; نظرية دارون في قفص الاتهام | مجلة المجتمع

العنوان نظرية دارون في قفص الاتهام

الكاتب سليم عبدالهلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1979

مشاهدات 81

نشر في العدد 427

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 09-يناير-1979

تهب على مشرقنا الإسلامي أعاصير تحمل اسم التقدم إفكًا وزورًا، ويروج لها بين ظهرانينا أناس رضوا بضحضاح من المعرفة وكان نصيبهم من بحر العلم الزاخر قليلًا ولكنهم يتجشأون من غير شبع، فيراهم ذو العين الكليلة عمالقة لأنهم يحسنون فن العرض والتمثيل، ولكن إذا ما دُعوا إلى حلبة النقاش العلمي ولَّوا مدبرين؛ لأنهم لا يقوون على التحليق في سماوات الإجادة بأجنحة من علم غزير وإدراك بصير.

وذلك لأن العقل إذا خلا من جلال العلم أصبح كالكهف الخرب، تأوي إليه الذئاب الجائعة تفتش عن فريسة انقطعت عن القافلة فهؤلاء الرهط الراغبون عن شريعة الله المنفذون أو الراضون بما لم يأذن به الله يتصيدون البسطاء من المسلمين؛ ليغرروا بهم ظانين أن هؤلاء القوم- إبان هذه الردة الشنيعة التي يشهدها عالمنا الإسلامي المعاصر على كافة المستويات- يمثلون الإسلام لحمًا ودمًا.

فمن هنا كان هذا الغثاء جسرًا يمر عليه هؤلاء الطغاة والذين هم بدورهم جعلوا من ألسنتهم إذاعات دعاية وإعلان لتيارات الضلال لتتمركز في هذه الأرض المباركة.

وما زال المسلم بين الحين والآخر يرى بعض هؤلاء الأذناب يرفع عقيرته ملوحًا ببعض الترهات، مع علمه أنها فرض وتخمين ولكنه يريد أن يطيل عمرها لمآربه الشخصية.

ومن ذلك نظرية دارون التي ردت أصل الإنسان إلى مخلوقات «ستغلي» زاعمة أن الكائنات الحية أصلها مشترك، ومع تطاول الزمن حدث هذا التنوع في عالم الأحياء، فهي تقر وتعرف أن شجرة الحياة جذورها الخلية البدائية وقمتها الإنسان، وهذه النظرية تفتقر إلى أرض صلبة من الحقائق العلمية، فهي مجرد تصور وافتراض لا يمكن أن يرقى إلى مستوى الحقيقة العلمية؛ لأنه من المستحيل تطبيق التجربة العلمية عليها، ومع ذلك فإننا لا نزال نرى بعض علماء البيولوجيا يعتقد أنها الحل العلمي الوحيد للغز الحياة.

وسنرى معًا كيف تنهار هذه النظرية من المرة الأولى أمام الحقائق العلمية التي تضافرت على دحضها وكشف زيفها وجهل واضعها.

1 - يزعم دارون وتلاميذه أن الإنسانية نهاية سلسلة حيوانية بدايتها مجهولة، واعتمدوا التشابه الحاصل بين الهيكل الإنساني وبعض الحيوانات وعلى الأخص القردة دليلًا لهم.

وهذا القول معلوم فساده بالضرورة؛ لأن الإنسان ذو تركيب فسيولوجي يختلف عن سائر الحيوانات، ويمكن أن نعرف ذلك إذا علمنا أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع القيام بعملين في آن واحد، وذلك يرجع إلى طبيعة جهازه العصبي والذي يختلف تمام الاختلاف عن باقي الحيوانات، التي لا يسمح لها جهازها العصبي القيام إلا بعمل واحد في الوقت نفسه.[1]

وعلى افتراض أن هناك ثمة تشابه بين تركيب الإنسان وتركيب بعض القردة فهل يوحي هذا بتطور الإنسان من هذه الحيوانات؟ لا يمكن تصور ذلك إلا في خيال الإنسان الغبي الساذج ولكن الإنسان الذكي الحاذق لا يلبث أن يقر ويعترف بأن ذلك يوحي بأن خالق الإنسان وهذه الحيوانات واحد، ومثال هذا التشابه الذي اغتر به دارون ذلك التشابه الحاصل بين وسائل المواصلات، فإننا لو جلبنا رجلًا من أدغال أفريقيا أو غابات الأمازون وعرضنا عليه نماذج وسائل المواصلات المختلفة، فإنه سيقول إن هذا الباص تطور عن التاكسي والأخير تطور عن الدراجة وهكذا، بينما الإنسان البعيد يقول إن هناك عقلًا مدبرًا ومهندسًا بارعًا وراء هذا التنوع في عالم المواصلات.

إذن فوجود تشابه بين الكائنات الحية دليل ضد نظرية دارون لأنه يوحي بأن الخالق واحد ولا يوحي بوحدة الأصل، ووحدة الأصل التي ننفيها هي ما يزعمه أنصار دارون أن الكائنات الحية على اختلاف أنواعها أبناء أسرة واحدة، ولكن وحدة الأصل التي أقرها القرآن هي مادة الخلق الأولى للكائنات وهي الماء ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ(النور: 45).

2- الرعيل الأول من خريجي مدرسة التطور يجهلون وحدات الوراثة ولو أدركوها لاستحوا أن يقولوا بالتطور المزعوم- هذا إن كانوا يستحون ولكن إذا كنت لا تستحي فاصنع ما شئت- في عالم الأحياء.[2]

في السنوات الأخيرة تم اكتشاف ما يدعو للدهشة وهذا الاكتشاف أصبح حقيقة بيولوجية لا يماري فيها ولا يستطيع إنكارها أحد، وهذا الاكتشاف يسمى بالخريطة الجينية وهي تلك الخريطة التي نقشتها اليد المبدعة الخلاقة على الكروموسومات، والأمر العجيب في ذلك أن كل نوع من أنواع الكائنات الحية المتفرقة في جميع أصقاع المعمورة والموجودة في شتى بقاع الأرض له عدد محدد ومميز من الكروموسومات لا يزيد ولا ينقص، وهذا العدد من الكروموسومات هو

الذي يحدد الأنواع على اختلافها فخلية الإنسان تحوي 46 كروموسومًا وخلية الحصان تحوي 60 كروموسومًا وخلية طفيل الإسكارس تحوي 8 كروموسومات وخلية ذبابة الخل «دروسيفيلا» تحوي 4 كروموسومات... إلخ.

من علم هذا تبين له فساد رأي دارون؛ لأنه يستحيل أن ينقلب النوع إلى نوع آخر لأن ما يميزه لا يمكن أن يزيد أو أن ينقص بحيث يسمح له بالانقلاب إلى نوع آخر ودخول فصيلة غير فصيلته.

وقد يتذرع أحد دعاة التطور ويقول إن الطفرة يمكن أن تزيد أو تنقص من عدد الكروموسومات فنقول له مستحيل؛ لأن الطفرة تغير مفاجئ يحدث على المادة الوراثية المحمولة على الـ د. ن.أ.  فهي تغير في وضع الجينات، الذي يترتب عليه بعض الصفات الوراثية ولا يترتب عليها تغير النوع، وبالطفرة يحدث تغير وتطور ضمن إطار النوع الواحد ويمكن تفسير وجود ألوان وأشكال إنسانية مختلفة حسب الطفرة ولهذا أشار الحديث الصريح الفصيح الصحيح المروي في الصحيحين «إن الله خلق آدم على صورته ستون ذراعًا في السماء وإن الخلق لم يزل ينقص حتى الآن».

 3 - ويزعم أنصار التطور أن هناك صراعًا محتدمًا بين الكائنات وهو لا يزال قائمًا على قدم وساق، وعبروا عن ذلك بقولهم صراع البقاء ونتيجته تكون البقاء للأصلح.. ولإن سألت دارون من هو الأصلح؟ أجاب بقوله الأقوى وكأن العلاقة بين الكائنات علاقة الناب والمخلب، وكأن القانون السائد والشريعة الحاكمة هي شريعة الغاب، وقول الشاعر:

النواميس قضت أنه لا عيش للضعفاء ** من كان ضعيفًا أكله الأقوياء 

وبزيارة خاطفة إلى عالم قاع البحار الذي يزخر بأنواع مختلفة من الكائنات نرى عكس ذلك، فهناك سمكة تسمى سمكة الخنزير وسميت بذلك لبشاعة منظرها تأتي لها سمكة صغيرة ضعيفة من نوع آخر وتدخل إلى خياشيمها وتنظفها من الأوساخ والأولى قابعة في مكانها لا تحرك ساكنًا، فهل العلاقة هذه علاقة ناب ومخلب؟

وكذلك نرى أنواعًا من الصدفيات عمرها يزيد على ملايين السنين لا تزال تحافظ على شكلها ونوعها وهي تسمى بالأحياء الدهرية، فلماذا لم يشملها قانون التطور المزعوم؟

والحقيقة التي لا جدال فيها أن البقاء للأصلح، والأصلح هو التقوى، وليس الأقوى وذلك لأن التقوى تعد الإنسان للانسجام مع الوجود الذي يسبح بحمد الله ﴿وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: 44) فإذا ما ركب الإنسان مركب النجاة انسجم مع الوجود ومن شذ فإنه سيصطدم وتكون نهايته وفي ذلك يقول رب الوجود ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (طه: 132).

وقبل أن ننهي القول أود أن يعلم الشباب المسلم أن جمهور دارون کله يهود فهم الذين صفقوا له وهتفوا بحياته وسخروا وسائلهم وما ملكت أيديهم للترويج لبضاعته حتى يتسنى لها نسف معاقل المقاومة في العالم الإسلامي وليتمكنوا حينئذ من حكم العالم وهو هدفهم المنشود. 

ورد في بروتوكولات حكماء صهيون «لا تظنوا أننا لا نعمل فإن نجاح دارون وماركس ونيتشه من مخططاتنا»[3] وورد كذلك «إن دارون ليس يهوديًّا ولكننا استطعنا أن نستغل نظريته لهدم الأخلاق وفساد الشباب غير اليهودي حتى نحكم العالم». 

هذه النظرية التي أودعت ركنا نائيًا في المتحف العلمي التاريخي لتكون نموذجًا محنطًا للخيال العلمي العقيم الذي نما وترعرع وبلغ أرذل العمر على يد دارون والتي ألفت مجلدات من أجل دحضها وتفنيدها لا تزال تدرس في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا، وكأنها قرآن منزل من طعن فيها اتهم بالكفر والزندقة، والسؤال الذي يطرح نفسه:

لماذا تفرض دكتاتورية المناهج في العالم الإسلامي هذه النظرية على أبنائنا مع العلم أن بطلانها مفروغ منه علميًّا وهي الآن نسيًا منسيًّا في مسقط رأسها؟!

إن موقف واضعي مناهجنا الدراسية يذكرني بموقف أحفاد مزدك الجدد الذين تلقوا هذه النظرية بالقبول وعضوا عليها بالنواجذ وكأنها هدية السماء إليهم والشيوعيون معذورون لأنهم يخدمون مصالحهم فهذه النظرية تفرض الإلحاد وتقوي عوده.

من أجل هذا كتبت هذه الكلمات ذكرى للذي يعلم وتبصرة للذي لا يعلم وإني لأعلم أن أنوفًا ستحمر غضبًا للهياكل التي عادت إلى بلادنا بعد تعميدها في نهر الإلحاد الآسن ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(غافر: 44). 

[1] جوليان هكسلي، الإنسان في العالم الحديث ص 27 - 29

[2] كريس موريسون، العلم يدعو إلى الإيمان ص 145.

[3]  بروتوكولات حكماء صهيون، ترجمة محمد خليفة التونسي من 126.

 

الرابط المختصر :