العنوان نظرية المؤامرة.. والمنطق الأمريكي
الكاتب الطاهر إبراهيم
تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2002
مشاهدات 60
نشر في العدد 1510
نشر في الصفحة 41
السبت 20-يوليو-2002
أن تجعل من نفسك قاضيًّا تحكم بين الناس فذلك أمر ربما يستسيغه البعض, وأن تتهم من تريد بجريمة لم يرتكبها، فقد يقبل البعض الآخر ذلك على مضض، لكن أن تسوق هذا الآخر بتهمة الإرهاب إلى ساحة محكمة, أنت فيها الخصم والحكم, ثم لا يكون لهذا الآخر حق الاعتراض، بل و تطلب من كل الناس أن يؤمّنوا على الاتهام، فذلك هو الإرهاب بعينه. وإذا نهض من يفند اتهاماتك ويعترض عليها, ويطلب أن تقدم دليلًا تثبت فيه صحة ادعائك، فتصر على رفض أي اعتراض, فهو استخفاف، أما أن ينساق كل الناس وراءك- دون أن يجرؤوا على الطعن في الأحكام التي تصدرها حسب لائحة اتهام وضعتها بنفسك- فهي كارثة.
أليس هذا منطق أمريكا؟
منطق خطير أن يُقبل من أمريكا أن توجه الاتهام إلى العرب والمسلمين قبل مضي يوم واحد على الأحداث التي ضربتها في ١١ سبتمبر الماضي. وإذا تصدى أحد لتفنيد المزاعم، رفعت في وجهه «البطاقة الحمراء»، وقيل له إنك من أصحاب نظرية المؤامرة!. وحتى لا توصم بأنك من أصحاب هذه النظرية، ما عليك إلا أن تقبل بما يتهمونك به.
وإذا كان الكاتب الفرنسي «تيري ميسان» تجرأ وكتب كتابه «الخديعة الكبرى»، الذي يدحض فيه مزاعم أمريكا التي تتهم تسعة عشر من العرب بالأحداث؛ فلأن لديه حصانة تحميه من غضب أمريكا، كونه فرنسيًّا، وليس عربيًّا شرق أوسطي.
لقد علم كل من لديه خبرة معقولة بتقنيات الطيران أن العرب الذين اتهموا أحداث سبتمبر لا يستطيعون القيام بأمثال هذه الأعمال؛ لأن من يقوم بمثل هذه الأعمال يحتاج إلى تقنية عالية ومساندة أرضية تستطيع التشويش والتغلب على أجهزة الإنذار المبكر التي تتولى حماية المنشآت الخاصة مثل البنتاجون والبيت الأبيض, وأن يكون على علم بالشيفرة التي تمنع الدخول على هذه الأجهزة إلا لمن يستطيع فك رموزها.
لقد تجاوزت حملة التلفيقات التي شنتها أجهزة الاستخبارات الأمريكية كل مألوف و مقبول، عندما أعلن عن العثور على جواز سفر «محمد عطا» القائد المزعوم للأحداث، بجانب أنقاض برجي مركز التجارة العالمي دون أن تحرقه النار التي صهرت الحديد، بعد ذلك تم الكشف عن أشرطة فيديو لبعض من زعم أنهم قاموا بالأحداث تصورهم في كباريهات ومراقص، وكأنهم يقولون للعالم انظروا إلى دعاة الإسلام: كم هم أشرار!.
وقد لا يأخذنا العجب من تعليق المتحدث باسم البنتاجون على ما جاء في الكتاب الفرنسي الذي أشرنا إليه بقوله: «لا يوجد رد فعل رسمي على ذلك لأننا نراه غبيًا!», لأننا خبرنا الفظاظة الأمريكية، لكن يأخذنا العجب عندما نجد كاتبًا يتهم ميسان، أنه من أصحاب نظرية المؤامرة، ويقول: «المشكلة هذه المرة أن ترويج هذه الفكرة «المؤامرة» يأتي من مثقفين ومتعلمين وقادة رأي, والمسألة الأهم أن التمسك بهذا النوع من التحليل يسوغ رفض الحوار مع الآخرين، ويساعد الفكر المتطرف في البقاء والانتشار».
أليست أمريكا هي من رفض الحوار مع الآخرين, عندما أطلق بوش مسلماته العجيبة إثر الأحداث، واضطر لتعديلها مرات حتى وصلت إلى صيغتها النهائية «من ليس معنا فهو مع الإرهاب»؟.
أليست عنجهية أمريكا- التي رفضت تقديم الأدلة- جعلت الآخرين يبحثون عن الحقيقة, بعد أن رفضت أمريكا السير في الطريق الصحيح للوصول إليها؟
علامات استفهام
وبعيدًا عما جاء في كتاب «الخديعة الكبرى» فإني أورد بعض علامات الاستفهام التي تجمعت لدي وجعلتني- مع غيري- أشك في الرواية التي ساقتها أمريكا دون أن تقدم دليلًا واحدًا مقنعًا يثبت صحتها:
أولًا: سارع مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI بنشر أسماء تسعة عشر من العرب اعتبرهم متورطين، وخلال أقل من يوم واحد تم التأكد من أن خمسة من هؤلاء أحياء في أوطانهم.
ثانيًا: لنسلم جدلًا أن هؤلاء- الذين تدربوا على نماذج مصغرة من الطائرات حسب الادعاء- كانوا من العبقرية المهنية لدرجة أنهم استطاعوا قيادة الطائرة التي اخترقت البرج الأول لمركز التجارة العالمي، فكيف نصدق أن واحدًا منهم استطاع أن يحيد بالطائرة الثانية عن البرج الأول ليتوجه مباشرة إلى البرج الثاني الذي لا يبعد عن الأول بأكثر من مائة متر دون مساعدة راداريه من الأرض، ويدخل فيه وكأنه يقود سيارة صغيرة؟
وقال الرئيس المصري في مقابلة تلفزيونية مع CNN أن: «حادثًا من هذا النوع يجب أن يسبقه طيران وتحليق مسبق في المنطقة بقدر كاف ليستطيع أن يصدم المبنى بالطائرة، وبصفتي طيارًا سابقًا فإنني أعرف أن الأمر ليس سهلًا».
ثالثًا: إن انهيار البرجين بتلك الصورة يحتاج إلى تعليل علمي مقنع، ولا يكفي أن يقال إن الحرارة التي تولدت عن انفجار الطائرة بحمولتها من الوقود تسببت بصهر مكونات الطابق الذي اخترقته الطائرة فانهار، وانهار ما فوقه من الطوابق, وشكلت مكونات هذه الطوابق ثقلًا فوق الطوابق السفلية فانهار البرج. لأن هذه النظرية تعترضها قضيتان هندسيتان.
الأولى: أن العناصر الحاملة في كل طابق مصممة أصلًا كي تحمل مكونات هذا الطابق والطوابق التي فوقه، وأن انهيار طابق يؤدي إلى تصدع في الطوابق التي تحته بسبب الصدمة, وكلما ابتعدنا نزولًا إلى الطوابق السفلي يقل هذا التصدع، ونحن نتكلم هنا عن منشأ عناصره الحاملة من الحديد وهي لا تنهار بمجرد التصدع، في حين إن ما رأيناه كان انهيارًا كاملًا لا تصدعًا أو انحناء.
الثانية: إن انهيار أي مبنى, على الصورة التي حصلت يتم بفعل تصدع في الأساسات, وهذا ما كانت تقوم به الشركات الهندسية التي تريد إزالة مبنى ما، فقد كانت تقوم بزرع عبوات ناسفة في أعمدة الدور الأرضي وتفجرها في وقت واحد، مما يتسبب بانهيار المبنى.
رابعًا: تم الإعلان عن الاشتباه بعدد كثير ممن قدم مساندة للخاطفين «رصد, تمويل, تخطيط», وكان من أبرز المتهمين «زكريا الموسوي» الفرنسي من أصل مغربي الذي اعتبره الإعلام الأمريكي الخاطف رقم 20، وقد أذاعت هيئة الإذاعة البريطانية يوم 3 يوليو الجاري خبرًا مفاده أن «الموسوي»، طلب أن يتم الاستماع لإفادته من قبل أعضاء في الكونجرس الأمريكي، معلنًا أن المخابرات الأمريكية كانت على علم بما يدبره هو ومجموعة الخاطفين ولم تتدخل؛ لأنها كانت تريد أن تتخذ من الأحداث ذريعة لمهاجمة أفغانستان.
خامسًا: إن الممارسات التي فرضتها أمريكا هي التي جعلت العالم يشكك بروايتها، وأضرب مثلين لهذه الممارسة:
1- بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي عن رؤيته لقيام دولة فلسطينية سرب اللوبي الصهيوني أخبارًا تشير إلى أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية كانت قد حذرت الإدارة الأمريكية من وقوع اعتداءات قد تحدث، وهو ما كانت تنفيه تلك الإدارة.
2- أحداث «الجمرة الخبيثة» التي ضخم وزير العدل الأمريكي من شأنها، حتى إذا ما تمت تعبئة الرأي العام الأمريكي ضد الإرهاب، انطفأت هذه الجمرة وكأنها زوبعة في فنجان!.
بعد هذا السرد لقناعات بنيتها على متابعة دؤوبة للأحداث أقدم سؤالًا وأتبعه بتعليق:
إذا كانت هناك مصلحة للأقوياء- وفي مقدمتهم أمريكا- في أن يفرضوا أساليبهم وتلفيقاتهم، لإملاء سياساتهم.. فما مصلحتنا نحن بقبول هذه الإملاءات؟
أليس «أضعف الإيمان» أن نقف بكل ما أوتينا من وسائل الدفاع في وجه هذا التمييز الذي يمارس ضد بعض العرب والمسلمين المعتقلين في جوانتنامو من دون محاكمة, بل من دون لائحة اتهام توضح الجريمة التي اقترفوها، وتمارس عليهم أساليب تخرجهم عن نطاق الآدمية وكأنهم حيوانات مفترسة يخشى أن تنفلت من أقفاصها ؟! وأين هي إذًا قاعدة التقاضي التي تقول «إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»؟.
وقد يقول قائل: إذا كان أسامة بن لادن وأتباعه لم ينفوا صلتهم بالأحداث فكيف تريدنا ألَا نصدقها؟
والجواب: إن الاتهامات والتصريحات المتبادلة بين أسامة بن لادن وأمريكا تدخل في نطاق الحرب المعلنة بين الطرفين، ولا تلزمنا أن نصدق شيئًا منها حتى يأتي من يثبته بالدليل والبرهان.