولايات المتحدة اليوم، ولكن بالطريقة الأمريكية أي لا بد من أمركتها (لأنها تقاطع الصناعات الأجنبية وتشعر بالفوقية)، ولكي تخرج أمريكا من أزمتها الأفغانية وتخرس الألسنة عن النتائج التي حققتها في أفغانستان من انتصار باهر على ما تسميه بالإرهاب وإحلال الأمن والرخاء!! لا بد اصطناع كبش فداء، تتحول الأنظار إليه دون شعور منها.
ولم تجد أحسن من صدام حسين ونظامه البعثي، بجانب الهدف الاستراتيجي العقدي التلمودي الذي يؤمن به الرئيس بوش الابن المنتمي لليمين النصراني المتطرف الذي يؤمن بما في كتب اليهود من تحريفات وتخريفات كخروج الرجل الآشوري من العراق وإبادته لإسرائيل ونحو ذلك، ولهذا وغيره لا بد من حصار العراق وتجويعه وتجهيله لهذا السبب لا لأنه غير مرغوب فيه كنظام دكتاتوري. فالدكتاتورية مرحب بها في النظام الأمريكي المتصهين ولا لأن النظام العفلقي نظام بغيض يمتلك أسلحة دمار شامل استخدمها ضد شعبه في حلبجة وغيرها، بل لأنه قد يهدد إسرائيل يومًا ما وأوراقه قد احترقت ولم يعد في بقائه مصلحة ولا بد من إيجاد قرضاي آخر أو قل أبي رغال آخر، ففي الخزينة الأمريكية من أمثال أبي رغال الكثير فلماذا لا تستعملهم أمريكا ونحن في عصر الموديلات وصيحات الأزياء فما من دولة إلا وتحتضن أمريكا معارضيها على أراضيها كي تستعملهم إذا دعت الحاجة فقرضاي وعبد الله عبد الله والبرزاني والطالباني وغيرهم تربوا على الأراضي الأمريكية ولا يمكن أن يردوا يد أمريكا أو يؤخروا لها طلبًا وأمريكا نفسها استخدمت أسلحة الدمار الشامل أكثر من مرة. وبريطانيا استخدمتها أيضًا، وروسيا استخدمتها وتستخدمها اليوم ضد المسلمين في الشيشان فالمسألة إذن ليست استخدام السلاح غير التقليدي ضد الشعوب العربية أو الإسلامية، بل إن مثل هذا الاستخدام إن حدث فهو في النظام العالمي الأمريكي الجديد مبرر لبقاء هذا النظام وعربون صلاحه.
ها هي الأسباب
المسألة إذن لا تعدو أن تكون كبش فداء من ناحية وأحقادًا من ناحية أخرى وتأمينًا للابنة غير الشرعية إسرائيل، من ناحية ثالثة وفرض هيمنة على العالم، خـاصـة الـعـالـم الإسلامي من ناحية رابعة واستغلال موارده وطاقاته من ناحية خامسة وإبقاءه دائرًا في الفلك الأمريكي من ناحية سادسة وإرسال رسالة للرؤساء من ناحية سابعة مفادها أنه يستطيع أن يشطب من قائمته أي رئيس لا يسبح بحمد أمريكا كما شطب عرفات من قائمته ووأده بلا ذنب اقترفه غير انتفاضة لم يستطع إيقافها. وكما شطب صدام أيضًا لانتهاء دوره.
هاني الشيباني.. وذي قار
الحقيقة التي لا مناص عنها أن أمريكا بينت النية لضرب العراق بغض النظر عن الأسباب أو تنفيذ القرارات التي تنفذها إسرائيل بكل دقة، وغدًا ربما تضرب سورية وبعدها قد تكون ليبيا أو غيرها من الدول العربية والإسلامية المهم أن القوم رتبوا أمورهم على ضربنا دولة بعد أخرى ما لم يقم في العرب والمسلمين رجل رشيد لا أقول كأبطال الإسلام أمثال الصديق والفاروق والمعتصم ونحوهم بل كشيخ قبيلة بني شيبان هاني الشيباني، الذي وقف مع قبيلته الصغيرة في وجه الطغيان الفارسي قبل الإسلام كما في موقعة ذي قاره بعد أن تخلت القبائل العربية عن ملك الحيرة النعمان بن المنذر وأصابتها حتى الخوف من الجيش الفارسي الذي استخف بالعرب آنذاك وقد سمعوا أن كسرى قد جيش الجيوش وأعد العدة لحرب العرب واستئصالهم لأن منهم من قال له مرة في العمر: لا، يوم أن طلب بنات النعمان- الذي ملكه على الحيرة واعتبره عبدًا من عبيده- ليكن في بلاطه الكسروي جواري يستمتع بهن فلما وقف في وجهه الشيخ هاني ببطولة سجلها له التاريخ رجعت بعض القبائل العربية لرشدها فوقفت مع الشيخ حتى أذل الله كسرى في ذي قار. فهل يعي المسلمون هذا الدرس؟
إن المطالب لن تقف عند تغيير صدام، بل سيطالبون بما هو أبعد من ذلك كما أفصح عنه بعضهم كمطالبتهم بتغيير التعليم الإسلامي واحتلال آبار النفط وتقسيم البلدان كما هو معروف من تقرير راند، الذي أعلن عنه مؤخرًا. وتغيير نمط العيش في المنطقة ليكون على الطراز الأمريكي كما يطالبون بتغيير نظم الحكم إذا استدعى الأمر ولن يقر لهم قرار وفي الوجود دولة تحكم باسم الإسلام، في الوقت الذي يقررون هم فيه المبادئ الصهيونية والصليبية، بل ويعلنون أن حربهم حرب صليبية وقد صدقوا في ذلك وإن لم يريدوه، كما يستهدفون الطرح الإسلامي في الإعلام عمومًا والأعمال الإسلامية الخيرية، في الوقت الذي يستميتون فيه ويسعون في الأرض فسادًا للتنصير والتأصيل لما في التلمود ويؤصلون ذلك في تعليمهم وإعلامهم. وهم يسيرون في ذلك على استراتيجية مرتبة وخطط موثقة وخطى مثبتة، ونحن بتفرقنا وتخلي بعضنا عن البعض نحقق لهم مطالبهم أو نسارع في تحقيقها على أقل تقدير.